الاتحاد

دنيا

الإتجاه القومي في الرواية العربية بدأ منذ قرنين


القاهرة ـ أحمد الجندي:
يؤكد معظم نقاد الأدب أن الرواية أهم اجناس الأدب المعاصر وانها في مقدمة الابداع المكتوب أو المقروء· واخذت هذه المكانة لأنها الأكثر رصدا وتأثرا بالواقع وتأثيرا فيه· وقد تأثرت الرواية العربية بالتوجهات القومية العربية وعالجت عناصر كثيرة لها علاقة بالهوية والحوار مع الآخر والتحولات الاجتماعية المتلاحقة·
والاتجاه القومي يتلخص في حركة اجتماعية وسياسية واعية لتعميق الاحساس بالانتماء للأمة والتفاعل مع قضاياها·
يعيد الكاتب والناقد د· جابر عصفور نشأة الاتجاه والوعي القومي إلى نهاية القرن التاسع عشر من خلال عدد من رواد النهضة في العالم العربي الذين دعوا للقومية العربية كرد فعل لسيطرة الغرب على العرب منذ حملة نابليون على مصر والشام عام ·1798 وان الوعي القومي تبلور في مصر أيام حكم محمد علي ثم مع بداية الاحتلال البريطاني عام 1882 وبلغ اوج نضوجه مع ثورة 1919 وافرزت هذه الحقبة عددا من المفكرين في شتى التيارات مثل عباس العقاد وطه حسين والمازني وزكي مبارك والدكتور محمد حسين هيكل·
وعن اثر الاتجاه القومي على الرواية العربية في بداياتها يقول ان الرواية في مصر ولبنان بدأت بمحاولات على غرار المقامات وسار الروائيون الأوائل على نهج الهمذاني والحريري· وسرعان ما بدا النضج على شكل ومضمون الرواية على يد جيل الأدباء امثال جورجي زيدان ومحمد حسين هيكل وروايات تلك الفترة اهتمت بالتراث كنوع من مسايرة التوجه القومي واحياء الروح القومية· ولا يمكن اغفال الصلة الوثيقة بين تطور الهم القومي وتطور الهم الروائي حتى قيل إن الرواية فن قومي، وهي من أبرز الاشكال الأدبية تعبيرا عن نضج الأحساس بالشخصية القومية فقد اقترن ظهورها بصورتها الفنية المتكاملة لأول مرة في أوروبا بنضج القوميات الحديثة وهذه العلاقة الوثيقة يمكن رصدها مع نضج الوعي القومي في الاقطار العربية أثناء فترة النضال ضد الاستعمار·
ويقول الناقد د· صلاح فضل: إذا اردنا أن نلقي نظرة على حركة الأجيال الروائية في عالمنا العربي وارتباطها بالاتجاه القومي فسنجد أربعة أجيال يصعب تصنيفها في طبقة اجتماعية محددة ففي الجيل الأول يبرز توفيق الحكيم ونجيب محفوظ من 'مصر' وتوفيق عواد من 'لبنان' ومحمود المسعدي من 'تونس' وعبدالمجيد بن جلون من 'المغرب' وعيسى الناعوري من 'الاردن'·
وأكد فضل أن الرواية العربية منذ زمن بعيد كانت تنتمي إلى الاتجاه القومي وتمتزج به ومن يرصد تطور الرواية العربية منذ القرن الماضي يلحظ غلبة الرواية التاريخية المستمدة من التراث وهو ما بدا واضحا في مصر والشام بوجه خاص كذلك كانت بلاد المغرب العربي تتمسك بالتراث الإسلامي وباللغة العربية· وكان هذا الاتجاه نوعا من مواجهة المستعمر الاوروبي في بقاع عربية عديدة وقد تطور هذا الوعي بالتراث والحرص على اللغة لتصبح نوعا من التوجه القومي في الرواية وبلغ أقصى درجاته في الخمسينات والستينيات من القرن الماضي·
صعود وهبوط
ويرى الكاتب والناقد ادوار الخراط ان حركة الاتجاه القومي العربي على مدى نصف قرن تأرجحت بين صعود وهبوط· ويمكن تتبع هذه الحركة صعودا وهبوطا وإذا بدأنا بالحقبة السابقة على نكبة 1948 نرى ان هذه الحقبة اتسمت عبر النص الروائي بقدر كبير من غياب الرؤية والرومانسية الثقافية، ففي هذه الحقبة بدأ البحث عن المطلب القومي هامشيا رغم تأكيده وتعميقه على المستوى الفكري، ويظهر ذلك في روايات توفيق الحكيم الذي كان غارقا في القطرية مهاجما الفكرة العربية في روايتيه 'عودة الروح' و'عصفور من الشرق'، والروائي العراقي ذو النون أيوب كان حاسما في تصوير ملامح الانتهازية في الواقع العربي من خلال رواية 'الدكتور إبراهيم'، والتونسي محمود المسعدي كان غارقا في التراث العربي دون وضع تصور واضح للوحدة السياسية ويتضح هذا في روايته 'حدث أبوهريرة' في حين ظل اللبناني توفيق يوسف عواد مع نقده لركائز الفكر العروبي ساعيا لترجمة صورة التطور العروبي الحادث في حينه من خلال روايته 'الرغيف'· وأضاف الخراط ان المرحلة التي تلت نكبة 48 والتي كان من المفروض ان يكون لقضية فلسطين فيها تواجد ومكانة في الابداع الروائي العربي نجد أن هذا لم يحدث ربما لعدم تنبه الروائيين العرب لمدى خطورة وحجم هذه القضية على الوجدان العربي، ففي مصر -مثلا- لا نكاد نعرف في تلك الحقبة رواية تعالج قضية فلسطين معالجة مباشرة، وهذا يرجع إلى انشغال الروائيين منذ نهاية الاربعينيات وحتى نكسة 1967 بقضية التحرر من الاستعمار· واكد ان عروبة مصر روائيا سارت في اتجاه عكس حركة الأحداث ففي حين كانت الخمسينات تمهد لتطور فكرة الوحدة على المستوى الرسمي، كانت هناك معارضة من جانب الروائيين من خلال العديد من اعمالهم ثم حدث تحول روائي كبير من القطرية إلى القومية وبدأ ذلك نجيب محفوظ في عدد من رواياته· وعندما تحولت مصر إلى سياسة السبعينات بدأ الروائي المصري يعارض التيار السائد وهو ما تجده ممثلا في ابداع عدد كبير من روائيي الجيل الثالث أمثال صنع الله إبراهيم ويوسف القعيد وعدد كبير من الروائيين العرب من خارج مصر أبرزهم حليم بركات وليلى عسيران ومحمد زفزاف·
استحالة الفصل
وعن أثر التحولات الاجتماعية في الرواية العربية يقول الناقد د· يسري العزب: من المستحيل أن نفصل بين التحول الاجتماعي على الساحة العربية والنص الروائي العربي لأن هذا الفصل يعني أن حركة المجتمع كانت تسير في اتجاه والرواية العربية تسير في اتجاه معاكس وهذا غير صحيح، لأن الرواية تأثرت إلى حد كبير بالتحولات الاجتماعية على الساحة العربية بشكل يبدو في بعض الأحيان اقرب الى التسجيلية· وابرز نماذج الروائيين العرب في هذا المجال نجيب محفوظ فمعظم رواياته كانت نتاج حركات اجتماعية متغيرة و'الثلاثية' تعد مرجعا لحركة المجتمع المصري منذ ثورة 19 حتى ثورة يوليو ·1952 وعما ما أحدثته ثورة يوليو من تغيرات اجتماعية يقول: كانت النصوص الروائية لنجيب محفوظ حاضرة ومتأثرة وراصدة لكل هذه التغيرات على مختلف أنواعها فهو يرصد التحول الاشتراكي وآثاره الاجتماعية في روايات مثل 'السمان والخريف' و'اللص والكلاب' و'ميرامار' وينتقد الثورة من خلال روايات 'ثرثرة فوق النيل' و'الكرنك' و'المذنبون' وينتقد الانفتاح الاقتصادي وما أحدثه من تغيرات اجتماعية في 'أهل القمة' و'الحب فوق هضبة الهرم' كذلك يمكننا الاشارة إلى التأثر الكبير لدى جيل كامل من الروائيين المصريين وهو جيل الستينيات بهزيمة 1967 وما أحدثته من تغير في الحركة الاجتماعية· فنرى يوسف القعيد يكتب 'الحرب في بر مصر' وجمال الغيطاني يكتب 'حكايات الغريب' ويعود يوسف القعيد ليكتب روايته 'يحدث في مصر الآن' على أثر حركة المجتمع بعد معاهدة السلام·

اقرأ أيضا