الاتحاد

دنيا

شبح العاشق الأحمق

طموحاتي لا تزيد على حال أسرتي، فنحن من أواسط الناس، نعيش الحياة بين شد وجذب، يوم حلو ويوم مر، والأمور تسير، الأب موظف يكد ويكدح ليلبي مطالب زوجة وخمسة من البنين والبنات والأم ربة منزل، تدير شؤوننا بقدر خبرتها في الحياة، لا ننظر إلى من هو فوقنا حتى لا نتحسر، ونرضى بما بين ايدينا وفي نفس الوقت لدينا أحلام مشروعة، وأمنيات مؤجلة إلى أجل غير مسمى، ومثل كل البنات، طرق الحب باب قلبي وارتبطت عاطفيا بشاب يقاربني في العمر، يكبرني بثلاث سنوات فهو في العشرين، وأنا في السابعة عشرة ولأننا في مجتمع ضيق، وتربطنا عادات وتقاليد، ونشأت في أسرة ملتزمة، لم يحدث بيني وبينه إلا التعارف المتبادل بالمشاعر، والحديث عن مستقبل حياتنا، حتى اللقاءات كانت محدودة، معظمها يتم بالصدفة، فلا أريد أن أضع نفسي في موضع الشبهات، وما جعلني ازداد تمسكا به، حرصه على سمعتي وحفاظه عليَّ وحسب تعبيره انه يخاف عليَّ من الهواء، ويغار من النسمة.
كان هذا حبي الأول، مثل اغلب تجارب مرحلة المراهقة التي لا تتم ويكون مصيرها الفشل، ويمضي كل إلى غايته، لكن صدمتي لم تكن فقط في موت هذا الحب وإنما سبقته متاعب ومشاكل كثيرة، فبينما أنا في المدرسة فوجئت بالناظرة تستدعيني بطريقة غاضبة وتؤكد انني ارتكبت جرما، وأمام جميع زميلاتي طلبت مني أن احضر أبي وإلا فلن ادخل المدرسة بعد ذلك وقد يتم فصلي نهائيا، وأنا متأكدة من انني لم افعل شيئا ورغم ذلك لعبت الظنون برأسي خاصة أن الناظرة رفضت أن تناقشني أو تخبرني عن السبب الذي تريد من أجله حضور أبي، كنت في حالة من الرعب لم يسبق لها مثيل وأنا اضرب أخماسا في أسداس ولا أصل إلى نتيجة، ولا أدري كيف اخبر ابي بأنه مطلوب من أجلي في المدرسة، ولم يكن أمامي مفر ولا مخرج ولا خيار سوى إخباره وتفتق ذهني عن طريقة الحديث معه حتى لا يثور أو يرفض، وقلت له إن المدرسة تطبق بعض النظم التربوية الحديثة وستعقد اجتماعا لأولياء الأمور ويجب حضورهم وإلا لن يتم السماح للطلاب بالذهاب إلى المدرسة، ولم يعر أبي الأمر اهتماما، فهو مشغول في عمله ولا وقت لديه، فألححت عليه فأشار إلى أمي بأن تذهب وتنوب عنه، وكان هذاأول الغيث والأمل في النجاة من الأمر الجلل الذي ينتظرني، لأن أمي ستتفهم ما يحدث ولن تكون قاسية في رد فعلها، وفي الصباح توجهت مع أمي إلى المدرسة، وفي مكتب الناظرة، وقفت مثل المجرم المذنب ولا أدري ما هي الجريمة التي ارتكبتها، وأنا أتعجل الثواني لمعرفة ما تخفيه اللحظات العصيبة، قلبي يرتجف، رجلاي لا تحملاني، إلى أن جاء الخبر الذي هوت به على أم رأسي، عندما فتحت «درج» مكتبها وأخرجت رسالة ارسلها لي حبيبي على المدرسة، وقد فتحتها الناظرة، ووجدت كل ما فيها كلام غزل وغرام وحب وأشعار وبالطبع هذا لا يليق بطالبة في مدرسة ثانوية، وما لم أتوقعه أيضا هو تصرف أمي الذي جاء حكيما للغاية، فقبل أن انطق بكلمة واحدة لأدافع عن نفسي وبالطبع كنت سأنفي أي علاقة مع صاحب الرسالة، ابتسمت أمي وقالت إنه خطيبي ونحن على اتفاق، وبعد أشهر قليلة سيتم إعلان الخطبة رسميا في حفل كبير ووجهت الدعوة للناظرة للحضور عند تحديد الموعد، ولكن الناظرة استنكرت التصرف نفسه، ووافقتها أمي على انه لا يليق ويجب عدم تكراره.
انتهى الأمر في المدرسة لكنه لم ينته عند أمي التي لقنتني درسين، الأول في طريقة تعاملها مع الموقف، فقد أنقذتني من فضيحة مدوية بين زميلاتي واقاربي والثاني أنها كانت عنيفة بيني وبينها وأعلنت غضبها، وهي تردد أنها فشلت في تربيتي وهذه هي النتيجة، ومع هذا كله فإنها لم توصل الموضوع لأبي لا من قريب ولا من بعيد، واتخذت قراري الذي لا رجعة فيه بأن اتخلص من هذه التجربة تماما، وانقطعت عن لقائه بعد أن أخبرته بالمصيبة التي وضعني فيها بحماقة غير مسبوقة وعرضني للمهانة، وكدت افقد سمعتي بسبب تصرفه غير المسؤول، لكنه لم يكف عن محاولاته للقائي، وعندما يراني ينظر إليًّ بعتاب، نظرات ابلغ من أي كلام تؤكد ندمه، لكن جرحي كان اكبر فلم استجب له رغم انني مازلت احبه ولم يدق قلبي لأحد غيره، قد أكون منساقة وراء عواطفي وغير قادرة على السيطرة عليها والتحكم فيها، لكنني في نفس الوقت عاجزة عن الخلاص من هذه المشاعر التي تملكتني رغم انفي، وربما لا تسعفني الكلمات في وصف حالتي، لذا بعد عدة أشهر، ظهر ضعفي واستجبت لمطلبه باللقاء ولو للمرة الأخيرة ليكون الوداع الجميل وتبقى الذكريات التي نحيا عليها، لكن النتيجة جاءت على العكس، فقد أسمعني كلمات لم تعتدها اذني، كلها رقة وعذوبة، يشكو حاله وعذابه في فترة المقاطعة قال إنه كان خلالها في عداد الأموات لكنه يتنفس، فلا قيمة لحياته كلها بدوني، ولن تسعده أموال ومتاع الدنيا إن لم اكن معه، وغير ذلك كثير جعلني اسامحه، وبدلا من «الانفصال» تجدد الوصال، وعادت علاقاتنا اوثق من ذي قبل، وأقوى مما كانت، ووعدني بأن يبذل قصارى جهده لكي يعجل بإعلان الخطبة، فقط يجب أن أساعده وانتظره عامين حتى ينهي دراسته الجامعية، ووعدته وانا لا ادري انني لا أملك حق هذا الوعد، اكتشفت انني لست صاحبة القرار ولا استطيع أن أتولى كل اموري وحدي.
بعد عام جاء من يطرق باب أبي يطلب يدي، شاب جاهز جاء بماله، ولم أجد فيه عيبا ولا نقيصة، ولو لم اكن مرتبطة بغيره ما ترددت في قبوله، ولكن القلب وما يريد، ليس لدي سبب للرفض، غير انني تحججت برغبتي في إكمال دراستي الجامعية، فإذا به يجهض هذه الحجة، ويؤكد لي انه هو أيضا يريدني أن احصل على شهادة عالية وانه سيقف بجانبي ويساعدني في الدراسة خاصة ان شقته قريبة من مقر الجامعة، وأصبحت خالية الوفاض من أي ذريعة، وقد رحب أبي وأمي بالعريس وظهرت عليهما سعادة حقيقية، ولم اجرؤ على البوح برفض ولا إبداء رأيي، فتم إعلان الخطبة وقراءة الفاتحة على وعد بتحديد حفل الخطبة قريبا، وطار الخبر لحبيبي الذي جن جنونه وطار عقله، واتهمني بخداعه وعدم الاخلاص له، وأنني كنت ألعب به، أو امثل عليه، أقسمت له بأن ظنونه خاطئة، وشرحت له كل التفاصيل، وسألته: ماذا تفعل لو كنت مكاني؟ فلم يجب، لحظات صمت طويلة، على غير عادتنا في لقاءاتنا، كنا لانكف عن الحديث والابتسام، الآن لا نقوى على الكلام، أصابنا الخرس حتى انتهى اللقاء، واعتقدت انها النهاية، ويجب ان نقبل الأمر الواقع مضطرين، وان كنت بيني وبين نفسي على قناعة تامة بأنني أحب هذا الذي لا يملك شيئا، لكنني لست خاسرة كثيرا إذا تمت هذه الزيجة، وداخلي أتمنى ألا تتم، أدعو أن يتم فسخ الخطبة لأي سبب حتى تتحقق امنياتي، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وما هي الا خيالات واحلام يقظة، وتخريجات من بنات الافكار، كنت مثل المهزوم بعد انتهاء المعركة، لابد ان يعترف ويسلم بالنتيجة والهزيمة، إلا أن الفارق انه ليست هناك جولة فاصلة.
وجاءت الطامة الكبرى وظهرت حماقة «حبيبي» من جديد، تصرف بشكل غير لائق وبطريقة جنونية اعتقد أن التاريخ لم يشهد مثلها، فبدلا من يقاتل من أجل حبه بطريقة الفرسان وان يمسك بي ويبذل كل جهده، اختار طريقا سهلا ليحقق هدفه، فإذا به يتوجه إلى خطيبي ويخبره بأننا مرتبطان عاطفيا وان على العريس ان ينسحب بهدوء، فلا يصح ان يرتبط بفتاة لا تحبه، ولم يقف عند هذا الحد، بل راح يخبره بكل ما كان بيني وبينه، ورغم انه لم يحدث بيننا ما اخجل منه ولا يمس الشرف والكرامة، إلا ان مجرد الاعلان عن علاقة عاطفية بين شاب وفتاة في منطقتنا يعد عيبا كبيرا، ولا ادري ان كان «حبيبي» بتصرفه هذا أراد ان يشوه سمعتي ويسيء إليًّ ويتسبب لي في فضيحة بعد ان نجوت من فضيحته الأولى برسالته الطفولية المتهورة، أم أنه اراد أن «يطفش» العريس الذي لن يقبل فعلا الارتباط بمن تحب غيره، ولم اصل إلى ترجيح أي من الكفتين. أسر خطيبي اليَّ بهذه الفاجعة، سألني إن كان هذا الكلام صحيحا ام لا، وان كنت أبادل هذا الأحمق المشاعر أم لا؟ كان لابد أن استخدم ذكائي ولا افكر كثيرا في الجواب، وفي ثوان معدودة تدبرت الامر فإن أجبت بالنفي، فهذا يعني أن الزيجة ستتم واخسر حبيبي، ومع تصرفاته البلهاء، فإنه لا يصلح أن يكون شريكا لحياتي، وان أجبت بنعم، فإنني سأخسر العريس وليس هذا هو الخسران الوحيد، بل ان الخسارة الكبرى أنها ستكون فعلا فضيحة مدوية، ويعلم الجميع سبب فسخ الخطبة، وحينها لن يقترب خاطب من بيت ابي ليطلب يدي، وسأظل أسيرة رهينة إلى أن يأتي هذا الأهوج وقد يملي شروطا تكون بعيدة عن الواقع، فشخص يأتي بهذه الأفعال لا يؤمن جانبه، ولا استبعد ان يفعل اي شيء او يعيد حماقاته، او يأتي بما هو أدهى وأمر ومن ثم كانت اجابتي بطريقة دبلوماسية، فلم ارد بنفي أو إيجاب، وانما كنت أحوم حول الموضوع بما يعني ان هذا الذي ذكره قد يكون من جانبه، فهو حب من طرف واحد، وانني لا اقبل الارتباط بشخص يتصرف بهذه الطريقة، وضربت مثالا بأنه لو كان صادقا ما أقدم على ذلك، ومع هذا شعرت ببعض التردد عند خطيبي وتأثره بما حدث، وتغيرت معاملته لي، وعندما علمت أمي ازدادت اصرارا بضرورة التعجيل بالزواج. أعترف أنني أخطأت والمشكلة أنني اشعر أنني مصابة بانفصام في الشخصية، او حائرة بين قلبي والخيال، وبين عقلي والواقع، فمع هذا مازال حبيبي يسكن داخلي، مازلت احبه، مع قناعتي بأنه لا يصلح زوجا، ولا أجد معه الأمان بعدما بدر منه، وخطيبي شهم بمعنى الكلمة، وفيه الصفات التي تتمناها كل فتاة، إلا أنني لم احبه بعد.
تم الزواج وانتقلت إلى بيت زوجي وأنا عازمة على التخلص من هذه التجربة المرة، ولن يكون في حياتي مكان إلا لزوجي بالرعاية والحفاظ عليه وعلى ماله وعرضه، ولن اسمح لأحد بأن يمسه، وخاصة انني أمام رجل كريم افترض في كلامي الصدق وان تأثر بالموقف وأنا من جانبي شعرت بنعمة كبرى، فالفارق كبير بين ما انا فيه الان، وبين حياتي الماضية، عرفت الخروج مع زوجي والمتنزهات والملابس التي كنت لا استطيع مجرد الوقوف امام معارضها، لدينا سيارة حديثة، وودعت زحام المواصلات العامة والانتظار ربما بالساعات يوميا في المحطات، بجانبي رجل يدفعني دفعا لإكمال تعليمي، حتى أوشكت على انهاء المرحلة الجامعية، ولست في حاجة الى الشهادة العليا من اجل العمل أو الوظيفة، إلا أن زوجي يريدني في مستوى أعلى ولحسن الحظ ان ظروف زوجي ازدادت تحسنا بعد زواجنا وأصبحت افضل بكثير، ولا ينسى ان يجاملني بأنني «وش السعد عليه» ويتفاءل بحياتنا معا.
المشكلة الآن ليست في الحب والغرام، وانما في هذا «الشبح» الذي يظهر ويختفي، يذهب ويعود، انه يحاول أن يلتقي بي، مازال عنده أمل في أن أعود إليه، يحوم حولي، فأخشى ما أخشاه أن يتسبب لي في كارثة جديدة، ولو حدثت هذه المرة، فلن تكون عاقبتها مثلما حدث في الماضي، وإنما ستكون نيتجتها مدمرة، وتدمر كل حياتي، فلا اعتقد ان زوجي سيقبل الاستمرار معي لو حدث أي شيء، المهم انني أتوجس خيفة ولا أنام، لأنني لا أتوقع ما هو مقدم عليه ولا اعرف ما يفكر فيه أو ما هي الحماقة الجديدة التي سيرتكبها في حقي، وهو الذي تبرر الغاية عنده الوسيلة، ربما يختلق ما لا أتوقعه، كما كان في الماضي.
لا ابحث عن حل لانه ليس بيدي، فمن جانبي تخلصت من ضعفي وسيطرت على مشاعري، ولا هم لي إلا بيتي، ولكني أردت أن اقدم تجربة ربما تكون فريدة من نوعها لتستفيد منها كل فتاة، ولا تقع في هذه الأخطاء حتى لو كانت صغيرة، ولا تقدم لأي شاب ولو مجرد كلمة تكون نقطة ضعف حتى بينها وبين نفسها، ولا تندفع أو تنساق وراء عواطفها، ولا تفرط في ثقتها بأي شخص مهما ظهر أمامها بمظاهر النبل والشجاعة والتفاني والإخلاص والشهامة والرجولة، فإن كان ذلك كله صحيحا فالطريق الصحيح أيضا هو أن يأتي إليك في بيت أبيك على أعين الناس، وبعدها عيشي حياتك بكل الحب، وبالمشاعر الحقيقية، وتجنبي إن تقعي في تلك الحماقات.

اقرأ أيضا