الاتحاد

دنيا

كيف حوّلت مصر الغبار إلى كنوز من زجاج؟


إعداد ـ مريم أحمد:
كشف علماء الآثار وللمرة الأولى عن بقايا أثرية لمصنع زجاج يعود تاريخه إلى العصر البرونزي، حيث قام الحِرَفِيّون القدماء بصنع الزجاج من مواده الخام الأوليّة· ومما أثار دهشة واستغراب العلماء أن هذا المصنع، الذي يُعتقَد أنه كان نشِطًا في العام 1250 قبل الميلاد، يقع في مصر عِوَضًا عن بلاد ما بين النَهرين، دجلة والفرات، التي أُعتُقِد أنها المكان الوحيد الذي بدأت فيه صناعة الزجاج قديما· الجدير بالذكر أن الزجاج كان في العصر البرونزي من المواد القيّمة التي لا تُقدّر بثمن، لذا فإن هذا الاكتشاف يدل على أن مصر ربما تمتّعت بالسلطة والنفوذ أكثر من الاعتقاد السائد بمصدر هذه الصناعة·
ويعود تاريخ الحِرفة اليدوية 'الزجاجية' القديمة إلى عام 1500 قبل الميلاد، وكان الاعتقاد السائد أن منطقة بلاد الرافدين هي مصدر تلك الأعمال الفنية الزجاجية الرائعة· ويعلّق ثيلو ريهْرِن، عالم آثار من جامعة لندن، على الأمر بقوله: 'ولكن مصر هي أول مكان أصبح باستطاعتنا فيه وضع أيدينا على الأعمال الزجاجية، ومعرفة كيفية ومكان صنعها'· ويضيف: 'وحتى الآن لم نَرَ سوى العمل النهائي لعملية صنع الزجاج، فلم يكن هناك دليل يُظهِر لنا مدى المهارة والتنظيم التي صُنِعَت بهما تلك الأعمال'·
وكان ريهْرِن وزميله العالِم إدغار بوستش، من متحف بيليزايوس الألماني، قد قدّما وصفا كاملا لاكتشافهما المذهل كي يتم نشره في مجلة Journal Science العلمية·
ويذكر أن من أكثر الأعمال الزجاجية شيوعا في تلك الفترة ما يُعرَف بالسُّبُحات، أو الخرزات الزجاجية، وكذلك الأوعية ذات الأعناق الضيّقة التي يُعتَقّد أنها ربما حملت في قاعها السوائل العطرية ذات الروائح الزكية، أو ربما سوائل من نوع آخر· وكانت مثل تلك الأعمال الجميلة تُصْنَع عادة من الزجاج الأزرق الملوّن، وذلك لمُضاهاة الأحجار الكريمة والنفيسة كحجر الفيروز، والأخرى المُرَصّعة ذات الخطوط الصفراء والبيضاء· ووصف ريهْرِن تلك الأعمال القيّمة بقوله: 'لم تكن تلك الأعمال أغراضا تم صُنْعُها للاستخدام اليومي، وإنما كانت نوعا من الزينة المنزلية'·· وقد تم العثور على معظم تلك التحف والأعمال في مصر، وفي المنطقة الواقعة بين نهري دِجلة والفُرات اللذين كانا يشكّلان قديما ما يعرف باسم بلاد ما بين النهرين، أو العراق·
وقد مرت تلك الأعمال الفنية الزجاجية بمرحلتين قبل أن تظهر بالشكل النهائي· ففي المرحلة الأولى، وهي مرحلة الإنتاج الأولى، يتم صنع الزجاج من رماد النباتات، ومن ثم يتم سحق غبار الكوارتز لتشكيل أقراص دائرية الشكل تعرف باسم 'القوالب'، التي تكون مُعِدّة للتشكيل· بعد ذلك تبدأ المرحلة الثانية التي تتم فيها إذابة تلك القوالب لإعادة تشكيلها بهدف صنع أدوات معينة الشكل، والمُراد صُنعُها· ويذكر أن العديد من الدلائل، كحطام السفينة القديمة بما أكتُشِف فيها من أعمال فنية قُبالة الساحل التركي والتي يعود تاريخها إلى فترة العصر البرونزي، تشير إلى أن من المحتمل أنه تم صنع القوالب في منطقة ما، ومن ثم تم تصديرها لمناطق بعيدة أخرى لاستكمال مرحلة التصنيع الثانية· ويعلق ريهْرِن على ذلك بقوله: 'في العشرين سنةً الماضية، أدركنا نحن علماء الآثار أهمية تلك المسألة· وقد كان بإمكاننا التعرّف على أسلوب صناعة تلك الأعمال، لكننا لم نكن نعرف بالضرورة شيئا عن مكان صُنعها'· وهناك العديد من الأدلة، كما يؤكد ريهْرِن، التي تشير إلى أن العراقيين القُدماء كانوا قد عرفوا صناعة الزجاج قبل المصريين· كما تمت الإشارة إلى أن بعض الرسومات الجدارية المصرية القديمة تُظهر عُمّالا يبدو من لباسهم أنهم سوريون يقومون بنقل الزجاج إلى مصر·

اقرأ أيضا