الاتحاد

عربي ودولي

الصادق المهدي سبعون عاما من العطاء في مجال الفكر والسياسة


الخرطوم- فيصل محمد صالح:
احتفلت الأوساط السياسية والثقافية في السودان بالعيد السبعيني للسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق وزعيم الأنصار ورئيس حزب الأمة -ولد في 25 ديسمبر 1935- ،وتكونت لهذا الغرض لجنة قومية برئاسة البروفيسور قاسم بدري عميد جامعة الأحفاد وضمت شخصيات من كل الاتجاهات السياسية والفكرية بما فيها شخصيات يسارية بارزة مثل كمال الجزولي والحاج وراق·
ركز الاحتفال، الذي دام يومين، على العطاء الفكري والسياسي للصادق المهدي طوال هذه السنوات وعلى استعراض تجربته عبر محاور عديدة·
ففي اليوم الأول أتيح للمهدي أن يتحدث عن حصاد تجربته في الحياة عبر كلمة مطوّلة أنهاها بحصر لما يعتقد أنه أهم إنجازاته وأخطائه· وسبقه في الحديث البروفيسور قاسم بدري رئيس اللجنة القومية للاحتفال والسفير المصري وبعض المتحدثين الآخرين·
بينما قدمت في اليوم الثاني عدة أوراق تناولت جوانب من شخصيته وأفكاره قدمها البروفيسور يوسف فضل 'آليات توليد الأفكار عند الصادق المهدي'، والدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه' سياحة في تجربة الصادق المهدي' والشيخ عبد المحمود أبو 'التجديد الديني في فكر الصادق المهدي'·
أتاحت اللجنة المنظمة لشخصيات من مختلف الأطياف الفكرية والسياسية أن تتحدث عن الصادق المهدي، فعرض الوزيران السابقان الدكتور مأمون سنادة وعز الدين السيد - من الحزب الاتحادي الديمقراطي- تجربتهما في العمل مع المهدي عندما تولي رئاسة الوزارة للمرة الأولى عام ،1966 وعلق الأستاذ عبد الباسط عبد الماجد وزير الثقافة السابق على ورقة البروفيسور يوسف فضل، كما تحدث الدكتور الطيب زين العابدين معلقا على ورقة 'التجديد الديني في فكر الصادق المهدي'·
وتحدثت الباحثة المصرية الدكتورة أماني الطويل عن تطور نظرة الصادق المهدي للعلاقات السودانية المصرية والدور الايجابي الذي لعبته إقامة المهدي في مصر في السنوات الأخيرة في تعميق الحوار بين المثقفين السودانيين والمصريين· كما تحدث نائب رئيس الجمهورية الأسبق اللواء جوزيف لاقو والدكتور مرتضى الغالي·
اتفقت آراء معظم المتحدثين على أن أهم ما تميز به الصادق المهدي مثابرته على الكتابة والتنظير والتوثيق وربط العمل السياسي الحركي بالفكر، وتمسكه بالديمقراطية الليبرالية حتى أنه لم يتول أي منصب سياسي أو تنفيذي بغير الانتخاب·
ويعتبر المهدي من رواد فكر التجديد الديني ،وقرن القول بالفعل خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة سواء على مستوى أسرته أو على مستوى الحزب والمواقع التنفيذية·
ولا تخلو مسيرة المهدي من الانتقادات التي تتفق فيها كثير من الآراء ومنها التردد في اتخاذ القرار ومحاولة إرضاء الجميع، والتأرجح بين فكر التجديد وبين محاولة حصد تأييد القاعدة التقليدية لكيان الأنصار، وتمسكه بزعامة الحزب والطائفة طوال هذه السنوات، وينتقده بعض مؤيدي حزب الأمة على تقريبه لأهل بيته وتوليتهم مواقع متقدمة في الحزب·
أخطاء الإمام ··وخطاياه
ألقى الصادق المهدي كلمة مطولة خلال الاحتفال اختار لها عنوانا شطره من بيت الشعر المعروف 'مكانك تحمدي أو تستريحي'، قدم فيها جردا لمسيرة حياته·
أورد الأمام الصادق المهدي مقولة سقراط 'لا تكفي معرفة الحق والباطل بل ينبغي توافر إرادة إحقاق الحق' في سياق سرده لإخفاقاته طوال سنوات عمره السبعين، وقال في إطار تعديد أخطائه:
'إن تعليمنا في الغرب جعلني اعتقد أن الديمقراطية المعيارية نظام حتمي وأن الالتزام به منتظر من الأطراف كافة، ولم أتبين بالسرعة الكافية أن كثيرا من النخب السياسية تعتبر الديموقراطية القائمة على الصواب للشخص الواحد منافية لمقاصد الديموقراطية لأنها تعتمد على ولاء طائفي أو عشائري· ·هذه الذهنية تجد تجاوباً لدى الكثيرين من ضباط القوات المسلحة وهي المسؤولة عن آيديولوجيات الوصاية وعن بعض الاضطرابات السياسية وعن الانقلابات العسكرية· وكنت أحسب أن الغرب تلقائياً منحاز للديموقراطية بينما الحقيقة إنه - الغرب- يفضل من يخدم مصالحه بصرف النظر عن الشرعية الديموقراطية لأن القيادات الديموقراطية لا تستطيع تخطي مصالح ناخبيها، ولأنها لا تقبل التعامل مع الدول الكبرى ما لم يؤسس هذا التعامل على عدالة· إن افتراضاتي في هذه المجالات كانت خاطئة وأوقعتني في الكثير من المشكلات'·
وقال المهدي في الكلمة التي ألقاها في الحفل 'لم أدرك بالقدر الكافي مخاوف المصريين من احتمالات الضرر الذي قد يصيبهم في السودان: العقدة التي خلقها الإنجليز بعقاب مصر بإجراءات في السودان، لدرجة يرحبون فيها بأي كلام معسول من أية جهة سودانية بصرف النظر عن صدقيتها ويتهمون وجهات النظر الأخرى، كما إننا ننزع من خلفية تتهم المصريين بأجندات خاصة في السودان، هذه الكيمياء المصرية السودانية فاتني أثرها وهي ما زالت مفتقرة لتطبيب جوهري'·
وفيما يتصل بجنوب السودان شدد المهدي على إنه لا يزال على المستوى العقلاني من أكثر الناس مبادرات بشأن تحقيق علاقات عدالة وتوازن مع الجنوب والجنوبيين، وقال 'استطعت أحيانا أن أكون علاقات صداقة وثيقة متبادلة مع الكثيرين منهم على نحو ما كان بيني وبين المرحوم - القيادي الجنوبي الراحل - وليم دينق، غير أن الخلفيات الثقافية والاجتماعية السائدة في السودان غطت بسلبياتها على الايجابيات العقلانية في كثير من الأحيان ولوثت علاقاتي مع كثير من الجنوبيين'·
وأضاف المهدي: 'إن النظم الاستبدادية عاملتنا كمجرمين مع إننا لم نرتكب خطأ يستحق هذه المعاملة بل هم الذين ساقهم الطمع والوهم إلى خرق الدستور والقانون· ·هذا الظلم الفادح دفعنا إلى التعاون مع دول أجنبية ضدهم· وفي مذكراتي للعام 1998م وبعد أن علمت حجم تعاوننا مع جهات غير سودانية أسفت كثيرا ودوّنت هذا الأسف وقلت لو كنت أعلم أن الأمر سيبلغ هذا الحد لما أقدمت عليه· وصار من بعض نقماتي على هذه النظم إنها أجبرتنا على أمور نرفضها ونأباها'·
وأكد المهدي أنّ من أكبر أخطائه تصديق وعود الطغاة لأنهم لا يقدمون عليها إلا كجزء من حل لمشكلة ، فإن حلت فإنهم يتنصلون تماماً من وعدهم ' وهذا ما حدث من أمر تصديقنا لوعود الرئيس الأسبق جعفر نميري بإجراء الإصلاحات المطلوبة لبرنامج المصالحة فتخلى عنها وتخلينا عنه، ومع ذلك فإن المصالحة نفسها مع إنها لم تحقق أهدافها مهدت الطريق بما اتاحت من حريات نسبية لانتفاضة رجب أبريل 1985 'التي أطاحت حكومة الرئيس الأسبق جعفر نميري'·
وأشار المهدي إلى قرار تعطيل صحيفتي 'الأيام' و'الصحافة' في أعقاب تشكيل حكومته المنتخبة في العام 1986م والسماح بعودتهما لأصحابهما، بعد التفاهم معهما، وما رافق ذلك من توقف الصحيفتين، اللتين تعتبران الصحيفتين القوميتين في البلاد، من فراغ ملأته الصحافة الملغمة، أشار إلى أن هذا القرار كان أحد أخطائه خلال فترة الديموقراطية الثالثة (1986- 1989م)·
حصاد المسيرة
في سياق حديثه عن إنجازاته اعتبر الصادق المهدي أن من أهمها اجتراحه للطريق الثالث الذي ينهض على اعتبار العصر والأصل جزء من معادلة جدلية لكل طرفيها حقيقة موضوعية في زمان كان الصراع السياسي في سائر أنحاء العالم الإسلامي وخصوصاً في السودان يتمحور حول الشيوعية والأخوان المسلمون· وقال 'هذا الموقف جلب لي تقدير بعض الإسلاميين ونقمة جماعاتهم المنظمة، ذلك لأن الجماعات المنظمة أسست خطابها على أن القوى التقليدية ميتة لترثها فما بال الصادق يحاول إحياء الموتى ،وبالتالي حرماننا من الميراث؟ وجلبت لي أيضاً بعض تأييد قوي اليسار على أساس إنني أقود اليمين بتقدمية اليسار المنظم '·· وأضاف 'رغم ذلك ثابرت على هذا الطريق الثالث الذي يبدو الآن أن ما تعلمه الطرفان 'الشيوعي' و'الأخواني' من الأيام جعلهما أقرب إليه'· وبيّن المهدي أن من إيجابياته اتخاذه الأسلوب الشرعي لنهج الحل السلمي للحرب الأهلية بجنوب السودان في حكومته الأولى (1966 1967 -م) ذلك النهج الذي تأسس على مؤتمر المائدة المستديرة ومؤتمر كل الأحزاب لوضع برنامج الحل السلمي· وعدّد المهدي حزمة من سمات حكومته الثانية (1986 1989 -م) وأعتبرها أهم نجاحاته وإنجازاته وأوجزها في: تشكيل حكومة مثّلت الطيف الجهوي السوداني، الذي أضحى فيما بعد أحد أكبر مهددات السودان ككيان، فضلاً عن عقد مؤتمر قومي اقتصادي واتخاذه برنامجا لتنمية وإصلاح ما خرّبته الحكومة العسكرية، مع إصلاح التعليم واعتبار قضية السلام قضية البلاد القومية والاتفاق على عقد المؤتمر القومي الدستوري·
وذكر المهدي أن نجاحاته تمتد إلى إنزال اللامركزية إلى أرض الواقع بجعل أبناء أقاليم السودان المختلفة حاكمين لأقاليمهم بصورة أشبعت تطلعهم وصار المناخ الإقليمي صحياً للغاية· وأبدى المهدي رضاءً تاماً عن مسيرته الحياتية والسياسية وقال ' أستطيع أن أقول إنني جددت العلاقة مع قاعدتي الشعبية على أساس متجذر في الماضي ومتجاوز له، واستطعت فتح جسور تواصل فكري وسياسي واسع مع الآخرين بحيث أصبح موقفي متجذراً حزبياً وأنصارياً متصلاً قومياً وأممياً·· وقال : 'نعم هناك نقد وهذا طبيعي فلا يوجد شخص دون عيوب أو لا يخطئ، وأنا أرحب بالنقد الذي ينطلق من البحث عن الحق والموضوعية'·· وأضاف 'إنني أطرح الآن فكراً معتدلاً ذا أصداء عربية وأفريقية وإسلامية وعالمية وأسعى لتكوين منابر وهيئات للتعاون في تلك المجالات'·

اقرأ أيضا

المحافظون القوميون يحتفظون بالأغلبية البرلمانية في بولندا