الاتحاد

تقارير

أفغانستان... وأهمية تعليم القانون

جوليان سيموك
مدير مشروع تعليم القانون في أفغانستان بجامعة ستانفورد الأميركية


في الوقت الذي يلتقي فيه الرئيس الأفغاني حامد كرزاي مع أوباما في واشنطن خلال الأسبوع الجاري، ويستعد الكونجرس النظر في تعيين «تشاك هاجل» وزيراً للدفاع، يبدو أن اللحظة مواتية للتفكير في الاستراتيجية الأميركية بأفغانستان، لا سيما المقاربة التي تعتمدها الولايات المتحدة تجاه الاحتياجات التعليمية للأفغان، وما يعكسه ذلك من أهداف أميركية على المدى البعيد.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى بعض الأحداث الموازية التي تبدو بعيدة من حيث الظاهر عن الموضوع لكنها ذات صلة وثيقة به، ففي الخريف الماضي وفي حفل بسيط خال من البهرجة أصبحت مديراً لمجموعة صغيرة تطلق على نفسها «مشروع تعليم القانون في أفغانستان» بكلية الحقوق بجامعة ستانفورد، بحيث تعمل المنظمة مع أكاديميين في كابل لصياغة المناهج الدراسية في مجال القانون حتى يستفيد منها الطلبة الأفغان.
ورغم ما يحمل اللقب من وجاهة، فإني في الحقيقة أدركت لاحقاً أن مهامي تقتصر على الوظائف الإدارية البسيطة من تحرير النصوص وإرسال البريد الإلكتروني ومتابعة بعض الأمور، لكن هذا العمل على بساطته وبعده عن الشعور بالأهمية والظهور الإعلامي، يحمل في طياته بعض الامتيازات، إذ أجتمع كل أسبوع عبر موقع «سكايبي» للتواصل مع زميلة أميركية تدرس في كابل، ومع مرور الوقت أصبحت لقاءاتنا فرصة لتكوين فكرة حقيقية عن المجتمع الأفغاني باعتباره مجتمعاً معقداً وأكثر صلابة مما توحي به تحليلات بعض المعلقين وما يذهب إليه السياسيون.
وفي نظري لا بد لأي مقاربة أميركية لمستقبل أفغانستان من إدراك هذا التعقيد والصلابة للتعامل الأفضل مع مجتمع عريق ومتنوع.
والباحثة الأميركية في كابل التي أتواصل معها أسبوعياً هي «جين رواند» التي قضت 18 شهراً تُدرس القانون في جامعة كابل، واليوم وبعدما استنفدنا النقاشات العملية حول الكتب والمناهج الدراسية، بتنا نتحدث عن الطلبة أنفسهم لملء الوقت، وللتعرف أكثر على بعض التفاصيل في يوميات الطلبة. وبهذه الطريقة اقتحمت حياة مجموعة من الأفراد تدرسهم «رواند»، وأصبحت مطلعاً على قصصهم الشخصية والأحلام والطموحات التي تراودهم، فضلا عن المشاكل المرتبطة بالمجتمع الأفغاني.
وعلى مدى ساعة كل أسبوع كانت العديد من المعلومات حول حياة الطلبة في أفغانستان تعبر المحيطات والقارات لتصلني عبر برنامج «سكايبي» إلى شقتي في سان فرانسيسكو، هذه النقاشات ليست من دون فائدة، بل هي تذكير لنا بأن ما يهم في أفغانستان ليس فقط الاستراتيجيات العسكرية التي يتم تدارسها بين المسؤولين، بل أيضاً الواقع التعليمي وحياة الأفراد الحافلة بالطموحات الشخصية، وتاريخ مجتمع يشهد على قدرة فائقة في التعلم وتحمل الظروف الصعبة.
وفيما تناقش النخبة السياسية الأميركية موعد الانسحاب القادم من أفغانستان، والذي حدده أوباما في عام 2014 وتداعيات ذلك العسكرية والسياسية، فإن السؤال الحقيقي الذي يتعين الإجابة عليه هو: ماذا بعد؟ وهل يتعين التخلي عن باقي البرامج التعليمية والاجتماعية فقط لأن التواجد العسكري الأميركي لم يعد قائماً؟
وفي هذا السياق، يحركنا في مشروع تعليم القانون في أفغانستان مبدأ راسخ مفاده أنه ما أن تتجذر المعرفة القانونية بين الطلبة فإنه يصعب القضاء عليها، فالتعليم الذي يحصل عليه الطالب في الجامعة قد لا يظهر سريعاً في الواقع وربما يظل كامناً في العقول، لكنه يكتسب طابعاً عنيداً ويكتسي صفة الاستمرار يصعب محوها، أو تدميرها كما تدمر الطرق والبنية التحتية.
وباختصار يبقى تعليم القانون أمراً ملازماً، إن لم يكن شرطاً لتحقيق الأمن والسلام على المدى البعيد، ولحسن الحظ حصل البرنامج الذي نشرف عليه على منحة تقدر بـ«7.2» مليون دولار من وزارة الخارجية الأميركية تمكنه من تحقيق هذا الهدف وتكريس دراسة القانون في أفغانستان والوصول إلى تأسيس كلية للقانون معتمدة في كابل ليتم في الأخير تخريج مجموعة من الطلبة ينالون شهادات في القانون معترف بها.
ومع أن البعض قد ينظر إلى هذه المحاولات باعتبارها مثالية في ظل احتمالات تفجر الوضع الأمني الهش بعد انسحاب القوات الأميركية، ونصح المراقبين لنا بعدم إنفاق أموال قبيل الانسحاب.
إلا أن «جين رواند» لها رأي آخر، وهو الرأي نفسه الذي أتبناه، فغياب الأمن في أفغانستان واقع يتعين التعايش معه، وعليه ألا يلغي المشاريع الأخرى المصاحبة التي تستهدف الأفغان وتحسن حياتهم، وحتى لو اضطررنا إلى قصر مهامنا على بعض الأنشطة، فإنه مجرد فتح المجال أمام تعليم القانون في أفغانستان سيحفز الأجيال اللاحقة على استكمال المسيرة.
فالتعامل مع المجتمع الأفغاني عليه ألا ينحصر في ثنائية الاستقرار والفوضى، أو العنف والسلام، بل عليه التقاط الصورة في بعدها الشامل والتفكير في حياة الأفراد التواقين إلى تغيير حياتهم عبر التعليم، وهذا يعني أن الجهود الأميركية لدعم التعليم والمجتمع المدني الأفغاني يجب ألا يتم التخلي عنها، وذلك رغم ما تستدعيه المبادرات من صبر ومثابرة، قبل جني ثمارها بعد سنوات عديدة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا