الاتحاد

تقارير

الشرق الأوسط... اتحادٌ ضد الفساد

ندى عقل
صحفية لبنانية


كان الإحباط العام من الفساد أحد العوامل المحفزة وراء الثورات الشعبية في الشرق الأوسط خلال السنتين الأخيرتين، رغم ذلك فإن معدل الفساد ما زال مرتفعاً في المنطقة. وقد تراجعت غالبية الدول العربية عن مواقعها السنة الماضية، حسب آخر مؤشر للفساد من منظمة الشفافية الدولية، نُشر مؤخراً.
وللفساد جذور عميقة في العديد من مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ناتج عن أطر قانونية ضعيفة وانعدام آليات تطبيق صحيحة. وحتى يتسنى التعامل مع قضية واسعة الانتشار كهذه وإيجاد ثقافة للشفافية، يجب أن تكون الجهود متعددة الجوانب وتضم مشاركين من القطاع المدني والحكومة، إضافة إلى منابر إقليمية لتقوية مجالات التعاون وتبادلٍ أفضل للممارسات. ولحسن الحظ فإن الربيع العربي بعيد عن نهايته.
وقد اجتمع أكثر من أربعين ناشطاً من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أواخر شهر نوفمبر في القاهرة لبحث استراتيجيات التعامل مع الفساد في المنطقة. كان هدف ورشة العمل، التي استضافتها «الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد» (ACINET)، صياغة استراتيجية مشتركة للتعامل مع المضامين المختلفة لكل منها.
وركّز خبراء وأكاديميون وعاملون في المجتمع المدني من مصر وليبيا والأردن والمغرب ولبنان والسعودية والبحرين والكويت وفلسطين وجيبوتي واليمن وموريتانيا، على أربع أولويات لمكافحة الفساد: استعادة الموجودات التي تم الحصول عليها نتيجة للفساد، وحق الوصول إلى المعلومات، والفساد داخل أراضي الدول، والكفاح ضد الحصانة من العقوبة. وسوف يتم تطوير هذه القضايا الأربع في أوراق دراسية، وستتم صياغة الاستراتيجيات باستخدام نقاشات ورشة العمل.
أبرز المشاركون فرصاً فتحتها الثورات العربية لمكافحة الفساد، إضافة إلى الحاجة لرعاية التعاون مع المؤسسات العامة والتحالفات الإقليمية، وفي الوقت نفسه نشر الوعي حول النتائج السلبية للفساد. فقد شكّلت الثورات فرصة ينبغي استغلالها: شرح إبراهيم علي، من «جمعية الشفافية» الليبية، أن أحد أهداف منظمته هو الضغط على السلطات لاستعادة الأموال التي تم تحويلها نتيجة الفساد، وإلزام الدول الأخرى بعملية استعادة الموجودات المالية الليبية حول العالم. تأسّست هذه المنظمة غير الحكومية في مايو عام 2011 في بنغازي بعد فترة وجيزة من الثورة.
ويمكن إعطاء الفضل جزئياً لعملية إنشاء هذه المنظمة وغيرها من المنظمات غير الحكومية، لحقيقة أن ليبيا تقدّمت بثمانية مراكز، إلى موقع 160 على مؤشر مستوى الفساد الذي تعدّه منظمة الشفافية الدولية بعد الحرب التي انتهت في أكتوبر الماضي.
وعلى سبيل المثال، جرى تسجيل أكثر من 10 آلاف ناشط في مجال المجتمع المدني أثناء الانتخابات الليبية لدى الهيئة الوطنية العليا للانتخابات، ليكونوا مراقبين محليين على العملية الانتخابية. وكان من بين هذه المنظمات «الجمعية الليبية للرقابة الانتخابية» التي أسستها نساء ليبيات.
وفي يوم التصويت قامت هذه الجمعية بنشر 686 مراقبة في أنحاء البلاد لمراقبة الإجراءات وتشجيع الثقة المتزايدة لليبيين بأنه لا يمكن التلاعب بالاقتراع.
وطلبت «جمعية الشفافية» الليبية كذلك نشر جميع العقود الحكومية التي وُقّعت من قبل النظام الليبي السابق، مبديةً اهتماماً وثيقاً بقطاعات النفط والمالية.
وتلعب منظمات المجتمع المدني مثل هذه المنظمة، في العملية التحولية الصعبة والحاسمة بعد نظام القذافي، دوراً رئيسياً في إرساء الاستقرار وتحقيق الديمقراطية، وفي إعادة تشكيل المجتمع والحفاظ على الحكومة في موقع المساءلة، وهو أمر لم يكن يمكن حتى التفكير به قبل الثورة.
لقد أصبحت الحكومات أكثر انفتاحاً على المجتمع المدني، لكن بقي أن يعمل لبنان على التصديق على معاهدات الأمم المتحدة ضد الفساد، وهو واحد من الدول الخمسين الأكثر فساداً في العالم، حسب منظمة الشفافية الدولية. ورغم ذلك، تشاركت وزارة المالية اللبنانية في عام 2007 مع جمعية الشفافية اللبنانية في مذكرة تفاهم حول الإجراءات التي يجب اتخاذها من أجل مزيد من الشفافية.
وفي السنوات التي تلت، نشرت الوزارة حسابات مالية أصبحت اليوم متوافرة للجمهور، وأصدرت وثيقة «ميزانية المواطن» التي تتابع الإنفاق الحكومي الرئيسي، والإيرادات والدين العام. وما زال هناك الكثير مما يجب عمله على مختلف المستويات، إلا أن التغيير يبدأ من الأفراد.
وفي الآونة الأخيرة، أصرّ ربيح الشاعر، المدير التنفيذي لجمعية الشفافية اللبنانية، على أن يأخذ الجمهور موقفاً ضد الفساد من خلال رفض الانخراط فيه، وأكد على الممارسات اليومية حيث يمكن مشاهدة الرشوة كأسلوب لتحقيق أي شيء.
وبتحديد شهر يونيو عام 2013 موعداً لتنظيم الانتخابات البرلمانية، تكون هذه أولى الرسائل المهمة حول مكافحة الفساد التي يمكن توقعها في الشهور المقبلة. ولأن الفساد مستشرٍ في المجتمع، ربما يتراجع مع تشجيع الشفافية وتحويلها إلى ثقافة على مستوى الأفراد والمؤسسات.

ينشر بترتيب مع خدمة
«كومون جراوند الإخبارية»

اقرأ أيضا