الاتحاد

منارة الأسكندرية (1)

الاسكندرية أجمل المناطق في العالم، تجمع عشاقها من حولها وتغمرهم بمحبة بحرها بجنونه وصخبه·· هي المدينة البيضاء بلون قلوب ناسها والزرقاء بلون العمق·
والاسكندرية هي أكثر ما لفت أنظار المؤرخين العرب وغيرهم بتاريخها الموغل في القدم وبآثارها الفريدة في شكلها ومعناها، ولعل من أهم ما عرف عن الاسكندرية ، كانت (المنارة) التي اعتبرها الجميع واحدة من أهم عجائب الدنيا·· وبالغوا في وصفها وأسطوريتها·· ويذكر أن أكثر المصريين يعتقدون أن الذي بناها هو (الاسكندر بن فيليبش المقدوني) ومن المصريين أيضاً من يعتقد أنها ترجع إلى الملكة (دلوكة) حيث بنتها لتكون مكانا تراقب به أعدائها·· وربما يعتمد البعض على عاشر ملوك الفراعنة ليكون صاحب المنارة لكن يقال أحيانا أن الذي بنى مدينة 'روما' هو الذي بنى الاسكندرية، ومنارتها وإنما أضيفت الاسكندرية الى (الاسكندر) لشهرته باستيلائه على كثير من ممالك العالم·
على العموم الذي بناها جعلها على كرسي من زجاج على هيئة السرطان في جوف البحر وعلى طرف اللسان الذي هو في داخل البحر وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، ومنها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس، أينما كانت من الفلك، وإذا كانت الشمس عالية أشار اليها وإذا انخفضت فإن يده تشير لأسفل، وهناك تمثال آخر يشير بيده الى البحر إذا صار العدو على نحو ليلة من الاسكندرية فإذا اقترب العدو أصبح من الممكن رؤيته بالعين فإن هناك التمثال يصرخ بصوت هائل يمكن سماعه من على بعد ثلاثة أميال فيعلم أهل المدينة أن العدو قد اقترب منهم فيخرجون للحرب·· وتمثال آخر يمثل هذه الغرابة كلما مضى من النار أو الليل ساعة فإنه يصدر صوتا واضحاً مختلفا عن صوت الساعة السابقة وصوته جميل وبه طرب!!ومن الحوادث التي تذكر عن محاولات الروم التخلص من هذه المنارة التي تهدد دخولهم مصر واستيلائهم عليها، تلك القصة التي تدور عن أحد ملوك الروم حين أرسل أحد أتباعه إلى الوليد بن عبدالملك بن مروان، وجاء هذا التابع واستأمن (الوليد) وأخبره أن ملك الروم يريد قتله، ثم أنه يريد الإسلام على يد (الوليد)، وبالطبع اقتنع 'الوليد' وقربه من مجلسه وسمع نصائحه، خاصة أن هذا الرجل قام باستخراج دفائن وكنوز عديدة من بلاد دمشق والشام وغيرها بكتب كانت معه فيها وصفات لاستخراج تلك الكنوز·· وقتها زاد طمع 'الوليد' وشراهته حتى قال له الخادم يا أمير المؤمنين إن ها هنا أموالاً وجواهر ودفائن للملوك مدفونة تحت منارة الاسكندرية وقد قام بدفنها الاسكندر بعد استيلائه عليها من شداد بن عاد وملوك مصر وبنى لها نفقاً تحت الأرض به قناطر وسراديب وبني فوق ذلك كله المنارة·· وكان طول المنارة وقتها ألف ذراع والمرآة الكبيرة في أعلاه·
فقام الوليد بإرسال جيش من حدوده وخلصانه ومعهم هذا 'الخادم' الداهية وهدموا نصف المنارة من أعلاها وأزيلت المرآة·· فهاج الناس وقد علموا أنها مكيدة من الروم·· وبعد أن نفذ 'الخادم' خطته قام بالهرب في البحر ليلاً عن طريق مركب أعده لذلك من قبل·
ومن الحكايات الغريبة أيضا 'المنارة' ما يذكره 'المقريزي' في خططه، أن البحر من حولها كان مليئاً بالجواهر وكان الناس يخرجون منه فصوصاً للخواتم، ويقال إن ذلك من آلات اتخذها الاسكندر للشراب فلما مات كسرتها أمه ورمت بها في تلك المواضيع من البحر·
ومنهم من رأى أن الاسكندر اتخذ ذلك النوع من الجواهر وغرقه حول 'المنارة' لتجمع الناس حولها، لأن من شأن الجواهر أن تكون مطمعاً للناس في كل مصر، أما عن المرآة التي كانت في أعلى المنارة فيذكر 'المقريزي' سببا لوجودها أن ملوك الروم بعد الاسكندر كانت تحارب ملوك مصر والاسكندرية فجعل من كان بالاسكندرية من الملوك تلك المرآة والتي يمكن من خلالها أن ترى أي شيء في البحر، أو كما ذكر 'عبدالله بن عمرو' أن من يجلس تحت المنارة، وينظر في المرآة فيمكنه أن يرى من هو بالقسطنطينية·
ولم تكن المنارة بناءً بسيط التركيب أو التصميم، بل يمكن اعتبارها متاهة حقيقية، فكان من يدخلها يصل فيها إلا أن يكون عارفاً بالدخول والخروج لكثرة بيوتها وطبقاتها ومرآتها، وقد ذكر أن المغاربة حين جاءوا في خلافة 'المقتدر' في جيش كبير، ودخل جماعة منهم على خيولهم الى 'المنارة' فيها في طرق تؤدي الى جهاز قوي الى السرطان الزجاجي وفيه سراديب تؤدي الى البحر، فتهورت الخيول وفقد عدد كبير من المغاربة·
وحتى أيام المقريزي كان ثمة بقية للمنارة تتجاوز مائتي وثلاثين ذراعاً وكان في المنارة مسجد يرابط فيه المتطوعون من المصريين، غير أن الكوارث بدأت تحل بهذا البناء الأسطورة 777هــ حين سقط رأس المنارة من زلزال قوي اجتاح السواحل كلها، ويذكر أن 'المنارة' كانت مبنية بالحجارة المنتظمة والمطلية بالرصاص على قناطر من الزجاج، وتلك القناطر على ظهر سرطان بحري·
صبري جميل

اقرأ أيضا