الاتحاد

دنيا

ترقيع الشرايين··· والاختيار الصعب


صلاح الحفناوي:
صدق أو لا تصدق، ولكنها الحقيقة الغريبة العجيبة، جراحات القلب أصبحت 'موديلات' تواكب خطوط الـ'موضة'·· وصدق أو لا تصدق، مريض القلب يشترط على طبيبه المعالج أن يجري له الجراحة بالطريقة التي يختارها هو، وليس مستبعدا أن يأتي اليوم الذي يطرح فيه الجراح على المريض السؤال التالي قبل أن يقوده إلى غرفة العمليات: 'نابض ولا صناعي'·
قبل سنوات قليلة كان المريض لا يشغل باله بنوع أو طبيعة التدخل الجراحي لإصلاح شرايين قلبه، لم يكن يقلقه أو يثير اهتمامه أن تؤخذ الرقع الشريانية من وريد الساق أو شريان الثدي أو المعدة، لم يكن يفكر إلا في التخلص من عذاب القلب المتعب وذبحات الصدر المؤلمة· والآن اختلفت الصورة تماما بعد أن انتشرت الاعلانات التجارية التي تروج لأسلوب جراحي دون غيره أو على حساب غيره·· ليقع المريض في حيرة ويتساءل في دهشة 'نابض ولا صناعي'·
تساؤل حائر يطرحه كل من يستعد لإجراء جراحة ترقيع شرايين القلب، أيهما أفضل، جراحة القلب النابض أم جراحة القلب التقليدية؟، هذا السؤال له قصة لا تقل غرابة بدأت تفاصيلها قبل سنوات قليلة، فقد نشر احد الأطباء بالقاهرة إعلانا مدفوع الأجر حول قيامه بإجراء عمليات ترقيع الشرايين باستخدام تقنية القلب النابض، وذكر أن الجراحات التقليدية التي يستخدم فيها القلب الصناعي تسبب مضاعفات خطيرة مثل الجلطات الدماغية، وإصابة المرضى بالذعر، ورفض معظم المرضى إجراء الجراحات المقررة لهم ما لم تتم بطريقة القلب النابض، وفشل الأطباء في إقناعهم بأن هذه التقنية لا تصلح لكل الحالات وان لها عيوب كما أن لها مميزات··· تطورت المشكلة، وقام فريق من جراحي القلب بالرد على الإعلان المثير للبلبلة، وبين الرد والرد المضاد وقف المرضى حائرون·
أين الحقيقة، أيهما أفضل، ترقيع الشرايين التاجية باستخدام تقنية جراحة القلب النابض، أم الجراحة العادية باستخدام ماكينة القلب الصناعي؟، وما هو المقصود بجراحة القلب النابض؟، ولماذا كل هذا الجدل حول الأساليب الجراحية المختلفة رغم أنه من البديهي أن يختار الجراح لمريضه أفضل الحلول الجراحية التي تناسبه··· تساؤلات عديدة طرحناها على الأستاذ الدكتور يحيى بلبع أستاذ جراحة القلب والصدر بكلية طب قصر العيني ورئيس قسم جراحات القلب المفتوح في مستشفى دار الفؤاد·
يستهل الدكتور بلبع رده على تساؤلاتنا بالتأكيد على أن الحديث عن تقنيات جراحة القلب بهذه الطريقة 'التجارية' غير علمي وغير أخلاقي أيضا، لأنه يدخل المرضى في دوامة مشاعر الخوف والقلق ويدفعهم إلى اتخاذ قرارات قد لا تكون في صالحهم، وربما يتراجع بعضهم عن العلاج الجراحي رغم خطورة ذلك على حالته·
بدايات نابضة
الحقيقة التي لا يعلمها الكثيرون هو أن جراحات شرايين القلب، بل وكل جراحات القلب بدأت في بداياتها الأولى على القلب النابض، عندما لم تكن هناك ماكينات للقلب والرئة ولا سوائل لإيقاف عضلة القلب، فالحديث عن جراحات القلب النابض ليس جديدا ولكن الجديد هو اكتشاف وتطوير أدوات تساعد على إيقاف حركة جزء القلب الذي تجري فيه عملية الترقيع، فيما يبقى باقي القلب نابضا·
والحقيقة الثانية هي أن جراحات القلب المفتوح التي تتم بعد تحويل الدورة الدموية إلى ماكينة القلب والرئة هي السائدة في العالم وهي التي ساهمت في تطور جراحات القلب بشكل عام وهي التي بلغت نسب نجاحها أكثر من 99 ونصف بالمائة في المراكز المتقدمة في العالم حيث لا تتجاوز نسب الوفاة من جراحات القلب بهذه الطريقة 4 وفيات في الألف، والحقيقة الثالثة والأكثر أهمية أن لكل من التقنيتين مزاياها وعيوبها، وان ما يصلح لمريض قد لا يصلح لآخر وان حالة المريض وسنه وعدد الشرايين التي تحتاج إلى ترقيع ومواقعها على القلب هي التي تحدد أفضل طريقة للتدخل الجراحي سواء بالقلب النابض أو غير النابض، وأخيرا فإنه من مصلحة الجراح أن يقدم أفضل ما عنده لمريضه، لان النجاح ينسب إليه ويرفع من مكانته العلمية، والفشل أو الإخفاق يؤثر على حياته العملية·
نعود الى السؤال حول أيهما أفضل، ونبدأ بجراحات القلب النابض، هذه الطريقة لها مميزات ولها عيوب أيضا، ومن أهم مميزاتها أنها لا تتطلب إيقاف عضلة القلب ولا الاستعانة بماكينة القلب والرئة، وبدون شك فإن ماكينة القلب والرئة مهما كانت كفاءتها لن تكون مثل القلب الطبيعي، أما بالنسبة لكونها توفر وقاية من احتمالات الإصابة بالجلطات الدماغية فما يهمنا هنا أن نوضح أن هذا النوع من المضاعفات نادر جدا وليس شائعا، وانه لا توجد حتى الآن دراسات كافية لتقييم الفارق الإحصائي بين جراحات القلب النابض والجراحات التقليدية فيما يتعلق بهذا النوع من المضاعفات·
ومن عيوب جراحات القلب النابض صعوبة الوصول الى الشرايين الخلفية من دون حدوث هبوط في ضغط الدم، وأنها تستخدم في إصلاح بعض الشرايين الرئيسية وليس كل الشرايين مما يعني أن العلاج لا يكون كاملا إلا في الحالات التي يعاني فيها المريض من تضيق عدد محدود جدا من الشرايين، أي أن عملية الإصلاح في جراحات القلب النابض تكون في الغالب جزئية وتهدف إلى الوصول بالمريض إلى القدر الذي يستطيع معه ممارسة حياة اقرب إلى الطبيعية·
عوامل الاختيار
يضيف الدكتور يحيى بلبع: جراحات القلب غير النابض أيضا لها مميزاتها وعيوبها، وقد أشرنا إلى أهم عيوبها وربما عيبها الوحيد وهو تحويل الدورة الدموية إلى خارج الجسم أي إلى ماكينة القلب والرئة، وفي المقابل فإنها تكون أدق وأكثر فاعلية في إصلاح جميع الشرايين المتضيقة أو المسدودة·
ولذلك فإن الجراح وحده هو القادر على تقدير الأفضل للمريض في ضوء عوامل عديدة مثل عمره وحالته وعدد الشرايين المسدودة، مثلا مريض في الخامسة والستين أو السبعين من العمر وحالته الصحية العامة متدهورة، في مثل حالة هذا المريض يكون إصلاح بعض الشرايين الرئيسية له باستخدام جراحة القلب النابض كافيا لتمكينه من حياة طبيعية بالنسبة لسنه واحتياجاته المعيشية، وبشكل عام فإنه في المراكز القلبية المتقدمة تجري ثلث جراحات الشرايين باستخدام تقنية القلب النابض والثلثان باستخدام التقنية العادية· وهو ما يؤكد حقيقة أن الاختيار يعتمد على حالة المريض وطبيعة الجراحة وليس على تفوق نوع على الآخر·
ويبدو أن الانشغال بتقييم تقنية القلب النابض ومقارنة نتائجها بنتائج الجراحات التقليدية ليس فقط شأنا عربيا·· مع فارق مهم وهو انهم في الدول المتقدمة طبيا يتعاملون مع مثل هذه القضايا بمنطق العلم ويتحدثون بلغة الأبحاث والدراسات·· وقد انتهت العديد من الدراسات إلى تأكيد ما قاله الدكتور بلبع خلال المحاورة·· وإلى أن الحديث عن فوائد جراحات القلب النابض كان إلى حد كبير حافلا بالمبالغة وغير دقيق في مناسبات عديدة·
فقد أشارت دراسة نشرت في دورية نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن الطبية إلى أن 'تقنية جديدة مثيرة للجدل تستخدم في عمليات القلب المفتوح لتجنب المضاعفات الناجمة عن وضع المريض على أجهزة إعاشة تقوم بعمل الرئتين والقلب ربما لا تكون أفضل من الجراحة التقليدية'·
ووجد الأطباء في لندن أنه عند استخدام الطريقة الأحدث 'القلب النابض' في جراحات تغيير شرايين القلب يحدث انسداد كامل لـ12% من الأوعية التاجية التي تم إصلاحها بعد ثلاثة أشهر من الجراحة مقارنة بانسداد 2% فقط في الجراحات التقليدية·
لكن الأطباء وجدوا أيضا أن جراحة القلب دون الاستعانة بأجهزة الإعاشة أو ما تسمى بجراحة القلب النابض والتي بدأ العمل بها منذ أقل من عقد هي على نفس القدر من الأمان الذي تتسم به الجراحة التقليدية، كما أنها لا تنطوي إلا على القليل جدا من الضرر للقلب· واستعانت الدراسة بـ 54 متطوعا ممن خضعوا عشوائيا لجراحة تغيير الشرايين دون استخدام أجهزة الإعاشة حيث سمح للقلب بالاستمرار في النبض مع عدم السماح له بالحركة من خلال ماسكة خاصة مزودة بكاسات للشفط·
وخضع 50 متطوعا آخرين من المرضى للجراحة التقليدية حيث تسمح أجهزة الإعاشة التي تقوم بعمل القلب والرئتين للأطباء بأن يوقفوا القلب تماما عن العمل في الوقت الذي يقومون فيه بعملية تغيير وترقيع الشرايين الدقيقة·· وانتهت التجربة التي نشرت تفاصيلها على موقع 'بي بي سي' إلى أن جراحة القلب النابض 'ربما لا تكون مفيدة بالقدر الذي كان يأمله أنصارها'·

اقرأ أيضا