أرشيف دنيا

الاتحاد

موعد مع الموت

استغرب أبناء القرية جميعاً من قرار «عبدالناصر» واعتزامه الزواج مرة أخرى، رغم أنه متزوج وله أربعة أبناء، ولدان وبنتان وزوجته لم تقصر في واجباته منذ ارتبط بها قبل خمسة عشر عاماً، وأسباب الاستغراب كثيرة ومنها أنهم جميعاً تحكمهم عادات وتقاليد، فلا يتزوج أحدهم مرة ثانية إلا إذا ماتت زوجته، أو كانت الضرة في مدينة أخرى بعيدة، وهم يحرصون على صلة القربى والأرحام والمصاهرة، كما أن «عبدالناصر» مجرد عامل بسيط وإمكاناته محدودة ولا يملك إلا داراً صغيرة، وبعض القراريط من الأراضي الزراعية، التي لا تستحق أن يطلق عليها كلمة ملكية، وثالث الأسباب أن زوجته مازالت في شبابها وبالكاد تخطت الثلاثين بعام أو عامين فقد تزوجها وهي ابنة سبعة عشرة سنة، ومازالت تحتفظ بحيويتها ونشاطها، وهي أكثر جمالاً من العروس التي اختارها ضرة لها وتصغرها بسبع سنوات فالعروس في الخامسة والعشرين من عمرها، ليس عندها مميزات كما رأى أهل القرية، إلا أنها متعلمة وحاصلة على مؤهل عالٍ وتعمل معلمة في المدرسة القريبة من المنزل، وتربطه بها صلة قرابة، لكن ليس فيها أية لمسة جمال أو ما يجعلها مرغوبة ومطلوبة من المقبلين على الزواج، لذلك لم يسلم «العريس» من الهمز واللمز وربما وصل الأمر إلى الاستهزاء بقراره المجنون.
وعندما وصل النبأ إلى الزوجة الأولى «هند» ضحكت وشر البلية ما يضحك، قد تكون أصابها الغرور لما تراه في نفسها من جمال وحسن مقارنة بالضرة القادمة لتشاركها بيتها وزوجها، أو لأنها ترى أن تلك الزيجة محكوم عليها بالفشل مسبقاً سواء تمت أو لم تتم، وستظل في كل الأحوال سيدة الدار وحولها أبناؤها تستقوي بهم حتى لو كانوا صغاراً، واضحكها أن زوجها ليس من الرجال الذين يمكنهم الإنفاق على زوجتين وفتح بيتين، وكأنها أرادت مع حسرتها وحزنها أن تتشفى فيه لما سيلقى في أيامه المقبلة، ومهما كان فقد اشتعلت نيران الغيرة داخلها فلن تقبل المرأة أن تشاركها أخرى زوجها تحت أي ظروف، وأخذتها العزة بالإثم وهي تدعي أن الأمر أهون مما يرون ولا تلقي له بالاً، لكن كانت ليلة زفافه هي الأسوأ في حياتها، وتحقق ما كانت تتوهم أنه لن يحدث وجاءتها «الضرة» رغم أنفها تشاركها الدار والزوج وكل شيء صغر أو كبر.
كشر «عبدالناصر» عن أنيابه، وهو يعبث في شاربه إثباتاً لسيطرته على الموقف وأنه صاحب القوامة والرأي الأول والأخير في البيت، وأظهر للأولى العين الحمراء، وهو يهدد ويتوعد من يخرج على أوامره، لكن هناك أشياء كثيرة خرجت من حدود سلطانه وتسربت من بين يديه كما يتسرب الماء من بين الأصابع، لم يستطع أن يتعامل مع الزوجين بالأسلوب نفسه، فهو يميل إلى الجديدة رغم أنها أقل جمالاً، ثم إنها تذهب إلى عملها بالتعليم من دون أن تشارك كثيراً في أعمال البيت، ولم تستطع «هند» أن تتحمل وضعفت مقاومتها، وأعلنت تبرمها ورفضها فدبت الخلافات أو ظهرت على السطح، مثل البركان الذي ثار وألقى بالحمم، فتعكر صفو الأجواء المزعوم وساد التوتر بعد أسابيع معدودة، ومع هذا فإن «هند» لا تفتقد مكر الأنثى ولا ينقصها الذكاء، فكانت تستخدم ضعفها في حربها، فتلجأ إلى الشكوى لزوجها من ضرتها ولا تمل تكرارها لتبدو كأنها مظلومة، ولا مانع من أن تقحم أبناءها ليكونوا دروعاً بشرية يدعمون شكاواها ويختلقون شكاوى ومظالم من زوجة أبيهم التي أظهروها كأنها شيطان حط بينهم وسرق الأمن والاستقرار.
جاءت اللحظة الفارقة، عندما عاد «عبدالناصر» من عمله في نهاية اليوم عند غروب الشمس، و»هند» تحاول أن تخفي سعادتها وهي تلقي على أذنيه بالخبر الصاعقة الذي جعله يفقد توازنه، إن زوجته حرمه المصون التي لم تكمل شهرها الثالث في بيته، سرقت كل المجوهرات التي تخصها وتخص ضرتها، وحملت بعض ملابسها وهربت ولا أحد يدري إلى أين ذهبت، دارت الأرض من تحته، فقد توازنه، توقف عقله عن التفكير، استجمع قواه وذهب يبحث عنها عند أسرتها لكنهم أخبروه أنها لم تأتِ إليهم، وكان هذا هو الرد نفسه الذي يتلقاه من كل من يسأله عن زوجته، فلم يكن أمامه إلا أن يتوجه إلى قسم الشرطة ويحرر بلاغاً باختفائها وأيضاً يتهمها بسرقة المجوهرات، ولم يصل البوليس إلى أي معلومات عن مكان هروب «دعاء»، بينما «هند» تشعر بنشوة الانتصار؛ لأن المؤكد أن زوجها لن يعيد ضرتها إلى الدار مرة أخرى بعد فعلتها الشنعاء، والفضيحة التي سببتها له، غير أن ما حدث كان خارج حسابات الجميع، فقد لقي «عبدالناصر» مصرعه في حادث سيارة قضاء وقدرا بعد أسبوعين فقط من واقعة هروب زوجته، مات قبل أن يعرف الحقيقة الغائبة.
ستة أشهر كاملة مضت، ولايزال سر اختفاء «دعاء» يمثل لغزاً، ولم يبد لها أي أثر في أي مكان، ولو كانت في آخر الدنيا لظهرت بعد موت زوجها خاصة أن نهايته كانت في حادث أليم، ولا بد أن تعود وقد مات صاحب الكلمة عليها، وقد تطالب بحقوقها في الميراث القليل الذي تركه، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث واتجهت الشكوك إلى أنها تعرضت لمكروه، غير أن أحداً لا يستطيع أن يتكهن به أو يتوقعه، بعد هذه الشهور الطويلة، وجاءت مفاجأة أخرى لتقضي على البقية الباقية من هذه الأسرة الفقيرة، فقد هربت «هند» وتركت القرية، لكن هروبها ليس غامضاً، إنما هروب مسبب، إذا إن أصابع الاتهام بدأت تشير إليها في اختفاء «ضرتها» ومن دون أن تؤكد أو تنفي اختفت، وكان في هروبها أكبر دليل على ارتكابها فعلة ما تجاه ضرتها، وفتحت النيابة التحقيق من جديد وبدأت تستمع لأقوال الصغار، وفجرت التلميذتان الصغيرتان المفاجأة الكبرى بأن أمهما وراء قتل زوجة أبيهما وأنها دفنتها في زريبة المواشي وأنهما ساعدتاها في حفر القبر، وهددتهما بالذبح ودفنهما مثلها إذا تفوهت أي منهما بكلمة.
ويتم البحث عن «هند» ولم تكن هناك صعوبة في التوصل إلى مكان اختبائها، فهي لن تهيم في الشوارع، ولن تذهب إلا إلى منطقة معروفة لها، وهناك في مدينة نائية كانت عند أختها التي علمت بالجريمة، لكنها لم تستطع الإبلاغ عن شقيقتها أملاً في عدم الوصول إليها، لكنها فوجئت بمن يطرقون الباب طرقات متتالية تدل على هويتهم وانهم رجال البوليس الذين جاءوا للقبض عليها والغريب أنها أشارت اليهم بالانتظار دقائق معدودة حتى تجمع ملابسها، ومن دون أن يطلبوا منها مدت يديها ليتم وضعهما في القيود الحديدية وهي متماسكة رابطة الجأش، لا يبدو عليها أي تأثر أو ندم، حتى تعجب رجال الشرطة من هدوئها أو تحجرها، وأمام المحقق لم تراوغ ولم تناور، وقالت: نعم قتلتها، ولو عادت إلى الحياة لأعدت قتلها مئة مرة، انتقمت لكرامتي التي كانت سبباً في جرحها، ما كان لي أن استسلم وأقبل الأمر الواقع وهي تستحوذ على زوجي بعد عشرة هذه السنين، وتحرمني منه، وتحرم أبناءه من حنانه، إنها ليست زوجة، وإنما هي مدمرة جاءت تهدم بيتي وقد فعلت، كان لا بد أن أدافع عن حياتي ومستقبل أبنائي، فكرت كثيراً في وسائل متعددة للخلاص منها، ولم أجد إلا القتل ليكون خلاصاً نهائياً أبدياً، استدرجتها إلى زريبة الماشية بحجة مساعدتي في تنظيفها بعد أن حفرت الحفرة مسبقاً وهناك وبمساعدة ابنتي ألقيت بها فيها وانهلت على رأسها بشاكوش حديدي، ضربات متتالية الأولى كانت كافية لأن تفقدها الوعي والثانية جعلتها تسقط جثة والباقيات أزهقت روحها، دماؤها لم تخرج عن الحفرة، لذلك لم يبد أي أثر لتلوث دماء في المكان أو على ملابسي، وألقيت الشاكوش معها، وأعدت الحفرة إلى ما كانت عليه وفوقها بعض الروث والماء.
وعند «القبر» الذي دفنت فيه ضحيتها وقفت «هند» تشير إلى المكان وتقول هنا ترقد «الأفعى» وتم الحفر واستخراج ما تبقى من الجثة التي تحللت ولم يبق إلا العظام التي مازالت «هند» تغار منها رغم موت زوجها أيضاً، ولم تنكر أمام المحكمة وكررت اعترافاتها فصدر الحكم بإعدامها شنقاً، كما أعدمت ضرتها بدم بارد، بلا ذنب إلا لغيرتها الشديدة منها وازداد حقدها عليها عندما علمت أنها حامل.

اقرأ أيضا