الاتحاد

دنيا

ميونيخ ··· فيلم أميركي أغضب إسرائيل

شارون انتقد العمل على الملأ ووصفه بالفيلم السخيف
؟ الفيلم يكشف حقيقة قيام المخابرات الإسرائيلية بقتل الرياضيين الإسرائيليين والفدائيين الفلسطينيين في مطار ميونيخ
أحمد إبراهيم:
تتواصل ردود الفعل الساخنة والملتهبة على الساحة السينمائية الإسرائيلية، بعد عرض الفيلم الأميركي 'ميونيخ' للمخرج العالمي ستيفن سبيلبرج والذي يتناول ولأول مرة تفاصيل عملية ميونيخ التي قام فيها ثمانية من الفدائيين الفلسطينيين التابعين لمنظمة' أيلول الأسود' باختطاف 11 رياضيا إسرائيليا إبان دورة الألعاب الأولمبية العالمية عام 1972 وقتل 2 منهم قبل أن يتم قتل جميع هؤلاء الرياضيين بالإضافة إلى خمسة من الفدائيين في مطار ميونيخ ، وهي العملية التي تمثل بقعة سوداء في السجلات الأمنية الإسرائيلية ودليلا على العجز الإسرائيلي في مواجهة الفلسطينيين الذين استطاعوا اختراق الحصار الأمني المفروض على الرياضيين بل واختطافهم بهذه الطريقة أمام العالم ثم العجز عن إنقاذهم في النهاية على الرغم من إشراف العديد من القادة الأمنيين الإسرائيليين على هذه العملية بداية من رئيس الموساد تسفي زاميرا ورئيسة الوزراء الراحلة جولدا مائير·
والمعروف أن هذه العملية أثارت ردود فعل واسعة النطاق في العالم كله خاصة بعد قيام إسرائيل بالترويج لهذه العملية وكأنها دليل على التعامل الإرهابي العربي المتواصل مع الإسرائيليين ، وهو التعامل الذي دفع بالإسرائيليين إلى المطالبة بنصب تذكاري لهؤلاء الرياضيين والمطالبة بإحياء ذكراهم في العالم كله ، ولكن مادامت العملية كذلك فما الذي يغضب الإسرائيليين من هذا الفيلم؟ وما الذي يدفع رئيس الوزراء ارييل شارون نفسه بالتعليق على هذا العمل الدرامي بل وانتقاده على الملأ ووصفه بالفيلم السخيف ؟
قصة الفيلم
الإجابة على هذا التساؤل تتضح من خلال قصة الفيلم الذي اعتمد في حبكته الدرامية على ما كشفه أحد ضباط الموساد ويدعى يوفال أفيف في مذكراته الشخصية عن هذه العملية حيث يكشف تفاصيل خطة الانتقام التي حاكتها المخابرات الإسرائيلية للتخلص من كافة القادة الفلسطينيين في كل أنحاء أوروبا ممن قاموا بالتخطيط لـ'عملية ميونيخ' واختطاف الرياضيين الإسرائيليين عارضاً أدق التفاصيل التي استخدمتها إسرائيل للتخلص من هؤلاء القادة بل وعائلاتهم بلا رحمة ·وكانت إسرائيل قد حظرت تداول مذكرات أفيف وهددت باعتقاله أكثر من مرة بتهمة إفشاء أسرار عسكرية تعرض أمنها للخطر، وهو ما اضطره للهجرة من تل أبيب والتوجه إلى أوروبا مع عدد من أفراد عائلته هناك·
المفاجأة المدوية
ويكشف الفيلم وبناءً على هذه المذكرات المفاجأة المدوية التي لا يعرفها الكثيرون في العالم وهي أن ضباط المخابرات والأجهزة الأمنية الإسرائيلية هم الذين قاموا بقتل الرياضيين الإسرائيليين والفدائيين الفلسطينيين في مطار ميونيخ ، حيث عمدت إسرائيل إلى الانتقام من هؤلاء الخاطفين حتى ولو كان الثمن هو قتل المختطفين أنفسهم حيث انتهز قناصة المخابرات الإسرائيلية فرصة وصول الحافلة التي تقل الخاطفين الإسرائيليين والمختطفين الفلسطينيين لقتل كل من بالحافلة ، الأمر الذي يعكس الجرم الذي قام به كبار المسؤولين الإسرائيليين ضد الخاطفين والمختطفين على حد سواء·
ويلقي الفيلم الضوء أيضاً على النشطاء الفلسطينيين الثلاثة الآخرين الذين نجوا من الموت بعد هذه العملية وكانوا من الخاطفين وكيف تم اعتقالهم ثم الإفراج عنهم بعد ذلك في أكتوبر عام 1972 بعد اختطاف طائرة ركاب ألمانية ومقايضتهم بها ونقلهم إلى ليبيا ومن هناك إلى دمشق واختفاء أثرهم بعد ذلك·
بالإضافة إلى التطرق للتاريخ الدموي لكبار القادة الإسرائيليين الذين شاركوا في عملية الانتقام من الفدائيين الفلسطينيين وهم شموليك جورين وباروخ كوهين وتصادوق أوفير ورافي سيتون وجايزي تسفرير وآخرين ·
ويتطرق الفيلم لتفاصيل الانتقام من الناشطين الفلسطينيين بداية من حسن سلامه المسؤول في حركة فتح وأحد المؤسسين لجماعة أيلول الأسود والذي اغتيل في النرويج بعد تفخيخ سيارته في يناير عام ،1979 ومحمود الهمشري مسؤول منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا ، وباسل القبيسي أستاذ القانون الفلسطيني الشهير الذي قتل في فرنسا، بجانب المناضل الجزائري والفنان اللامع محمد بو دييه الذي كان بمثابة رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية في أوروبا·
والأهم من ذلك كله اغتيال الأديب الكبير غسان كنفاني الذي كان أحد أبرز المناضلين الفلسطينيين وواحدا من أبرز أدبائهم في نفس الوقت ، غير أن المأساة الحقيقية التي تتجلى هنا تتمثل في اغتيال 49 مدنيا أوروبيا وعربيا أبرياء عند قيام الموساد الإسرائيلي بتصفية هؤلاء المناضلين ، الأمر الذي جعل هذا الفيلم يمثل صداعا حادا في رأس إسرائيل حتى وقبل أن يعرض على الجماهير ·
ودفعت قصة الفيلم العشرات من رجال الدين والحاخامات اليهود لانتقاده حتى أن الحاخام 'مناحيم منور' نائب رئيس هيئة السنهدرين العليا - التي تمثل المركز الديني الأول لدى اليهود- طالب بضرورة إنزال ما اسماه بـ'العقاب المقدس' على كل من شارك في هذا الفيلم ، وهو العقاب الذي يرتكز على حرق أبطاله أحياء خاصة وأنه يحاول تشويه عمل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي لا تحمي فقط الإسرائيليين بل واليهود في مختلف أنحاء العالم·
المثير أن منور طالب باعتبار من قاموا بالتمثيل في الفيلم وهم الممثل العالمي ايريك بانا الذي يجسد دور قائد فريق الاغتيالات من جهاز الموساد والممثل الاسترالي جيفري راش ، والممثل البريطاني دانييل كريج أشخاصا معادين للسامية ، مناشداً أدوار السينما العالمية بمقاطعة أي عمل يقوم به هؤلاء الفنانون ·
تاريخ أسود
اللافت أن هذا الفيلم وبردود الأفعال التي أثارها في إسرائيل فانه يكشف عن التاريخ الأسود لإسرائيل مع السينما العالمية، وهو التاريخ الذي بات واضحاً في ظل هذه الأزمة التي تصاعدت أخيراً أيضاً بين مغني البوب الأميركي الشهير مايكل جاكسون وإسرائيل ، بعد الانتقادات التي وجهها جاكسون لليهود واتهامه إياهم بأنهم المتحكمون في كل كبيرة وصغيرة تتعلق بالفن العالمي ، مطالباً بضرورة الوقوف في وجه ما اسماه بـ'سيطرة اليهود' على السينما العالمية والأفكار الدرامية المرتبطة بها ، الأمر الذي دفع العديد من القوى اليهودية إلى توجيه الانتقادات الحادة لجاكسون ووصفه بأسوأ الألفاظ مطالبين بطرده من الولايات المتحدة ووقف بيع ألبوماته الغنائية في العالم ·
بجانب الانتقادات التي تعرض لها أخيراً فيلم 'أحضروا زوكر' الذي يسخر من اليهود والذي فاز أخيراً بجائزة ألمانيا السينمائية ، وهي الجائزة التي تعادل في قيمتها جائزة الأوسكار في هوليوود وجوائز بافتا البريطانية والذي فاز بقصة أحسن فيلم وممثل وأفضل مخرج وسيناريو·
المثير أن جبسون ونتيجة لهذه الانتقادات الحادة التي وجهت إليه يقوم حالياً بالإعداد لإنتاج فيلم ' فلوري' الذي يحكي قصة حقيقية لامرأة يهودية تدعى فلوري تعيش مع زوجها فيليكس فان بيك في هولندا إبان الحرب العالمية الثانية ويحاولون الهرب من أوروبا نتيجة لبطش الألمان باليهود في أوروبا وينجحون في النهاية في الوصول إلى الولايات المتحدة التي مازالت تعيش فيها حتى الآن·
ويعرض الفيلم قصة هروب 'فلوري' وزوجها عارضين العديد من المآسي التي تعرض لها اليهود على يد الألمان وقصص التعذيب في المعسكرات النازية التي تعرضوا لها·
ومن المنتظر أن يركز الفيلم وبصورة أساسية على عمليات التعذيب التي تعرض لها اليهود في المعسكرات الألمانية بصورة لم يسبق لها من قبل حيث يعنى بشرح المآسي الشخصية لأغلب المعتقلين اليهود بعناية وتركيز· ويعرض الفيلم جزءا من الفترة الزمنية التي يزعم فيها اليهود أنهم تعرضوا خلالها للاضطهاد من النازيين في بولندا بداية من عام 1939 حتى عام 1945 حيث كانت حملة هتلر ضدهم ·وبالتالي يعكس هذا الهجوم الإسرائيلي الضاري على فيلم ميونيخ العنصرية 'الفنية' المسيطرة على تل أبيب ، وهي العنصرية التي لا تسمح بالرأي الآخر في الوجود ، الأمر الذي يكشف الكذب المسيطر على الكيان الصهيوني الذي يدعي أنه يقبل بالنقد والآراء المتعددة وأنه بمثابة واحة للديمقراطية في المنطقة·

اقرأ أيضا