الاتحاد

دنيا

الذكر للإنسان عمر ثانٍ

في مثل هذه الأيام من العام الفائت، وفي 18 يناير 2005 على وجه التحديد خسرت الثقافة العربية كاتباً من المجيدين ومترجماً من خيرة المترجمين هو الكاتب والباحث العراقي عبد المجيد حسيب القيسي صاحب الترجمات التي حظيت باهتمام خاص من الباحثين في الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي، ولا شك أن كل متخصص في هذين المجالين يتذكر كتابه 'الثورة العباسية' و 'التاريخ الإسلامي في تفسير جديد'، لكن أصدقاءه من الكتاب والمفكرين تذكروا إلى جانب كتبه ومؤلفاته أن يكتبوا عنه هذه الشهادات في الذكرى الأولى لوفاته وفاء منهم له ولما تميزت به شخصيته من مناقب وقفوا عليها 'عن قرب'، مؤكدين بكتابتهم هذه أن المبدع لا ينسى وإن غيبه الموت وأن الذكر للإنسان عمر ثانٍ·
يقول عبد الغني الدلي وزير وسفير عراقي 1953 ــ 1958: فجعت بوفاة الكاتب عبد المجيد القيسي (أبو وضاح) 'رحمه الله' الذي كان أخاً وفياً وصديقاً حميماً طيلة خمسين عاماً، كان 'رحمه الله' كما عرفته لامعاً منذ شبابه وقد برز في ميادين الأدب والقانون والتاريخ على مدى السنين، وكان عبد المجيد إلى جانب ذكائه شخصية جذابة وعلى خلق وكان له ،على الخصوص، حضوره المتميز في المجالس والندوات، حيث كان دائما محط الأنظار والأسماع· وكان 'رحمه الله' صريحاً جريئا في طرح آرائه، شديداً على المنافقين والكاذبين والمتطرفين، لا يمنعه منصب أو مقام من قول الحقيقة كما يراها· وكان أسلوبه لاذعاً وربما جارحاً في بعض الأحيان إذ لم يكن في طبيعته أن يسكت عن منقصة أو يغطي على مثلبة··· ولكن ابتسامته ورشيق عبارته وخفة دمه، كانت تشفع له وتجعل الجميع يأنس به ويرتاح اليه حتى أولئك الذين تنالهم بعض سهامه·
عرفت عبد المجيد أول ما عرفته شاباً يعمل في إدارة كلية الحقوق ،1945 عندما عينت محاضراً في علم الاقتصاد في تلك الكلية بعد عودتي من الدراسة في انجلترا، ولم يكن من الصعب أن أكتشف فيه آنذاك من المواهب والمزايا ما جعلني اعتز به وأوثق العلاقة معه، وقد حملني إعجابي به وتقديري لمواهبه على ترشيحه، فيما بعد للعمل في البلاط الملكي العراقي، فتم تعيينه في إدارة التشريفات الملكية حيث أظهر من المقدرة والنباهة ما جعله موضع اعتزاز وثقة القائمين بالأمر آنذاك· كما خرج هو من تلك التجربة بتقدير سليم للأهداف الوطنية لذلك العهد وظل وفياً له حتى بعد أن أصبح في ذمة التاريخ·
شجاعة لا تنسى
وما زلت اذكر له موقفا شجاعاً لا ينسى· ففي يوم 14من اكتوبر 1958 الذي حصل فيه الهجوم الغادر على (قصر الرحاب) وقتل فيه الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله وعدد من سيدات الأسرة المالكة··· كان (عبدالمجيد) الوحيد ممن عاشوا في ظل ذلك العهد الذي أقام مجلساً للفاتحة على روح الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله في الوحدة الإدارية التي كان يرأسها في جنوب العراق، وكان من الطبيعي أن يثير هذا الموقف عليه حفيظة 'الثوار' فعزل من منصبه فوراً وألقي رهن التوقيف· ولما لم يكن في عمله ما يعاقب عليه القانون اضطروا للإفراج عنه، فغادر العراق عام 1961 وقد زارني في (الكويت) حيث هاجرت للعمل فيها ومكث بعض الوقت ثم عاد الى بغداد تحت الحاح بعض أصدقائه وتولى منصب وكيل وزارة الإصلاح الزراعي، لفترة قصيرة عام 1963 ولكن ما لبث ان استقال من ذلك المنصب لأن الأوضاع لم تعد تصلح لأمثاله· وغادر العراق ثانية الى غير عودة، وحط رحاله في إمارة (أبوظبي) حيث سبق اليها عدد من أصدقائه· وصادف ذلك الحين أن تولى المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان زمام الأمور فيها وبدأ مسيرته المجيدة في تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة·
وقد انضم (عبدالمجيد) الى هذه المسيرة برفقة عدد من العراقيين النابهين الذين سبق أن تولوا مناصب هامة في الدولة العراقية ولم تعد ظروف الحكم العسكري والاستبداد في العراق ملائمة لهم فنزحوا الى دولة الإمارات حيث وجدوا التقدير والمجال الرحب لتقديم ثمرة خبرتهم وتجاربهم في بلد عربي كريم تحت قيادة رشيدة هي قيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'رحمه الله'، وكان للفقيد (عبدالمجيد حسيب القيسي) دور هام في صياغة القوانين والأطر الإدارية للدولة الناشئة، وتولى منصب أمين عام مجلس الوزراء ومستشار رئيس الدولة الى حيث تقاعد في أوائل التسعينات بسبب ما ألم به من المرض العضال الذي أدى الى وفاته في 18/1/·2005
إسهام ثقافي
ومن الجدير بالذكر ان الفقيد الى جانب أعماله الإدارية والقانونية في ديوان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، انكب في أوقات فراغه على الترجمة والتأليف فنشر نحو اثني عشر ترجمة ومؤلفا منها ما يتعلق بتاريخ العراق السياسي، وتطور دول الخليج العربي، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، ومنها ما يتعلق بالتاريخ العربي والإسلامي، ولعل أشهر كتبه وأكثرها انتشاراً وإثارة للنقاش كتابه المعنون 'التاريخ يكتب غدا، هوامش على تاريخ العراق الحديث' ثم ترجمته 'مذكرات أميرة عربية' الذي نشرته وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان وأعيد طبعه أكثر من مرة·
ومن أهم ترجماته كتاب 'العراق دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية 1915 ـ 1975 في جزئين، تأليف اديث وآن اف بنروز، وقد كتب الفقيد مقدمة وافية لهذا الكتاب حلل فيها طبيعة المجتمع العراقي والشخصية العراقية، والمراحل التاريخية والجغرافية التي أثرت في تكونها، وهذه المقدمة - كما أرى-من خير ما كتب في هذا الباب وفيها دروس وعبر لكل من يتصدى لفهم أحوال العراق أو لإدارة زمام الأمور فيه، كما أنه ترجم كتاب 'الثورة العباسية' وكتاب 'التاريخ الإسلامي في تفسير جديد'، وكلاهما من تأليف الدكتور محمد عبدالحي شعبان، وفيها نظرة جديدة للتاريخ الإسلامي جديرة بعناية الباحثين· ومما يدل على سعة أفق الفقيد وعميق اهتمامه بمصير المجتمع العربي الإسلامي قيامه بترجمة كتاب 'المجتمع الإسلامي والغرب' تأليف: هارولد بوين و'هاملتون جب' وهو من كبار المستشرقين البريطانيين، ويتناول علاقة الإسلام بالغرب الأوروبي والصراع المتواصل بين الثقافتين الإسلامية والأوروبية وهو جزء مما صار يطلق عليه الآن 'صراع الحضارات'·
ولقد ترك المرحوم عبدالمجيد الى جانب كتبه المنشورة بعض المخطوطات التي لم يتسن له إكمالها بسبب تدهور صحته في السنوات الأخيرة من حياته، وهي كتاب عن الرصافي وآخر عن الجواهري اللذين كان للفقيد متابعة ورأي خاص في كل منهما، وله مخطوط آخر بعنوان 'البهيج في اخبار الخليج' لم يسمح الوقت بنشره·
من جهته قال المؤرخ والباحث العراقي شكري صالح زكي:
في زاوية ضيقة من غرفة في أحد المستشفيات، وقفت جنب السرير الذي يرقد فيه الصديق العزيز عبدالمجيد حسيب القبيسي، وكان في النزع الأخير من الحياة يشهق بصوت عال الحصول على أكسير الحياة (الأوكسجين) الذي لم يوفر له وخلال أقل من ساعة توقف اللهاث والشهيق، وتوقفت نبضات قلبه، وغادر القيسي عالم الأحياء، مخلفا من بعده كماً ضخماً من آثار الإبداع والذكريات·
وآثار القبيسي وذكرياته ومآثره، وامتاز القبيسي بثقافة موسوعية تضم الشوارد والنوادر من متفرقات الآداب والتاريخ، وعلم الاجتماع، وكان متابعاً، وعالماً بالأحداث والتقلبات السياسية في العراق وغيره من الأقطار العربية الأخرى، ولم يكتف القبيسي بالمخزون الضخم من المعلومات والمعرفة التي تراكمت لديه عبر عشرات السنين، فقد كان ناقداً ومحللاً وباحثاً رفيع المستوى، وكان صريحا غاية الصراحة في نقده، جريئاً ودقيقاً في تحليله للأحداث وفي كشف حوافزها وفي بيان عيوبها ونقائصها وكوارثها·
وقد أثرى القبيسي المكتبة العربية بترجمة الروائع في الآداب والتاريخ والاجتماع·
ولئن أمسى القبيسي رميماً في ظلال القبر، فلسوف تبقى آثاره وذكرياته شموعاً تنير عتمة فراقه وفقده·
أما الكاتب الدكتور يوسف عز الدين فقال:
ان رحيل صديق العمر الفذ عبد المجيد حسيب القيسي 'رحمه الله' أصابني بصدمة روحية حجرت الكلمات وأذهلت الألفاظ من شدة وقعها على روحي وعقلي، وجمدت الأحاسيس المتدفقة من بياني؛ فهو صديق الطفولة والشباب والشيخوخة· وكان لقائي الأول به في مدرسة بعقوبة الابتدائية ثم نقل والده فتقطعت بنا الأسباب، لكن الأيام أعادت هذا الود وهذه الصلة في عز الرجولة· عرفت فيه الاعتزاز بالنفس والاعتداد بالرأي، وما كان مجاملا في الحق وما تساهل في دفع الأذى وكان شديد النزاهة في عمله·
امتاز بالذهن الوقاد وسرعة البديهة وتقصي الأخبار، ويبدو ذلك في الملحق الذي وضعه لكتابي (الرصافي يروي سيرة حياته) فقد أفاض في الحديث عن الشخصيات والأحداث حتى اضطررت إلى تركيز ما كتب فكان خير مؤرخ صادق لفترة العراق الحديث وأصدق منظر لرجاله·

اقرأ أيضا