الاتحاد

ثقافة

أثر النساء على ماركيز

غابرييل غارسيا ماركيز (أرشيفية)

غابرييل غارسيا ماركيز (أرشيفية)

فاطمة عطفة (أبوظبي)

قبل أن يبدأ غابرييل غارسيا ماركيز بالحديث عن سيرته الحافلة بالأحداث والرحلات والذكريات، يقول في مستهل كتابه «عشتُ لأروي»: إن الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه». وهذا يعني أن الإبداع الروائي ليس سرد ذكريات، مهما كانت غنية ومشوقة، ولكنه طريقة لسرد تلك الذكريات وروايتها بشكل فني وجمالي ممتع. وهذا ما يؤكده في الجزء الأول من سيرة حياته هذه. إنه روائي معلم بامتياز، ولا شك أن كل صحافي وكل كاتب يجد متعة خاصة وفائدة كبيرة من طريقته في إتقان الحديث وسحره الروائي، سواء كان يتحدث عن أشياء بسيطة يواجهها كل طالب من بيئة ريفية فقيرة، أو كان يروي عن كارثة اجتماعية أو حياة دكتاتور في أميركا اللاتينية أو يصور مآسي عمال مزارع الموز في بلاده والمذبحة الفظيعة التي بلغ عدد ضحاياها ثلاثة آلاف رجل.
يقول ماركيز في مطلع كتابه: «طلبت مني أمي أن أرافقها من أجل بيع البيت». وهو البيت الذي ولد فيه، بيت جده في مدينة آراكاتاكا. ثم يخبرنا كيف جاءت من قريتهم النائية إلى مدينة «بارانكيّا» حيث يعيش، ولا تعرف كيف ستجده، لكنهم دلوها على مكتبة «موندو» والمقاهي المجاورة حيث يلتقي بأصدقائه الكتاب، وقد حذرها الدليل قائلا: «كوني متيقظة، لأنهم مجانين». شقت طريقها بين الكتب المعروضة وقالت: «أنا أمك»، ثم لامته بعد ذلك على إهماله ومظهره البائس.
كان غابرييل في الثالثة والعشرين يوم جاءت أمه ليسافر معها، وتبدو تلك السفرة الطويلة وكأنها رمز لرحلة الحياة. كان يتطلع بأمل كبير لأن يصبح صحفيا، وقد تخلى عن دراسته الجامعية ليعمل في صحيفة متواضعة بأجر زهيد. وهو من صغره يحلم في أن يصبح كاتبا، ويقول إنه كان في الخامسة يوم شاهد مع جده عرضا للسيرك، ولم يستطع الجد أن يميز في اللغة بين الجمل بسنام واحد والجمل بسنامين، إلا بعد الاستعانة بالمعجم. من ذلك اليوم تعلق بالمعجم الضخم وصوره، وخاصة أنه كان يحب الرسم، وكان «يخربش» كثيرا على الجدران، وكاد يتعرض لعقاب نساء البيت لو لم يكن في حماية جده. وكان واسع الخيال منذ طفولته، حيث اعتاد أن يروي ما يسمعه بطريقته حتى كانوا يتهمونه بالكذب، لكن طبيب العائلة قال لهم: «أكاذيب الأطفال هي علامة موهبة كبيرة». ويوضح تلك الموهبة بقوله إنها «ولّدت في البيت سمعة بأن لديَّ ذكريات من داخل الرحم، وأحلاما تسبق الأحداث».
هذا الجزء الأول من المذكرات يكشف أهمية وجود الجد والجدة في الأسرة وإشرافهما على تربية الأحفاد، كما يثني على أهمية دور المرأة في التربية، يقول: «أظن أني مدين، بجوهر طريقتي في الحياة والتفكير، لنساء الأسرة ونساء الخدمة الكثيرات اللواتي رعين طفولتي»، كما نرى أنه استفاد من كل تجاربه في المدرسة والحياة وإدمانه القراءة، إضافة إلى فنون المسرح والخطابة والرقص والغناء.
إن كتاب «عشت لأروي» غني جدا، وفي كل صفحة معلومة تستحق التنويه، ويقع في 318 صفحة من القياس المتوسط، وهو من ترجمة صالح علماني، ومنشورات «دار البلد»- دمشق 2003.

اقرأ أيضا

أحمد الظنحاني: ما زلت طفلاً أتهجّى المسرح