الاتحاد

دنيا

نضال سيجري: لست حجر شطرنج

دمشق ـ عمّار أبو عابد:
'أدهشني الفنان نضال سيجري لأنه فنان أصيل في علاقته مع مفردات العمل الفني الذي يشارك فيه، فهو دائم البحث والانتماء إلى البروفات، وقد أثبتت التجربة معه أنه فنان يسعى لما هو مختلف تماماً، لاينتمي إلى أولئك الفنانين الذين لم ينزلقوا نحو التلفزيون بطريقة تحولهم إلى ما يشبه الأصنام، فهو يعرف كيف يجمع بين التلفزيون والمسرح'·
بهذه الكلمات تحدث المخرج المسرحي المعروف جواد الأسدي عن الفنان نضال سيجري، لينتهي إلى القول:' إن شخصيته تجمع بين الطرافة ورحابة التلقي والرغبة في البحث وتقديم ما هو مختلف واتقاده المسرحي إضافة إلى أخلاقياته المسرحية'·
وجاءت أقوال الأسدي بعد أن تقاسم السيجري مع الفنان فايز قزق بطولة عمله المسرحي الجديد 'حمام بغدادي' الذي انتهت عروضه في دمشق مؤخراً·والتقيناالسيجري في هذا الحوار:
؟ ماذا عن تجربتك مع المخرج جواد الأسدي في 'حمام بغدادي'؟
؟؟ جواد الأسدي من المخرجين القلائل الذين يعتمدون في عملهم على الممثل، وكيف يلتقى السؤال والجواب ما بين الممثل والمخرج، وهذه العلاقة تكون دائماً لصالح منتوج الشخصية التي نراها على المسرح·
؟ اعترفت بأنك تقدم أحياناً أعمالاً وتشارك بها وهي لا تعنيك؟ لماذا تشارك بها إذاً؟
؟؟ التلفزيون ببساطة معصرة أو طاحونة، فأنت قد تشارك في التلفزيون بعملين أو ثلاثة هذه السنة، ولكن إذا رفضت العمل في السنة التي تليها ينسونك وتذهب من الذاكرة· ومع أني مقتنع أن التلفزيون لا يمكن أن يكون بديلاً عن الخطاب الثقافي الذي يقدمه المسرح، لكنه موجود كأداة فنية، ولذلك يجب أن أكون كفنان حاضراً من خلاله، والفنان مضطر أن يعمل لكي يعيش، فما نأخذه من المسرح قروش قليلة جداً جداً· فأنا أعمل في مسرح لأنه 'سوسة'، وأشارك في أعمال تلفزيونية لكي أحصل على المال لأعيش! مع احترامي لبعض الأعمال التلفزيونية، سواء كنت مشاركاً فيها أم لا·
؟ ولكن عدد مشاهدي أي حلقة تلفزيونية من أي مسلسل يتجاوز بمئات المرات عدد حضور جميع عروض أهم مسرحية عربية، فلمن تمثل على خشبة المسرح؟
؟؟ هناك فرق بين أن أراك بالمصادفة وألقي عليك التحية، وبين أن أضرب معك موعداً وآتي لزيارتك، عندئذ أكون مهتماً أكثر، فعندما يأتي المتفرج للمسرح فهو يتكبد مشقة، ويخرج من منزله شتاء، وربما تحت المطر ويدفع مالاً، ويجلس لمدة ساعة ونصف، ليشاهد عرضك، فأنت عندئذ ستكن له احتراماً مضاعفاً، فهذه المشقة التي تكبده إياها، تتطلب منك أن تحترمه، وأن تقدم له عرضاً مهماً· أما التلفزيون فهو معصرة، ولكن هذا لا يعني أن نستسهل في التلفزيون، لأنه أداة خطيرة جداً، وأداة تدخل إلى كل بيت، لذا لا بد من رقابة معينة على ما يعرض·
؟ أنت فنان وتطالب بالرقابة؟
؟؟ أنا لا أعني الرقابة الكلاسيكية المتخلفة من قبل بعض الموظفين الموجودين في التلفزيون، وإنما أعني رقابة منا نحن الفنانين، بأن ندافع عن النص الجيد، ونرفض الرديء، بمعنى أن يصبح لنا يد في هذا النص أو ذاك، وأنا أعتقد أنه يجب أن يكون هناك رقابة على البرامج في التلفزيون أيضاً، فأي برنامج يجب أن يكون عليه استفتاء وآراء، فهناك برامج يجب أن يتم غربلتها وإقصاؤها عن الشاشة، فالعالم كله الآن يمضي باتجاه حداثة متسارعة، ويجب علينا أن نركز في المضمون ولا نقتصر فقط على الجانب السطحي·
الدراما التليفزيونية
؟ لكنك بالمقابل تشارك في بعض الأعمال التلفزيونية وأنت غير معني بها؟ فلماذا لا تبدأ بنفسك؟
؟؟ إذا لم أعمل أنا في هذا العمل التلفزيوني، فسيعمل غيري، ولكن عندما نقرر جميعاً ألا نعمل في هذا العمل، عندئذ نستطيع أن نقاوم العمل السيء، فأنت لوحدك لا تستطيع أن تحارب مهما كنت قوياً وصاحب إرادة· وفي النهاية الفنان ليس صاحب قرار إلا على نفسه، فالمسألة أشبه بالعين والمخرز، تتطلب صرامة وحزماً وإرادة وتعاوناً بين الفنانين، أمّا أن يقول فنان لوحده إنه لا يريد هذا العمل أو ذاك، فإنه يصبح خارج الدائرة نهائياً، ويقضي أوقاته في المقهى، ويتحول إلى شخص متوتر، ويشعر أنه غير موجود وغير فعّال، وهذا أخطر على الفنان· لا سيما أنه لا بد أن يأتي الوقت الذي يجلس فيه الفنان في بيته دون عمل!
؟ يشغلك كثيراً هاجس أن يجلس الفنان في بيته دون عمل؟ لماذا؟
؟؟ لأن الفنان في العالم الثالث يعامل كأنه حصان، إذا مرض أو تقدم به العمر تطلق عليه رصاصة الرحمة، وأنا أعمل الآن، ولكن في الوقت نفسه أعلم أنني في أي لحظة قد لا أكون موجوداً· الشركات التي تطلبك الآن ربما لن تطلبك مستقبلاً، إذ لا حصانة للفنان، وهذا أمر خطير جداً·
؟ وهل عدم وجود حصانة للفنان ضد البطالة أمر شائع في العالم الثالث كله أم أنه خاص بنا؟
؟؟ ليس في كل العالم الثالث، ففي الشقيقة مصر تجد ممثلين أعمارهم ثمانون عاماً ويعملون، وهناك فنانون يموتون على خشبة المسرح في العالم، أما نحن فتجد أن الممثل ما يزال قادراً على العطاء عشرين عاماً أخرى، ومع ذلك يجبرونه على البقاء في بيته· وهذا ما حدث مع المسرحي الكبير سعد الدين بقدونس، ويحدث مع غيره من فنانينا الكبار·
؟ إذاً هذا الخوف له علاقة بالفنان السوري تحديداً؟! لماذا؟!
؟؟ لأن طريقة تفكير شركات الإنتاج قاصرة، ولأن رأس المال الإنتاجي عجول، وهو لا يتحمل ممثلاً كبيراً في السن، يمكن أن ينسى قليلاً، ويمكن أن يتعب ويريد أن يرتاح لدقائق· لذا نرى أن شركات الإنتاج عندنا متعجلة دائماً، فمسلسل من ثلاثين حلقة يحتاج إلى ستين أو سبعين يوماً لتصويره، لكن الجهة المنتجة تريد أن تنجزه بأربعين أو خمسين يوماً، لأنه كلما قصرت المدة تم توفير النفقات! وبالتالي ولأن هذه الجهة الإنتاجية متعجلة، فإنها تأتي بفلان وتجعله أكبر سناً، وتأتي بفلانة وتجعلها أكبر أو أصغر، ولا تضع الممثل في مكانه الطبيعي·
؟ يصفك بعض النقاد بأنك من أهم الممثلين في سوريا، فلماذا لم نراك حتى الآن في دور بطولة مطلقة؟
؟؟ أنا قدمت أدوار بطولة في 'اللوحة السوداء' وفي 'أبيض أبيض'، غير أن مسألة الأسماء في الشارة لا تعنيني كثيراً، وإن كان كثيرون يختلفون حولها، فأنا أنتظر حتى يظهر المسلسل على الشاشة، بمعنى أن عملي هو الذي يعبر عني وليس اسمي في الشارة، فهذه القصة لا تأخذ الكثير من اهتمامي، لأني أشعر أن المنتوج هو الذي يقدمني، وهذا أراه في عيون الناس وفي الشارع، وفي آراء النقاد، وبهذا أشعر أن حقي وصلني· بالإضافة إلى ذلك، فأنا أميل إلى العمل الجماعي والبطولة الجماعية، وأشعر أن الجماعي هو الأكثر نجاحاً·
؟ هل تشعر أن المخرجين الذين تعاملت معهم حتى الآن قدموا لك الفرص المناسبة لموهبتك وقدراتك، أم أنك مازلت بالانتظار؟
؟؟ أنا لست حجر شطرنج، وأرفض أن أكون حجر شطرنج في يد أي كان! أنا مع أن يكون هناك جدل بيني وبين المخرج وحوار، والعمل الجيد بالنسبة لي لا يكمن في مساحة الدور الذي أؤديه، فليست مساحة الدور هي التي تقدم الفنان، بل كيف يؤدي الفنان هذا الدور سواء كان صغيراً أم كبيراً، وكيف يبحث عن خيوط له، وكيف يحتال عليه ليخرجه من الورق ويجعله ينبض بالحياة·
؟ نحن لا نتحدث عما يجب أن يكون عليه النجم، بل عن الواقع؟
؟؟ قد تكون النجومية ناتجة عن الشللية في بعض الأحيان، فقد تجد أن مخرجاً ما يرى في ممثل ما أنه نجمه، وبالتالي فهذا اللقب جزء لا يتجزأ من عملية تصنيع هذا النجم! بالإضافة إلى أن العلاقات يمكن أن تساهم في جعل هذا أو ذاك نجماً، والإعلام له يد في ذلك طبعاً·
لست كوميدياً
؟ لماذا برأيك لم يتطور لدينا الإنتاج السينمائي، كما تطور الإنتاج التلفزيوني؟
؟؟ باختصار لأن رأس المال الوطني لم يتجه نحو السينما، فالسينما بحاجة إلى تعاون بين المنتجين الخاصين ومؤسسة السينما، فالمؤسسة لوحدها لا تستطيع أن تقدم في السنة عشرة أفلام، لأنها لا تملك ميزانية لإقامة صناعة سينمائية·
؟ هل صحيح ما يقال إن المشكلة في الجمهور السينمائي؟
؟؟ ليس صحيحاً، فنحن نلاحظ أن جمهور السينما موجود في كل مرة يقام فيها مهرجان دمشق السينمائي، فالمشكلة ليست مشكلة جمهور، وإنما مشكلة إنتاج، فتوزيع الأعمال التلفزيونية أسهل، بالإضافة إلى أن الإعلانات خلال المسلسلات تغطي الكثير من النفقات الإنتاجية، بينما في السينما ليس هناك سوى شباك التذاكر، ومشكلة السينما أنها يجب أن تكون جماهيرية وتطرح خطاباً ثقافياً في الآن نفسه، وبالتالي فهي تملك آليات مختلفة عن آليات الإنتاج التلفزيوني·
هذه حدود التلفزيون
؟ ألا ترى أن هذه مشكلة في الفن السوري، باعتبار أن العمل التلفزيوني ينتهي بمجرد عرضه مرة أو مرتين أو ثلاثاً، بينما العمل السينمائي ذاكرة وتاريخ؟
؟؟ هذه هي حدود التلفزيون، فالتلفزيون لا يمكن أن يكون بديلاً ثقافياً للسينما والمسرح، كي لا نحمل التلفزيون أكثر مما يحتمل·
محاكاة الواقع
؟ إلى أي مدى ترى أن الفن السوري مرتبط بجمهوره؟
؟؟ إنه يقترب أكثر، والفن في النهاية هو محاكاة للواقع، ونحن نرى أن الأعمال الاجتماعية التي قدمت مؤخراً هي أكثر التصاقاً بالشارع والرصيف وبالناس الهامشيين، وهي تعالج آلامهم وأوجاعهم وانتكاساتهم، وهذا يجعل الفن أقرب لجمهوره بالطبع·
؟ ولكن بعض المبدعين يرون أن الفن الراقي له ذائقة مختلفة عن ذائقة الجمهور؟
؟؟ هذه نظرية موجودة، ولكن هناك خطأ في المصطلح فمن قال إن الشعبي ليس مبدعاً! فمن الممكن أن يستقرئ المبدع ويستشرف لكي يلتقط لحظة استثنائية ويشرحها·

اقرأ أيضا