الاتحاد

دنيا

الوسواس القهري·· حكايات أغرب من الخيال

محمد صلاح الدين:
أغلق باب منزله وتوجه إلى سيارته، أدار مفتاح السيارة، شرد قليلا كأنما يفكر في شيء ما، يبدو انه لم يغلق موقد الغاز، الحمد لله انه تذكر في الوقت المناسب، عاد إلى البيت ليكشف أن موقد الغاز مغلق ويتذكر انه لم يستخدمه أصلا· رجع صاحبنا إلى سيارته، أدار مفتاحها ثم أوقفها مرة ثانية بعد شرود قصير، لقد نسي إغلاق باب الشقة بالمفتاح، عاد إلى الباب ليكتشف انه مغلق بالفعل· تكرر المشهد بنفس التفاصيل مرات ومرات، التليفزيون، صنابير المياه، نافذة المطبخ، والكثير من الأشياء الأخرى··· أكثر من ساعة كاملة قضاها في الذهاب والإياب من وإلى سيارته، إلى ومن منزله· أخيرا انطلق بالسيارة ليصل الى المركز التجاري· وهناك تذكر انه لم يغلق موقد الغاز، كارثة، سيحترق الطعام وتشتعل النيران، عاد كالمجنون بسيارته، كسر الإشارة، فتح باب شقته بسرعة ليكتشف أن موقد الغاز مغلق· هذه ليست قصة عبثية بل واقعة حقيقية تجسد حالة من حالات اضطراب الشخصية، هي قصة إنسان يعاني من الوسواس القهري، والحديث عن الوسواس القهري طويل وحافل بالمواقف الغريبة التي لا تخلو من طرافة مؤلمة·
الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسي يعرض لنا المزيد من النماذج الغريبة التي تعكس حالة الوسواس القهري وتقرب مفهومها من الأذهان يقول على لسان أحد المرضى: أنا إنسان متعلم، وأعرف أن ما سأقوله مجرد 'تخريف'، ولكن ما حيلتي؟، أنا عاجز عن السيطرة على هذه الفكرة التي تطاردني وتنغص حياتي· الفكرة التي تسيطر على هي أنه لو أن إحدى شقيقاتي جلست في مكان كنت أجلس فيه أو لمست أي شيء كان في يدي فإنها ستصبح حاملا في جنين مني، أصبحت أعيش في حالة رعب، افتعلت معهن خلافات عديدة حتى أخاصمهن ولا أصافحهن وأمنعهن من غسل ملابسي أو لمس أشيائي، اعتقدت انه بعد مغادرة البيت ستختفي هذه الفكرة السخيفة المسيطرة علي، ولكنها عاودتني بشأن زميلاتي في العمل، وأصبح ضميري يؤنبني خشية أن تصبح إحداهن حاملا بسببي· الغريب أنني أعرف أن هذا الحمل المزعوم لن يحدث أبدا ولكن الفكرة تسيطر علي وكأنها حقيقة علمية مؤكدة··· والمسيطر علي الآن هو انه بما أنني تركت منزلي حرصا على شقيقاتي فمن الواجب أن اترك عملي حرصا على زميلاتي، أعرف أن ذلك هو الجنون بعينه ولكن لا أستطيع مقاومته'·
قصة أخرى لا تقل غرابة، يقول الشاب الذي حصل على أعلى درجات التعليم: أحيانا أتصور أنني إنسان جاهل وتافه بل ومتخلف عقليا، مشكلتي بدأت بعد زواجي مباشرة، فأنا إذا قرأت كلمة طلاق في صحيفة أو مجلة، يساورني خاطر أنني نطقت هذه الكلمة بلساني مع أن هذا لم يحدث، وأعتقد أنني طلقت زوجتي، وأن معاشرتها أصبحت حراما، وأهرع إلى رجال الدين، ويؤكدون لي أن موقفي هذا غير سليم واقتنع حتى أتعرض مرة أخرى لهذه الكلمة سواء مكتوبة أو إذا سمعتها من أحد وحتى لو سمعتها على لسان ممثل في فيلم أو مسلسل، تداهمني نفس الفكرة، فكرة أنني طلقت زوجتي·
ما الذي يحدث· الأمر يبدو شديد الغرابة، فالمريض يعرف أن أفكاره المسيطرة عليه سخيفة ولا تتجاوز حدود التخاريف، ومع ذلك لا يستطيع مقاومة تأثيرها عليه·· الطب النفسي يقدم لنا التفسير وهو ما نطالعه في الحلقة المقبلة من العيادة النفسية بإذن الله·

اقرأ أيضا