أرشيف دنيا

الاتحاد

«الحنيذ» أفضل أنواع «الشواء» ودليل الكرم وحسن الضيافة

الشواء.. غذاء صحي ومفيد للإنسان

الشواء.. غذاء صحي ومفيد للإنسان

«الشواء» من أشهر طرق إعداد اللحم في تاريخ الإنسانية، وهو ألذ ما يؤكل، طعما ونكهة ورائحة تنجذب إليها الأنوف، وتتعدد وسائل الشوي منذ القدم وتتطور مع التطور البشري، وأشهر طرقها في منطقة الخليج العربية يأتي «الحنيذ» على رأس هذه الطرق، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى «ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ» سورة هود - الآية 69.

وقد أجمع أهل اللغة والتفسير على أن كلمة «حنيذ» تعني المشوي النضيج، ويقول الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة إنها جاءت في سياق الحديث القرآني عن قصة قوم لوط وهو ابن عم سيدنا إبراهيم عليهما السلام، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده فظنهم أضيافاً وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، وقيل إنهم تسعة وقيل أحد عشر ملكاً على صورة الغلمان الحسان الوجوه، دوي الوضاءة والجمال البارع وألقوا عليه السلام فرد عليهم التحية بالسلام، فما لبث أن جاء بعجل «حنيذ»، أي ما أبطأ في مجيئه بعجل مشوي بحرّ الحجارة من غير أن تمسه النار والحنيذ المشوي على «الرضف»، وهي الحجارة المحماة، وقد تضمنت الآية آداب الضيافة من الإسراع والكرم وتقديم أفضل الموجود، وقيل إن أكثر مال إبراهيم كان من البقر.

ضيف إبراهيم
ويضيف الإمام القرطبي، أن الملائكة جاءوا الخليل إبراهيم بالبشرى أي البشارة، واختلف فيها فقال البعض هي البشارة بإسحاق، وقال البعض الآخر هي البشارة بهلاك قوم لوط، وكان إبراهيم يحسن ضيافة كل من نزل عنده، وظنهم ضيوفاً، قالوا سلاماً قال سلام، وعندما قدم لهم العجل المشوي النضيج «رأى أيديهم لا تصل إليه»، أي لا يمدونها إلى العجل كما يمد يده من يريد الأكل «نكرهم» أي وجدهم على غير ما يعهد، وقيل إنه رأى أنهم بدون أيد، وقيل إنما استنكر منهم ذلك؛ لأن عادتهم إذا نزل بهم الضيف ولم يأكل من طعامهم ظنوا أنه قد جاء بشر «وأوجس منهم خيفة»، أي أحس في نفسه منهم خوفاً وفزعاً، وكأنه ظن أنهم قد نزلوا به لأمر ينكره أو لتعذيب قومه، واستدلوا على خوفه بما ظهر على وجهه، مع أنه لم يتكلم، وقالوا «إنا أرسلنا إلى قوم لوط».
وجاء في تفسير ابن كثير: لقد بشرت الملائكة إبراهيم خليل الله بإسحاق وحيوه بالسلام أحسن تحية وذهب سريعاً فأتاهم بالضيافة، وهو عجل حنيذ أي مشوي على الحجارة المحماة.
وقال الطبري: حنيذ أي مشوي نضيج والحنيذ الذي يحنذ في الأرض أو الذي يقطر ماؤه وقد شوي وقيل الحنيذ المشوي مطلقاً ومن غير أن تمسه النار وقيل معنى حنيذ: أي سمين. فلما رأى أيديهم لا تصل إليه، أي لا يمدونها إلى العجل، نكرهم ثم حدثوه بما جاءوا به فضحكت امرأته التي كانت قائمة تعجباً وهي بنت ثمان وتسعين سنة وإبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة أو يزيد وبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.

الضأن الحولي
وطريقة الشوي «الحنيذ» يتم تقطيع اللحم قطعاً صغيرة ثم توضع في إناء كبير وتتم إضافة الملح والبهارات إليها وبعد أن ينقطع الدخان من النار يوضع «المرخ» فوق الجمر ثم يوضع عليه اللحم، وفوقه وفوق النار صحن كبير أو قدر ويتم وضع شيء ثقيل فوقه حتى يتم إغلاق الحواف جيداً ولا يحدث التبخير، وحول القدر يوضع الخيش المبلول بالماء حتى لا تحترق وعليها تراب وماء أو طين لعدم تسريب الهواء إلى اللحم، إلى أن ينضج ويتم رفع هذه الأشياء كلها.
وأخرج أحمد وابن ماجة والترمذي عن عبدالله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شواء في المسجد. وعن المغيرة بن شعبة قال: ضيفت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فأمر بجنب فشوى، ثم أخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاء بلال يؤذن للصلاة فألقى الشفرة فقال: ما له تربت يداه».
ويقول ابن قيم الجوزية: أنفع الشواء شواء الضأن الحولي، ثم العجل اللطيف السمين، وهو حار رطب إلى اليبوسة، كثير التوليد للسوداء، وهو من أغذية الأقوياء والأصحاء، والمطبوخ أنفع وأخف على المعدة وأرطب، وأردؤه المشوي في الشمس، أما المشوي على الجمر فهو خير من المشوي باللهب، وهو الحنيذ أي المشوي على الرضف وهو الحجارة المحماة.


قدير معجل
روى الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها قربت إلى -رسول الله صلى الله عليه- وسلم جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، أخرجه أحمد والترمذي عن طريق عطاء من يسار، والشواء جاء ذكره في ضيافة خليل الله إبراهيم عليه السلام لأضيافه «فما لبث أن جاء بعجل حنيذ»، وقال امرؤ القيس: فظل طهاة اللحم من بين منضج صنيف شواء أو قدير معجل.

اقرأ أيضا