الملحق الثقافي

الاتحاد

غاغا تغفو على الرمل.. تصحو على التاريخ

على أهداب البحر تغفو جزيرة غاغا على الرمل، تصحو على التاريخ، بسلام تهفو إلى الأزرق والطير المشاغب ينهض على ظهر مويجة انسلت من أحشاء الماء متخفية بالأبيض الناصع تريد أن تقول شيئاً، تريد أن تهمس في الآذان، وتحكي حكاية ربما لم تدر في خلد إنسان، ربما تكون قد تلاشت في أقاصي الوجدان، ربما لأن الزمن غير الزمان، يوم كان تحري الموجة كتحري الهلال، صيادون وبحارة يتشدقون بالساحل، منتظرين متى يخفف البحر من وطأته فيمتطوا جيادهم البحرية لأجل رائحة تعطر الذائقة وتبلل القلب. البحر حول غاغا طوق من حنان يلامس الشعاب ويغدق الرمل، بنشوة الانتماء، البحر ينقش الرمل بأخاديد تسامت كتفاصيل جسد أنثوي تزهى بروعة البضاضة.. هي غاغا، مع البحر منذ الفاصلة الأولى ما بين الأرض والسماء، هي غاغا نخوة من صبوة أزمنة، من شهامة مكان وإنسان، هي الكلمات التي نحتت حروفها من أنفاس ونفائس، وربما كان اللقاء معها مصادفة، لذلك كانت الدهشة عظيمة والمفاجأة نقرة في القلب، ناقوس في الرأس، فاستيقظت ذرات تحت الجلد وصحت ذاكرة تلملم أثاثها المبعثر وتزم يداً على جفنة رمل، ومن هنا بدأ الحوار واستدعاء ما يمكن استدعاؤه، من تفاصيل في المشهد ومشاهد في الحلقة المرئية.

بداية الحكاية
عندما وصلنا مع مصور “الاتحاد” النابه، احتار الرجل الفنان من أين يبدأ الحكاية، ومن أين يكتب الرواية صوراً ومشاهد لأن غاغا لم تكن ساكنة، لم تكن نائمة، كانت تنشد الراحة بعد تعب، كانت تجلي عن ثيابها بعضاً من غبار، لأنها تعلم أنها على مشارف مهمة تاريخية، والتاريخ كائن حي يستجمع أشياءه من حركة المكان.. يتكون منه، لذلك، فإن جزيرة غاغا، في ذلك الصباح الذي أشرقت الكاميرا فيه على وجهها، كانت هي تجلس بخيلاء تحرس غابة المنازل، تحرس مصلى العيد، تحرس المساجد، تحرس مقابر الذين كانوا هنا واليوم قد رحلوا، اليوم أصبحوا جزءاً من تراب غاغا، فكان لابد وأن تكون غاغا يقظة تحرس ترابها، وتتحمل وزر السهر والعناء والتعب.
من يقف عند مقبرة القبيسات في غاغا يستطيع أن يسمع أصواتاً مبحوحة، يستطيع أن يشعر أن تحت الرمل كائنات بشرية، تود أن تنهض وتنفض عن أجسادها الرمل والغبار، وتعيد الزمن كما كان، من يقف عند تلك المنازل يشعر أنها تريد أن تقول شيئاً لأن طينها تبلل كثيراً بالرطوبة وأبلته عوامل التعرية، ولأن سقوفها من جريد النخل منحنية تكاد أن تلامس التراب، بينما رائحة من عطر التراب وعرق وأنفاس الذين ذهبوا وبخور الطين، كل ذلك يمنح غاغا تميزاً غير عادي، يمنحها الفرادة من التكوين والريادة في صنع وجه آخر للمكان أشبه بأوجه النجوم ومحيط الكواكب.
في الجزيرة بالغة الولوج في التاريخ، يبدو المشهد حقلاً يزرع شتلات نموه من تربة الحلم وترائب الذين كانوا هنا حراس الخيط ونابلي الصنارة.
في الجزيرة قائمة من آثار أقدام حفرت في الرمل وشماً، ونحتت في الذاكرة شيمة، والسماء سقف يحدق في الماء ويحصي عدد حبات التراب وتبارك أرضا أحبها الله فحبب فيها خلقه.
في “الفريج الشرقي” ويدعى فريج الليه لوحة بأسماء الذين سكنوا وتمنوا، وتحنوا للفرح، وأحنوا ظهوراً، لكي تمر موجه، أو عاصفة، والمسجد الطيني مجاوراً مئذنة النداء الإلهي “على الصلاة” ثم بركة البَرَكة والحركة، والماء والنماء والانتماء، ومصلى العيد محاطاً بنطاق طيني لم يزل يحفظ وداً مع البقاء وتقدير الذات، لم يزل يستجلي طاقة القوة والصمود، لم يزل يحدق في الأفق ويستغرق وقتاً في التحديق ليكتب أسماء الغائبين الذين لم يحضروا ليشهدوا منافع لهم جراء الوقوف على طلل دون ملل.. والمنازل منازل العطر وفكر وصبر ومناحل لرحيق الصبابات القديمة، منازل القبيسات تستشرف البحر منعطفة على الصحراء، متداخلة مع الكون الفسيح متواصلة مع التاريخ بالطين والحجر، والنهار وما سطّر، والليل وما سَبَرْ، والإنسان وما جذرْ.. منازل القبيسات مكاحل التاريخ مرور العين، نجابة الأرض، وشهامة الإنسان.. وللطير في غاغا منازل في المنازل وزقزقة وهديل ورقية تمنع العين والحسد.. الطير نشوان وعلى جناحيه رفرفة الفرح ورفاهية القلب وثراء الذاكرة، الطير ينقر حبات الحياة برفق ويغني للوجود لغاغا، وما جاشت به الجزيرة من شوق وتوق لهفهفة ثوب امرأة، وقفت على “السيف” بانتظار غائب حاضر، شفّ الفؤاد غياباً، فطر الفؤاد حضوراً.
في غاغا الرمل يشتاق إلى الرمل، والبحر في سجال مع الطير، هل يعود الهوى، اشتياقاً إلى رائحة “الشِبا” وتعود المراكب بعد سفر، تعانق الساحل وتنفض عن أجسادها شوك “النو” وتغتسل بـ”الصل” و”الودك” وتمارس من جديد شبق الأحلام البعيدة؟

اشتياق واستباق
في غاغا كل الأشياء في حالة اشتياق واستباق نحو فضاءات لاتزال تخفض جناح الذل لشهيق الذين ظهروا الماء بالماء، واغتسلوا بالرذاذ بحثاً عن رَطِب يبلل كيمياء الجسد، ويلون العرق بالعذوبة.. في غاغا جمهورية الحلم الجميل تنظف الرمل، بصابون اللهيب وتنشف البلل بأنفاس الريح المستريحة عند نواصي الجدران المتعافية بالأمل.. في غاغا غواية المكان ووشاية الزمان عن جنس بشري عريق أنيق، وهب وذهب، فانسكب ذهباً إماراتياً مقنعاًً بالأصالة، في غاغا غمزة الاحتمالات المتواصلة، المتأصلة، وهمزة الوصل ما بين جملة فعلية وأخرى اسمية، الفعل وطن والفاعل هم، المبتدأ تاريخ بلا انتهاء، والخبر منازل الألفة وتشابك الجدران كأنها أعضاء جسد واحد، لإنسان واحد، لحلم واحد، وأمل واحد..
غاغا، في جوار البحر بالقرب من أول سطر في كتاب التاريخ بمحاذاة نبضه ودفقه عند زاوية في الأفق، وكأنها تقرفص تطهو طعام الصيادين بعد عودتهم من سفر البحر، كأنها تغزل خيوط “الليخ” لأجل رحلة جديدة، كأنها ترتب عدة الصيد لصيادين، انشغلوا في سحب المرساة، استعداداً للسفر، كأنها تغسل البحر، من شوائب صمته الطويل، كأنها تستدرج الطير، لتغني معه، في انتظار العودة الميمونة، كأنها تستدعي أسماكاً عاندت الصياد كأنها تفكر في أمر ما لتعيد الصنارة إلى البحر، وتناشد من جفت قدماه أن يستعيد البلل، كأنها تتأمل الصخور السوداء الجاثية على الساحل، وتقول كيف استحال لونها إلى أسود بعد أن كانت بيضاء ملساء متعافية، بالصلابة كأنها تمارس جلد الذات لتجلي عن رملها الغبار، كأنها عاشقة أتلفها الوله، لكائنات كانت أنقى من وجه النجم واصفى من الماء، كأنها شاعر عربي قديم، نأى بنفسه عن الضجيج، طلبا للوداعة، ليكتب قصيدته العصماء حول الجمال والحب وسعة القلب لأناس كانوا هنا وكأنها كتاب قديم، لم تمسه يد قارئ، وكأنها عذراء بكر تتابع بلهفة أخبار الطيور المجنحة في الهواء، مختالة فخورة، بحرية الطيران..
غاغا كأنها ورطة لذيذة عندما تكون قريباً منها تكون قد استولت على مشاعرك، تكون قد حاصرتك بالسطوة، تكون قد لونت الأشياء بالمعنى والمغزى، فلا تملك غير أنك تنظر إلى ذلك المصدر الذي انهمك يحدق بعمق في التفاصيل، والتفاصيل أدق من خيوط الحرير، أرق من نغمة الهديل، تنظر إليه وهو بين الغاية والغواية، مشوب بحنين إلى عناصر صمته الرهيب، مستنطقاً الصورة بحنكة وفطنة وكيف لا وغاغا تحقن الفكرة بأمصال اليفوع، وتحقق أقصى عناصر الجودة لمرتاد اعتاد العناق بأشواق المحبين لمهنة تحقن ذاته، كيف لا وغاغا غافية على بحر من مآثر ومناقب عائمة على مساحة واحدة من الذهنية الإماراتية، جاثية بأناقة الجميلات حين يوقظهم الشوق لأيام وأحلام وقامات ومقامات.
غاغا.. في غاغا الأحلام تتمشى على أديم الأرض، ترصد رائحة الذين فنوا، وتحصد عدد المنازل التي وقفت شاهدة على تاريخ ناطقة باسم الجغرافيا النبيلة، متحدثة بلهجة إماراتية، منبتهاً المنطقة الغربية، متجلية بخيال رهيف، شفيف، عفيف، وفكرة أنيقة ترفل بثوب الأعراس القديمة، بفستان أشف من الهواء، و”شيلة” ترخي أطرفين ناعمين، على جيد ونحر، وتقلد الرأس بناموس المتخايلات فتنة وبهاء.. في غاغا، الرمل يعقص جدائل انتمائه، ويطوق معصم البحر بأحجاره الكريمة ويعانق المدى بامتداد يمتد على مدار الزمن.. في غاغا تسمع وشوشة الجدران للجدران، وتفهم أن في الوشوشة أسراراً وأخباراً وأطواراً وأمطاراً، وغيمة تمطر في الليل ساعة الهدأة فتهدي التراب طراوة وتجلي عن حباته مسحة الحزن أثر الفقدان.. في غاغا كائنات تتسرب إلى الوجدان بعفوية فتستقر متوارية لكنها فاعلة، متفاعلة، متوغلة، متأصلة، مجللة، بالنصوع والينوع، ورهبة النساك، ساعة التجلي ورحابة القديسين لحظة الامتلاء بشحنة الإيمان.. في غاغا الخيال يتناسل وجداً كونياً يصنع الحيوية ويحيي عظاماً رميماً، ويخلد إلى الراحة واصفاً أسئلته للبصر والبصيرة قائلاً بتحد.. غاغا جزيرة تطفو على بحر من تاريخ ومحيط من ذاكرة، غاغا تلميذة نجيبة لبيبة تحفظ التاريخ ولا تسهو، تجد في القراءة ولا تلهو، تحب بكل شغف ولهف، وكلف، تحدق في الآتين، باعتناء، متمنية أن تستعيد جدران منازلها عافية الشباب.

اقرأ أيضا