الملحق الثقافي

الاتحاد

... ولكنها تدور!

تظل الخرافة كالجرثومة في الأوساط العلمية، يتم محاولة إبعاد البحث العلمي عنها بكل السبل والطرق، والسبب بسيط وهو أن الخرافة عدوة المعرفة، فهي تقوم على الجهل والأمية وسطحية التفكير، ويغايرها العلم الذي يدعو للمزيد من الدرس والتقصي والتجريب ومراقبة النتائج.
هنا بون شاسع بين الخرافة والعلم، فكل واحد منهما يقوم على أسس ومبادئ مختلفة كليا عن الآخر، فالخرافة تقوم ببساطة على الكذب، وقد نجدها تنتشر في عدة جوانب سواء أكان دينيا أو اجتماعيا أو ثقافيا، وقد تكون جماعية أو حتى فردية، وقد يكون قديما أو حديثا. لكن السؤال الذي أود طرحه بعد هذا التمهيد، هل للخرافة أثر على المجتمعات والتطور المعرفي؟

الإجابة ببساطة نعم لهما تأثير بالغ وواضح، فالمجتمعات التي تنتشر فيها الخرافات تركن لها فتغذي خيالها وتعطل مسيرتها وتعيق تقدمها، ويمكن ملاحظة مثل هذا الخلل في أكثر من مجتمع عربي ـ مع الأسف ـ وعند التعمق في دراسة هذه المجتمعات نجدها مهووسة تماما ببدائل العلم بوسائل خرافية، فعلى المستوى الطبي قد تجد من يلجأ لشخص يدعي العلاج وهو أبعد ما يكون عن الطب ـ مشعوذ ـ وهناك من يظن أن العلاج بيده، بل تجد من يؤمن بأنه يستطيع علاج المشلولين والذين يعانون من أمراض مزمنة. بل حتى في نطاق العلم نفسه تجد الخرافة تحيط به وتتلبس جوانبه، فتفسر الظواهر العلمية وفق أفكار خرافية ترجعها إلى قوى خارقة غير اعتيادية، دون الالتفات إلى الحقائق العلمية والبحوث التي تم وضعها على مدى عقود من الزمن.

السطوة والشح
في هذا العصر الذي انتشرت فيه شبكة المعلومات والهواتف الذكية وبات الاتصال مرئياً من أي مكان في العالم، وشاهدنا وعايشنا كيف تتنقل المعلومات بسرعة وفي ثوان من قارة إلى أخرى، يأتي السؤال: هل لازالت الخرافة موجودة؟ بل في دول أكثر حضارة كالولايات المتحدة أو الدول الغربية الأكثر تطورا، هل توجد خرافات وأساطير؟ الإجابة مرة أخرى وببساطة نعم توجد.. إذن ما الذي يحرك الإنسان للجوء للأساطير وللأفكار الخارقة للعادة للركون إليها وتفضيلها بل والإيمان بها، وإهمال العلم ومخترعاته والتطور والثورة المعلوماتية؟
إنها أسئلة جديرة بالتمعن وبالبحث من قبل دارسي العلوم الاجتماعية وعلم النفس، فالمجال جدير بالملاحظة ومحاولة الفهم والعمق في واقع المجتمعات الإنسانية والنظر في تطلعاتها وآمالها، والتي قد يكون العلم قد وقف عاجزا في بعض الجوانب من تغذيتها وإشباعها...
المعضلة الحقيقية في هذا الإطار هو التلازم السحيق بين العلم والخرافة ومسيرتهما الواحدة ـ وإن كانا في طريقين مختلفين متعاكسين ـ منذ عصور قديمة مرورا بالحضارات والأمم المتعاقبة وصولا إلى زمننا الراهن الذي نزعم أنه الأكثر تطوراً ووهجاً حضارياً، وتكثر فيه المخترعات والمبتكرات الهادفة لخدمة الإنسان ورفاهيته، إلا إن هذا التلازم يتم ملاحظته بين وقت وآخر، وهو تلازم أشبه بالحرب والمعركة بين الاثنين كلا يدافع عن وجوده وتوجهه.
غني عن القول إنه في عصور ماضية كانت الخرافة تسيطر ولها سطوة أمام العلم، لشح في الأدوات لدى العلماء تقنع الناس بمخترعاتهم واكتشافاتهم، بل كان يتم اتهامهم باستخدام السحر والشعوذة، أما اليوم فإن الوسائل الحديثة تدعم أي اكتشاف.
فعلى سبيل المثال في مجال علم الفلك والذي يعد من أقدم العلوم التي عرفها الإنسان، كانت الأمم والحضارات منذ فجر البشرية تضع نظرياتها ورؤيتها عن الأرض والسماء والنجوم والأقمار وفق خرافات وأساطير لا تمت للواقع بصلة. فالصينيون كانوا يعتبرون الأرض عربة ضخمة في أركانها أعمدة ترفع مظلة السماء وبلاد الصين تقع وسط العربة. أما قدماء الهنود فقد كانوا يعتقدون أن الأرض عبارة عن قوقعة تحملها أربعة أفيال عملاقة تقف على ظهر سلحفاة. ولم يكن الروس أحسن حالا فقد كانوا يعتقدون أن الأرض عبارة عن قرص يطفو على الماء تحمله ثلاثة حيتان كبيرة. أما السومريون فقد كانوا يعتقدون أن الأرض هضبة تعلوها قبة سماوية وتقوم فوق جدار مرتفع على أطرافها البعيدة. والبابليون قالوا إن المحيطات تسند الأرض والسماء وان الأرض كتلة جوفاء تطفو فوق تلك المحيطات وفي مركزها تقع مملكة الأموات. أما قدماء المصريين فقد كانوا يعتقدون أن الأرض مستطيلة طويلة يتوسطها نهر النيل.
بطبيعة الحال تمكن علم الفلك من التطور وجعل جميع هذه المعتقدات والخرافات كذكرى ضاحكة في كتب التاريخ لا أكثر، لأن ليس لها أي قيمة علمية، لكن وبالرغم من هذا التطور فإن علماء الفلك واجهوا صعوبات في إقناع الناس بنظرياتهم بل وفي أحيان تم قتل عدد منهم بحجة مخالفة الدين، وهناك من تم سجنه ونفيه كما في قصة عالم الفلك والفلسفة جاليليو جاليلي، الذي قال إن الشمس ثابتة والأرض والكواكب تتحرك، وكان اعتقاد رجال الكنيسة آنذاك بأن الأرض هي الثابتة وأن الشمس والكواكب تتحرك حولها. لذلك أتهم جاليليو بالخروج عن تعاليم الإنجيل، وتمت محاكمته بتهمة الهرطقة ثم صدر حكم بسجنه ثم خفف الحكم إلى الإقامة الجبرية ومنعه من مناقشة هذا الموضوع نهائيا ومنعت كتاباته. وتذكر كتب التاريخ أن جاليليو كان يتمتم أثناء خروجه بعد صدور الحكم عليه، بقوله: على الرغم من هذا فإن الأرض تدور... بعد عقود طويلة وبعد تطور العلم، انهزمت الخرافة وقدمت الكنسية اعتذارا لجاليليو. وفي مارس 2008 قام الفاتيكان بإتمام تصحيح أخطائه بوضع تمثال له داخل جدران الفاتيكان. وفي ديسمبر من العام نفسه أشاد البابا بندكتيوس السادس عشر بمساهماته في علم الفلك أثناء احتفالات الذكرى ال400 لأول تليسكوب لجاليليو. كان هذا بمثابة انتصار للعلم أمام الخرافة. يقول ستيفن هوكنغ إن مولد العلم الحديث ربما يرجع إلى جاليليو نظرا لإنجازاته العلمية من جهة ومن جهة أخرى لأنه تمسك باقتناعه العلمي ولم يحيد عن هذا الاقتناع ووقف صامدا أمام الاتهامات الموجهة إليه.

الطائرة والرصاصة
لكن لنحاول أن نفهم سبب نمو واختراع الخرافة والأسطورة.. عدد من دارسي العلوم الاجتماعية يؤكدون أنها تأتي وفقاً لظروف سياسية أو دينية حيث إن المجتمع يكون بحاجة للاطمئنان والاستقرار أو من أجل مزيد من أحكام القبضة عليها وفي أحيان كثيرة بسبب الجهل وعدم توفر المعلومة الصحيحة المقنعة ـ وهناك أسباب أخرى ـ إذن الواقع القاسي والظروف المعيشية اليومية هي التي جعلت الناس تحيك الخرافات والأكاذيب لتصدقها فتشعر بالأمان وتطمئن.. تماماً كما حدث في الحرب العالمية الأولى لطيار فرنسي كان يقود طائرة حربية قديمة من النوع المكشوف، فلاحظ أثناء تحليقه أن شيئاً ما صغير الحجم يطير بجواره فأمسك به معتقداً أنها حشرة، لكن صدمته كانت بالغة عندما رأى أنه أمسك برصاصة وليست حشرة كما كان يظن! لاقت هذه القصة انتشاراً كبيراً في الصحف وبين الناس في ذلك الزمن.. وآمنوا إيماناً جازماً بأن هذه علامة على انتصار فرنسا في الحرب، وأن الله عز وجل يمدهم بالكرامات والمعجزات تأييدا لها، وكان من الطبيعي أن تنسج كثير من القصص حول هذه الحادثة في مجتمع مضطرب ومتوتر وتشبع بالخسارات البشرية والمادية وذاق مرارة الحرب فهو بحاجة لبصيص أمل يطمئنهم أن الحرب ستنتهي منتصرين وغانمين.. بعد مضي سنوات من هذه الحادثة بل مضي عقود ومع التطور العلمي والذي شهده العالم قدمت الفيزياء التفسير المنطقي الذي جعل الطيار يمسك الرصاصة بكل يسر وسهولة، حيث إنها ـ أي الرصاصة ـ انطلقت بسرعة 900 كيلومتر لكل ثانية وكانت طائرة الطيار تحلق على بعد 2 كلم بسرعة قدرها 40 كيلومترا لكل ثانية وعندما تم إطلاق الرصاصة للأعلى تناقصت سرعتها بسبب عاملين، الأول كما هو معروف عند الفيزيائيين أنه كلما صعد جسم للأعلى تناقصت سرعته بسبب الجاذبية الأرضية، والعامل الثاني مقاومة الهواء للرصاصة واحتكاكه بها.. فاستمرت سرعتها بالتناقص حتى وصلت لـ40 كلم لكل ثانية فتساوت مع سرعة الطائرة، ومن المعرف فيزيائياً أنه عندما يتساوى جسمين بالسرعة والاتجاه فإنه من المستحيل أن يتصادما.
ليست تلك القصة الوحيدة التي حيكت حولها الخرافات فقد تكررت في إيطاليا التي تضم دولة الفاتيكان داخل حدودها، مما جعل الناس ينسجون القصص التي تظهر مدى حب الله لإيطاليا ورعايته لها.. من هذه القصص ما قيل عن برج بيزا المائل حيث إنه لم يسقط رغم ميلانه لأن الله يحمي إيطاليا ويحبها.. وكأي مجتمع فإن المجتمع الإيطالي بحاجة لتصديق هذه الأكاذيب بحثاً عن هدوء النفس والاسترخاء والاطمئنان.. الحقيقة أنه ليس هذا السبب وراء عدم سقوط برج بيزا حتى الآن، والفيزياء مجدداً تثبت بطلان هذه الخرافات. فالأجسام لا تسقط إلا في حالة واحدة وهي (عندما يخرج ثقل الجسم عن قاعدته) ولتوضيح المقصود بثقل الجسم لنرسم خطاً وهمياً من منتصف برج بيزا المائل يمتد حتى أرضيته أو قاعدته سنلاحظ أن هذا الخط (وهو عبارة عن مركز ثقل البرج) لم يخرج خارج حدود القاعدة مما يجعل البرج في حالة اتزان حتى لو كان عرضة للسقوط. ولكن بمجرد خروج الخط أو مركز الثقل خارج القاعدة فإن البرج يسقط وكلما زاد ميل البرج اقترب مركز الثقل من الخروج خارج القاعدة. هذا هو السبب ببساطة متناهية، لكن عدم المعرفة في ذلك الزمن واستغلال البعض هذا الجهل وتجير بعض الأحداث والقصص ونسج الخرافات عنها لمزيد من الهيبة والوقار والتقديس أمام جموع الناس. كما يحدث اليوم بطريقة أو أخرى في بعض البلدان العربية عند استخدام الدين لتحقيق مكاسب سياسية والتأثير على الناس وقراراتهم.
لا شك أن هناك ميادين أخرى انهزمت فيها الخرافة أمام المد العلمي وليس في المجال الفيزيائي وحسب، وإنما أيضا في مجالات كالطب والاقتصاد والمجتمع وغيرها. ولازالت الخرافة تندحر وتنحصر، لكنها ـ مع الأسف ـ لازالت موجودة يغذيها الجهل والأمية في بعض البقاع وفي بعض النفوس لأناس تحطمت آمالها فتطلعت إلى الخرافات لعلها تعيد الأمل لها.

اقرأ أيضا