الاتحاد

دنيا

شمس الإسلام تسطع على العالم

شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يختم موكب الأنبياء والرسل بمحمد -عليه الصلاة والسلام- وشاءت إرادته سبحانه وتعالى كذلك أن ينزل عليه أنبل رسالة، وأكمل تشريع. هذه الرسالة التي حملت مشعل الهداية من السماء إلى الأرض، فسطع نورها ليعم مشارق الأرض ومغاربها، وليغير ما اغبر من وجه التاريخ، ولينقل -في الوقت ذاته- البشرية من ظلام الجاهلية الدامس إلى نور الحضارة وشموس اليقين.
والمتأمل يلحظ أن النقلة الحضارية للبشرية كانت بدايتها عند الإنسان العربي ذاته، حيث نقله الإسلام من ظلمات الجاهلية، ونعرات العصبية التي يعصف ريحها بالكيان القبلي عند الإنسان العربي إلى وحدة قوامها الإسلام شعارها «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح». ولعل هذا ما أشار إليه الحق سبحانه وتعالى حين قال: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (إبراهيم آية 1).
ولقد أحس الإنسان العربي بهذه النقلة الحضارية، حيث ذاق مرارة العصبية والتخلف في الجاهلية، وذاق حلاوة المعرفة والتمدن في ظلال التشريعات الإسلامية الخالدة، فآثر الثانية على الأولى، ووقف مكافحاً ومدافعاً عما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه من مدنية وحضارة قوامها دين حنيف، ودعامتها أخلاق فاضلة أنقذته من براثن الفحش والرذيلة، وسمت به إلى ذرى العز والفضيلة، حتى وجدنا جعفر بن أبي طالب يقف مفاخراً بهذه الحقيقة التي تنبئ عن سطوع شموس الحضارة على الأمة العربية فيقول مخاطباً النجاشي، كما يروى ابن هشام في سيرته «أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف... فكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. فصدقناه واتبعناه على ما جاء به من الله سبحانه وتعالى».
إن هذه الكلمات الرائعة لتعبر عن نفسية صادقة ذاقت مرارة الجاهلية وانحدار الخلق فيها، ثم منَ الله عليها فذاقت حلاوة الإيمان، فأيقنت بربانية ما فيه من قيم أخلاقية، ونبل ما فيه من غايات ومثل إنسانية، فانطلقت معبرة عن واقعها قولاً وفعلاً وسلوكاً، حتى أثمر ذلك قناعة عقلية، ويقيناً فكرياً بسمو ما تدعوا إليه من رسالة، ونبل ما تؤمن به من تشريع.
وفى سبيل الوصول إلى ذلك، تعددت أزمنة وأمكنة اللقاء بين الشرق والغرب، والتي منها سطع شمس الإسلام على العالم بأسره، فكانت على سبيل المثال فكرة الرحلة إلى بيت المقدس التي مثلت ظاهرة شعبية في العالم الأوروبي في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي، حيث زادت أعداد الحجيج المسيحيين بشكل كبير، ولعل سبب ذلك الاعتقاد الذي شاع في أوروبا عن نهاية العالم بنهاية القرن العاشر الميلادي، وبسبب سيطرة الدين القوية حينئذ على نفوس الناس، الأمر الذي أدى إلى وجود تفاعل قوى بين مفردات الحضارة الإسلامية النابغة في الشرق، وبين مفردات الحضارة الأوربية في الغرب ما جعل جموع الحجيج الأوروبيين ينبهرون بما لمسوه من مظاهر الرقي والتقدم للحضارة الإسلامية في بلاد الشام وغيرها مما به من ديار الإسلام.
أضف إلى ذلك، مرحلة الإخصاب الفكري من خلال الترجمة من العربية إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الأوروبية، وذلك عن طريق الأندلس وصقلية وغيرهما من الحواضر والبلدان التي فتحها المسلمون ووهبوها الثقافات المتنوعة، والعقليات المتفتحة وصنوف الكتب العربية التي تمثل الإرث الثقافي والحضاري لنتاج الفكر الإسلامي.
فلم تمض فترة إلا وأثمر ذلك في ميدان الفكر والمعرفة ثماراً يانعة في التشريع والطبيعة والطب والكيمياء والفلك. ويكفى أن نعلم أن العرب في صقلية أنشأوا مدرسة للطب لم يُعرف مثيل لها في العالم بأثره، وعلى غرارها أنشأت إيطاليا مدارسها الطبية. حتى بعد خروج العرب من صقلية على أيدى النورمان، إذ نلمح أن الحضارة الإسلامية قد أثرت في طباعهم، حيث ساروا على نهج المسلمين في التسامح وتنشيط الحركة الثقافية في الجزيرة، وكان من علامة ذلك أن تركوا المسلمين في عاداتهم وتقاليدهم ودينهم، ما أدى إلى ريادة الجو العلمي الإسلامي في تلك البقاع أزمنة مديدة.
وفوق ذلك استعان النورمان بالعلماء والنابهين من المسلمين، واستخدموهم في دواوينهم وأعمالهم، بل تذكر المراجع التاريخية أن النورمان أبقوا على اللغة العربية لغة رسمية طوال حكمهم لجزيرة صقلية. أضف إلى ذلك أيضاً رحلات التجار العرب التي حملت الإشعاع الحضاري على الكثير من البلدان الأوروبية، ومن خلالها أثر التشريع الإسلامي في العديد من القوانين التجارية في أوروبا تأثيراً ملحوظاً، فكان من علامات ذلك وجود نظرية «العقد» في العديد من القوانين الأوروبية، والتي استمدت من التشريع الإسلامي، حيث قامت فيه على الرضائية مجنبين في الوقت ذاته ما نص عليه القانون الروماني حول تلك النظرية نظراً لما قامت عليه من شكلية، واتسمت به من تعقيد شديد.
أضف إلى ذلك أيضاً التراث العلمي الإسلامي في مجال الطب، فبعد أن كانت بعض المجتمعات تمنع العلاج نظراً لرؤيتهم أن المرض عقاب من الله تعالى انطلق المسلمون إلى النبوغ والبراعة في هذا المجال استناداً إلى الأمر الإسلامي بالتداوي، فكان ابن سينا والرازي، وغيرهما من أبرز الأطباء في العالم الإسلامي، ويكفى أن نعلم أن كتاب القانون في الطب لابن سينا قد ترجم في القرن الثاني عشر، وطبع عدة مرات ليكون أساساً للدراسات الطبية في جامعات فرنسا وإيطاليا، كما نص على ذلك جوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب»، بل ذكرت بعض المجلات أن ذلك الكتاب ظل يُدرس في جامعة بروكسيل حتى عام 1909م، كما نص على ذلك واحد من أعظم رموز الطب في العصر الحديث، وهو السير وليام اوسلر، أضف إلى ذلك أن جامعة برنستون الأميركية قد أطلقت اسم «الرازى» - الطبيب العربي – على أكبر أجنحتها تخليداً لذكراه، واعترافاً بفضله.
في ضوء تلك المعطيات وغيرها، لا نعد مبالغين إن نقلنا ما ذكره بريفولت في كتابه «تاريخ الإنسانية»: «لم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية... فليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوروبي، إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة.. إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه لنا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة فحسب، بل يدين هذا العلم إلى الثقافة العربية بأكثر من هذا، إنه يدين لها بوجوده نفسه».


د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا