الاتحاد

دنيا

تأملات في إشكاليات المرأة العربية بين المذكَّر والمؤنَّث

د· رسول محمَّد رسول:
تعمل رجاء بن سلامة، الأستاذة الجامعية والباحثة التونسية، منذ سنوات في مجال الدراسات الفلسفية والفكرية· وفي خلال ذلك ظلت إشكاليات الخطاب المتعلق بالمرأة العربية محط اهتمامها، وراحت تدرس تلك الإشكاليات برؤية فكرية معمَّقة تتداخل فيها مناهج التحليل النفسي مع الاجتماعي ـ الثقافي، والتاريخي ـ اللغوي، حتى صارت بحوثها تتوالى على هيئة كتب، منها: 'صمت البيان'، الصّادر عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام ،1998 وكتاب: 'الموت وطقوسه من خلال صحيحَي البخاريّ ومسلم'، وهو من منشورات دار الجنوب، تونس، ·1999 وكتابها الضخم: 'العشقُ والكتابة'، الصادر عن دار الجمل في كولونيا· وكتاب: 'نقد الثوابت: آراء في العُنف والتمييز والمُصادرة'، الصادر عن دار الطليعة في بيروت· وأخيراً كتابها 'بنيان الفُحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث'، الصادر مؤخراً في بيروت·
المسلمون الأوائل استبطنوا مناطق واسعة من التسامح فيما بين الرغبة والقانون
بعد التقديم، تضمَّن الكتاب سبع دراسات رسمت الكاتبة التونسية رؤيتها النقدية فيها، ابتداءً من المقدمة حتى الدراسة الأخيرة· ورأت المؤلفة أن ثنائية (المذكَّر والمؤنَّث) هي ثنائية مركزية في المجتمع العربي وفي الثقافة العربية، تحوَّلت في خلال عمليات إعادة بنائها في العصر الحديث إلى أنظمة تبريرية، وإلى آليات تفكير تحوّل علاقات الهيمنة التاريخية فيها إلى بديهيات ومسلَّمات غير قابلة للنقاش! وتسعى الدراسات في هذا الكتاب إلى كشف علاقات السلطة والتراتب المتعلقة بالمذكر والمؤنث في ضوء مفاهيم عدّة منها مفهوم العنف الرمزي ومفهوم الهيمنة الذكورية·
ثغرات النظام الفحولي!
ولكن ما هو مفهوم بنيان الفحولة؟ أجابت المؤلفة: إن الحقول السياسية والثقافية والفكرية التي تتضح فيها الهيمنة الذكورية سياسياً، والمركزية العقلية معرفياً، هذه الحقول، كما ورثناها عن السَّلف، وكما أعادت بناءها المنظومات الأصولية في إنكارها الحداثة، هي التي تمثل بنيان الفحولة، والتي هي لا تعدو أن تكون صروحاً عتيدة، وقلاعاً لا مرئية لا يكفي التنديد بها، بل لا بد من النظر في كيفية بنائها للوعي بالمسلّمات التي تنبني عليها، والتي لم يمكن التسليم بها إلا بفضل جهاز تبريري يذر الرماد في الأعين، ويضفي طابع البداهة على علاقات الهيمنة واللامساواة·
ولما كان لكل نظام ثغرات، ومنه النظام الفحولي، فإن الباحثة سعت للانتباه إلى تلك الثُّغرات بل والشروخ المفترض وجودها في جملة بنيان الفحولة بكل ما فيه من سلطات وهيمنات فاعلة·
تناولت المؤلفة، ابتداءً، قضية المؤنث والمذكر في العالم العربي من خلال تسليط الأضواء على جملة من الإشكاليات المتعلقة فيها، ومن ذلك إشكالية ما يُعرف بالجنس الثالث، ووجدت، بعد أن تعرَّضت إلى جُملة المسائل الفرعيه فيها، إلى أن المسلمين القدامى أمكن لهم أن يستبطنوا مناطق واسعة من التسامح فيما بين الرغبة والقانون، وأن يتجنَّبوا فرص غفوة الرقيب التي طالما تغنى بها الشعراء، أما الآن فإن هذا التسامح مغيب عن ساحة التفكير العربي· وعرضت كذلك إلى مشكلة (الوأد) في التراث العربي، وهي مشكلة كان القرآن الكريم قد حسمها بدايةً عندما أبطل الوأد الذي كان يستهدفُ الأطفال والإناث في الجاهلية· أما في الوقت الراهن فإن الوأد الرمزي أو الواقعي ما زال يترصَّد النساء، فهنَّ لا يُتهمْنَ بالسحر بمعناه الحقيقي إنما يُتهمنَ بالفتنة، وتلك طامّة كبرى عانى منها الوعي العربي على مر العصور· وفي وقت وضعت فيه القوانين الإلهية جملة من القواعد الأساسية التي لم تميز بين الرجل والمرأة حسبما جاء في المنظور القرآني من أن الله جل شأنه خلق حواء وآدم من نفس واحدة، وهي وحدة بيولوجية، فإن أصحاب المركزية التيولوجية، وهي مركزية ذكورية، وضعت مراتبية خاصة بها هي مراتبية سلطوية، أصبحت، حسب تعبير المؤلفة، أسطورة للاختلاف الجنسي، وهي أسطورة اختلاف جندري من صناعة السلطة الذكورية التي لا تني تبحث عن أية فكرة للقضاء على أي تشابه بيولوجي ممكن أن يقارب بين الذكر والأنثى·
سلطة الجندر
ومن تجليات ذلك هو ما تعانيه المرأة العربية المثقفة أو الكاتبة في المجتمع، حيث تقول رجاء بن سلامة: تقع الكثير من الكتابات النسوية في فخ جوهرة الفوارق بين الجنسين، فتتحدَّث عن خصوصية النساء، وعن كتابة نسائية· وما تريد قوله المؤلفة هنا هو أن السلطة الذكورية تسعى دائماً إلى الفصل بين الكتابة الذكورية والكتابة النسوية ليس لشيء سوى الفصل والتمييز الجندري الذي يعزز للرجل مكانته لا أكثر·
من جهة، تميز الباحثة التونسية بين نظامين من الفوارق: نظام ترتيب الفوارق، وهو نظام اجتماعي وسلطوي· ونظام اختلال الفوارق، وهو نظام خيالي إبداعي· وتعتقد الباحثة أنه من الأجدى أن نفرِّع من النظام الاجتماعي المرتّب للفوارق بين الذكر والأنثى نظاماً ذا طبيعة سلطوية فكرية يرتب، من جانبه، الفوارق بين ما هو ذكوري وما هو أنثوي· ولهذا وضعت المؤلفة جدولاً للفوارق الصارخة التي يعتمدها القطب الأنثوي في مقابل القطب الذكوري، فالقطب الأنثوي هو عبارة عن كائن من طبيعته، حسب الرؤية الذكورية، أنه محسوس وملفوظ وتابع ومجسَّم، وهو وعاء، وهيولى أو مادة هي الأصل في الوجود، وهو كائن يميل إلى الزينة واللباس ويتصف بالافتقار· أما القطب الذكوري فإنه يتميز، وحسب الرؤية الذكورية أيضاً بأنه معقول، ويهتم بالمعنى وليس اللفظ، وهو مثال يريد أن يُتبع أبداً، كما أنه الروح مقابل الجسم الذي تتصف به الأنثى، وهو فاعل وليس وعاءً استقبالياً، وهو شكل أو صورة، وهو ممتلئ وليس مفتقراً·
وتحت عنوان 'حجاب المرأة قديما وحديثا: محاولة تفكيك وتحويل للأسئلة'، عمدت المؤلفة إلى التحقيق الفيلولوجي في جدول الكلمات التي تعني في القرآن الكريم حجاب المرأة، وهو حجاب كما سيتبين من التحقيق ليس واحداً إنما متعددا، وأن النساء المعنيات بالحجاب ليس صنفاً واحداً بل أصنافا· كذلك عمدت إلى الحديث عن الحجاب في المفاهيم التي لم ترد عادة في الخطاب التفسيري والمعياري المحيط بآيات الحجب المعروفة· ومن ثم الانتقال إلى مساءلة الأسئلة المعتادة بشأن الحجاب مثل: هل الحجاب فضيلة إسلامية أم لا؟ ما علاقة حجاب النساء بقيم المساواة والكرامة والحرية؟ وهل يعوق هذا الشيء، الآتي من عمق التاريخ، ومن عالم الحريم والمقصورات، هل يعوق مواطنة المرأة ومساهمتها في المجال العام، وهل يحول دون بناء المساواة بين الجنسين؟
وليس بعيداً عن هذا الموضوع بحث المؤلفة في إشكالية عنف التمييز ضد المرأة في العالم العربي· وفي هذا المجال وجدت رجاء بنت سلامة أن التمييز في حدِّ ذاته، هو عنف، أو بالأحرى نوع من العنف الأساسي، لأنه لا يستهدف ملكية الآخر بل يستهدف ماهية الآخر· كما أن التمييز هو عنف بنيوي هادئ ولكنه قد يؤسِّس ويبرر العنف المحتدم بمعنى الاعتداء على أجساد النساء· أما عن ثقافة التمييز فإنها باسم الدين تدعو إلى عودة النساء إلى القيام بأدوارهن النمطية التقليدية، وهو ما تمثله العبارة الشهيرة بأن مهمة المرأة هي بيتها وزوجها· كما أن ثقافة التمييز تجوهر الفوارق بين الرجل والمرأة وتلغي الثقافة والتاريخ إلى حد تشبه ثنائية رجل / امرأة، ويتم استخدام ذلك لغاية سياسية هي اعتبار عمل المرأة خارج البيت هو أمر مخالف لنظام الكون· ومن هنا ترى رجاء أنه من الضروري ترسيخ ثقافة المواطنة في الممارسات الخطابية والسياسية في النفوس والأفئدة، وفي عقول أطفالنا الصغار، فالثقافة أيضا لا تحب الفراغ حيثُ تغيب المواطنة والمساواة والديمقراطية، وتحضر صور الفحولة المطمئنة الخادعة، صور الذكر المتغلب المخلص أو الأب الأوحد الحامي، أو الزعيم الموزِّع لأوهام القوة والغلبة· فيصعب على النفوس قبول صور ما زالت باعثة على القلق: صور المرأة ـ المواطنة، المرأة غير ـ المحجوبة، المرأة ـ الرئيسة·
الأنوار والحداثة
أما المبحث الأخير في الكتاب فقد تناول العلاقة بين الحداثة والحداد، وعادت في فهم الحداثة إلى مفهوم الفيلسوف الألماني إمانويل كانط الذي رأى في مقالته الشهيرة (ما الأنوار؟) أن الأنوار هي خروج الإنسان من حالة القصور التي هو نفسه مسؤول عنها، قصور: أي عجز عن استخدام الإنسان لملكة الفهم التي لديه من دون وصاية الآخرين· وبذلك اعتبرت المؤلفة الحداثة أنها: حركة خروج، واقتلاع للنفس من وضعية سابقة· وهذا يعني أن الإنسان هو قيمة في حدِّ ذاته وليس في حدود أخرى· وتساءلت المؤلفة إلى أي حدٍّ عرَّف العرب الحداثة بأنها خروج من وضعية قصور أو حداد؟
وفي هذا السياق رأت الباحثة التونسية بأن الحداثة العربية الإسلامية كان يمكن لها أن تلجأ إلى نسخ الشريعة، سيما وأن فكرة النسخ ليست غريبة عن الثقافة الإسلامية· وقد تطرقت الباحثة إلى جملة من المنجزات الفكرية التي صبَّت في مجال تحرير المرأة، وتحدثت عن مؤلفات مهمة صدرت وصودرت في الفضاء الفكري العربي مطلع القرن العشرين، وأشارت في هذا المجال إلى تجربة المفكر العربي المصري فهمي منصور صاحب كتاب: (أحوال المرأة في الإسلام) الذي كان عبارة عن أطروحة دكتوراه في السوربون عام 1913 وما أن عاد منصور إلى القاهرة حتى تم قمعه لأن أفكاره حول المرأة العربية كانت جذرية في حداثتها· كذلك تحدَّثت المرأة عن كتاب المفكِّر العراقي الراحل علي الوردي (هكذا قتلوا قرة العين!)، وقرة العين (1814 ـ 1852) هي فاطمة برقاني التي اعتنقت الدعوة البابية، وأخذت تدعو فيما بين إيران والعراق إلى نسخ الشريعة الإسلامية· وفي ضوء ذلك وجدت المؤلفة إن هذه العينات الحداثية أصبحت مهمشة أو منسية أو مستفظعة راهنا·
الكتاب: بنيان الفحولة/ أبحاث في المذكر والمؤنث·
المؤلفة: رجاء بنت سلامة/ باحثة تونسية·
الناشر: دار بترا للنشر والتوزيع، دمشق ·2006

اقرأ أيضا