الملحق الثقافي

الاتحاد

صغار فوق الخشبة الكبيرة

زادت نسبة المدارس المشاركة في مهرجان الشارقة للمسرح المدرسي، الذي يرعاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، من 20 مدرسة في الدورة الأولى (مايو2011) إلى 34 في الدورة الثانية التي بدأت في التاسع والعشرين من الشهر الماضي وتنتهي الأحد المقبل (13مايو)، كما بدا ملفتاً الحضور الكثيف للأنشطة المصاحبة في هذه الدورة ـ ورش وندوات ومعارض رسم ـ فيما لم تشهد الدورة الأولى سوى محاضرة واحدة. أما الجمهور المكون في معظمه من طلاب وطالبات المدارس فلم يكن معادلاً للنسبة العالية من العروض فحسب ولكنه أيضا كان متجاوباً ومنفعلاً بخاصة مع العروض التي اختارت أن تفتح الخشبة على الصالة في حلولها الإخراجية؛ وهي عديدة.

شمل المهرجان الذي تنظمه إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة كل مدن ومناطق الإمارة حيث استقبلت صالة معهد الشارقة للفنون المسرحية عروض 19 مدرسة أما صالات المراكز الثقافية في كلباء وخورفكان والذيد ودبا الحصن فاستقبلت عروض 15 مدرسة، كما تنقلت الأنشطة المصاحبة بين المراكز ذاتها.

تقاليد
وقد بدا كأن إدارة المهرجان شاءته في صورة المهرجانات المسرحية “المحترفة”، على الأقل في تقاليده التنظيمية؛ فلقد أصدرت في يوم الافتتاح نشرة ورقيّة بعنوان “مسرحي”، جاءت في تصميم طفولي جميل، مزينة بألوان شتى ومحتشدة بصور معبرة من ذاكرة الدورة الماضية (مشاهد من عروض ومعارض رسم..) وقد غلبت على صفحات النشرة الـ40 بقطعها الكبير. إلى ذلك، كلفت إدارة المهرجان مجموعة من النقاد لمتابعة وقراءة العروض والكتابة عنها في العدد الثاني من النشرة، والذي سيصدر في الختام، كما شكلت لجنة مماثلة لمعاينة العروض وإجازة المناسب منها وذلك قبل شهر من إطلاق المهرجان (كل العروض التي تقدمت للمشاركة أجيزت تقريبا)، فضلاً عن تكليفها لجنة مكونة من تربويين ومسرحيين للإشراف على تحضيرات الفرق المدرسية المشاركة بالمهرجان.
كل هذه التحضيرات مصحوبة بحماس المعلمين والمعلمات وتلامذتهم، والدينامية العالية التي طبعت أداء نحو 20 من الكوادر المنظمة للمهرجان، للتنسيق والمتابعة والإعلام والتجهيزات التقنية، أضفت على شكل المهرجان ملمحاً ثرياً واحترافياً، لا تملك إلا ان تنتبه إليه.
لكن، إلى أي حد انتبه مسرحيو المدارس الصغار إلى كل ذلك؟ لا نعرف بالضبط. بيد ان من الممكن القول ان العروض التي قدمت تم تحضيرها جيداً فلقد بدت بأخطاء أقلّ، قياساً إلى كونها مقدمة من صغار، وخصوصاً في ما يتعلق بانتقالات المشاهد وقطع الديكور وتنفيذ الإضاءة والموسيقى والغناء وغير ذلك من اللوازم التقنية. ولئن تنوعت العروض بين المدارس الاعدادية والثانوية إلا ان من الصعوبة الكلام عن فروقات نوعية بينها، الأرجح ان الطبيعة التنافسية للمهرجان دفعت المدارس إلى تقديم أفضل المواهب لديها فبات صعباً التفريق بينها، والصعوبة واردة ايضا في أية محاولة للفرز بين مستويات النصوص سواء من الناحية المضمونية أو الشكلية فلقد جاءت متقاربة غالباً على رغم ان بعضها لكتّاب شباب من معلمي ومعلمات المدارس فيما أكثرها لكتّاب لهم تجارب منظورة في الكتابة للأطفال.

مضامين
“توقفي عن هذه الأحلام”، “صرخة”، “موقف صادق”، “عقد الزمرد”، “مريم والنسر الذهبي”.. إلخ، على هذا النحو جاءت عناوين العروض، مباشرة وصريحة في أغلبها؛ أما موضوعاتها فمنها ما جاء في إطار تاريخي وآخر اعتمد تيمة أسطورية أو واقعية أو فنتازية، وقد سعت العروض دائما إلى إبراز وتذكية قيم مثل الصدق والأمانة والحض على العمل والجد والمثابرة وحب الوطن والثقة في النفس والعطف على المحتاج ونبذ الكسل واحترام الوالدين.. إلخ، وعولجت هذه المضامين في أشكال مسرحية بسيطة ولكن موحية لا سيما مع تطعيمها بالرقصات الاستعراضية الجماعية والموسيقى الإضاءة، ويمكن ان نشير في هذا الإطار إلى عرض الافتتاح “يوم في حياة نحلة” من مدرسة عاتكة بنت زيد وهو يحكي قصة نحلة تثير سخط الملكة بكسلها ولكنها تبرع، في نهاية العرض، في صد هجوم الدب على المملكة وتنال رضا الجميع.
نجحت مخرجة العمل ومؤلفته ابتسام مال الله في صياغة مشهد بصري آخاذ، وقد أرادت له ان يكون في شكل خلية نحل، في ديكوره والوانه وإضاءته، وحرّكت ثلة الممثلات الصغيرات، وقد تحولن بدورهن إلى نحلات، من خلال الزيّ والاكسسورات، في انطلاق ملحوظ على كل مناطق الخشبة الفسيحة. ومع كل انتقالة لمشهد جديد كنا نرى ثلة أخرى من المشاركات في العرض يأتين مفعمات باحساسهن الطفولي ويخففن انتظارنا للوحة التالية بنشيد جديد!
بيد ان ما كان وقعه أكبر على الجمهور الذي شاهد هذا العرض هو الفيلم القصير الذي سبق تقديم المسرحية ووثق المراحل المختلفة لبروفاتها وعكس الأجواء التي كانت سائدة وسط الطلبة والمدرسين فلقد كان لذلك تأثيره الواضح في اندماج الجمهور مع العرض.
لم تغب الحيل الاخراجية الجميلة ايضا عن عرض “الأمير والحكيم” الذي قدمته مدرسة رابعة العدوية للتعليم الاساسي وهو من إخراج سهير عبد الباسط إذ استخدمت أسلوب مسرح “الحكواتي” فجعلت من الطالبة “حكواتية” توجز حكاية كل مشهد قبل تشخيصه، وفي هذا الإطار أزالت الحاجز بين الخشبة والصالة عبر حوارات وتعليقات متصلة بين “الرواية” والجمهور. واستحوذ الديكور المحاكي لفضاء المقهى الإماراتي الشعبي على صورة عرض “شمس الديرة” تأليف حسين الريماوي وإخراج عبد الله خميس من مدرسة أبو ايوب الانصاري، وهو عرض اعتمد اللغة العامية فدمج شكله بمضمونه الذي يحكي قصة صبي يسافر إلى اوروبا لتعلم الموسيقى وحين يعود ينظر بتعال إلى مجتمع الديرة فيقابله أهالي الديرة بذات النظرة. وتميزت الممثلة الصغيرة مريم الشالوبي في أداء دور عزة في مسرحية “فراشات عزة” من اخراج وتأليف عائشة صالح عبيد الشويهي من مدرسة جمانة بنت أبي طالب للتعليم الاساسي.
إجمالاً، من الصعب حصر كل ما قُدم ولكن يمكن القول ان حماس وشغف الطلاب والطالبات باللعب على المسرح كان اظهر ما شهدناه وقد طغى على ما سواه.

غلبة
ولعل مما يلفت في المهرجان ايضا غلبة العنصر النسائي سواء في إخراج أو تأليف العروض ففي المجمل ثمة 22 مخرجة و12 مؤلفة وربما يعود السبب إلى حقيقة ان نسبة مدارس البنات المشاركة أكبر بكثير من مدارس الذكور. وقد استندت أربعة عروض على نصوص الكاتب السوري هيثم الخواجة وثمة نصان مترجمان فيما النصوص الأخرى لمعلمي ومعلمي المدارس ولكتّاب عرب معروفين مثل محمود أبو العباس وفاضل سوداني وسواهما.
وعلى رغم ان العروض تكلمت باللغة العربية الفصحي في معظمها إلا انها كانت لغة منغمة على ذلك النحو الشائع في الأفلام الكرتونية المعربة التي تبثها الفضائيات.

أسماء
ومن المظاهر الملفتة في المهرجان ايضا تقليد جديد أدرج في هذه الدورة بعنوان “ضيف الشرف” حيث اختارت إدارة المهرجان نخبة من نجوم المسرح الإماراتي وجمعتهم بالطلبة في لقاءات يومية وذلك بهدف تعزيز علاقة الصغار بالمسرح وليتمثلوا مستقبلهم الإبداعي في هؤلاء المبدعين المهمين ولاقت هذه اللفتة بالطبع تجاوبا واضحاً من الطلبة والمسرحيين على السواء. الأسماء المسرحية المعروفة حضرت ايضا على مستوى لجان التحكيم الثلاث فثمة سميرة أحمد وإبراهيم سالم والممثل السوري ماهر صليبي وقد عملوا في فرز مستويات العروض إلى جانب مجموعة من الأكاديميين والتربويين وهم: بدرية الشواب من الإمارات، ود. رشيد بوشعير من الجزائر، ود. فهمي هويدي من العراق، ووائل المغربي من الأردن، وعادل أبو نعمة من مصر.

تكريم
وكرم المهرجان التربوي والرياضي والمسرحي الرائد جمعة غريب تقديراً لدوره في ترسيخ “المسرح المدرسي” منذ خمسينيات القرن الماضي حيث اشترك في تمثيل واخراج العديد من الأعمال المسرحية المدرسية، ولاحقاً، حين شغل مناصب عدة في مؤسسات رياضية وتربوية وثقافية عمل غريب على فتح القنوات حتى يمر نهر المسرح المدرسي ويصل بدفقه المبدع سائر الإمارات ولم يذهب جهده هباء بل تحقق بأكثر من وجه فها هي مهرجانات المسرح المدرسي تحافظ على مواقيتها في كل سنة وتحتشد بالمزيد من المدارس والمعلمين والمعلمات وأولياء الأمور وكل المهتمين.

بدايات
على رغم قصر عمره إلا ان مهرجان الشارقة للمسرح المدرسي بدا ناضجاً في دورته الثانية ولعله نجح في تجنب الكثير من العثرات “المتوقعة” في مثل هذه المناسبات والأرجح ان ذلك نتج عن خبرة إدارته المستمدة من شغلها على العديد من المهرجانات والملتقيات المسرحية مكنته من بلوغ بر الأمان؛ لكن، هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا تأخر موعد إطلاق المهرجان مع وجود هذه البنية التنظيمية المناسبة ومع حقيقة ان الاهتمام بالمسرح المدرسي في الشارقة بدأ منذ وقت ليس بالقصير، بل أن بعض المصادر يفيد بأن بدايات المسرح الإماراتي هي بدايات المسرح المدرسي والعديد من الأسماء المعروفة الآن في المشهد المسرحي المحترف تعرفت إلى المسرح في الجمعيات الثقافية التي كانت تنشط بين جدران المدارس في فترة مبكرة من تاريخ الدولة؛ وثمة إشارة في كتاب “سرد الذات” لصاحب السمو حاكم الشارقة إلى ان أول نشاط مسرحي عرفته الشارقة كان في العام الدراسي 1952 ـ 1953 بمدرسة القاسمية وثمة إشارة أخرى في الكتاب ذاته إلى أول نص مكتوب وهو للشاعر الفلسطيني محمود غنيم بعنوان “المروءة المقنعة” وقد عرضت في المدرسة القاسمية في العام الدراسي (1957 ـ 1958م) وخصص دخلها لبناء فصول إضافية للمدرسة القاسمية.

استحقاق
ما تستحقه هذه المواهب الواعدة والمتحمسة هو ان تُبذل لأجلها كل الإمكانيات حتى تواصل في هذا المشوار، إرهافا لذائقتها وصقلاً لقدراتها المبدعة؛ وما تستحقه ان تجد إلى جانب الحصص المدرسية المقررة فسحة صغيرة في بهو المدرسة للمسرح وصالة للرسم وأخرى للموسيقى.. حينها ستكون المدرسة جميلة وستخرج للمجتمع العشرات من النجباء وذلك ما قاله ذكي طليمات في مقدمة الخطة التي رفعها إلى وزارة التربية لتفعيل النشاط المسرحي في مدارس الإمارات، كما أشار إلى ذلك د. عبد الاله عبد القادر في محاضرته بالمهرجان: لقد كانت خطة طليمات تفصيلية وطموحة وموسعة، وقد وضعها لتكون قاعدة لتطور المسرح العام من خلال المسرح المدرسي!

اقرأ أيضا