الاتحاد

دنيا

الخزف الفلسطيني··· ذاكرة الناس والبلاد

حوار وتصوير - موزة خميس:
أكثر ما أدهشني في لقائي مع بائع الخزف الفلسطيني عمار النتشة سعة معرفته واطلاعه على قصة الخزف عبر التاريخ، وغزارة ما يمتلكه حولها من معلومات، ناهيك عن قدرته على تمييز الخزف وأنواعه وإلمامه بطريقة صناعته، ولا غرو، فعائلته توارثت هذه الصناعة منذ مئات السنين، هنا رحلة معه في عالم الخزف الذي يعتبر معلماً من معالم الصناعات الحرفية في فلسطين، ويستقطب السياح من مشارق الأرض ومغاربها، ويحملونه معهم كذكرى من الأرض المقدسة لدى زيارتهم لها·
يقول عمار النتشة عن قصة الخزف: أخذت مصر في أيام الفاطميين تصنع أواني الخزف على غرار الخزف الصيني ابتداء من الخزف الصيني الأخضر، ثم الأزرق والأبيض، وقد فعلت ذلك من حيث الأشكال والتصاميم أولا، ثم شكلت المميزات الخاصة بها تدريجيا، وبلغت مصر مستوى عاليا جدا في صناعة الخزف في غضون النصف الأول من القرن الحادي عشر، حيث كانت الخزفيات في غاية الجمال والشفافية، حتى إن المرء يستطيع أن يرى يده من ورائها، وبسقوط دولة الخلافة الأموية، وانتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد حدثت نقطة تحول كبرى في الفنون الإسلامية، فقد انتقلت من التأثر بالتقاليد الفنية الكلاسيكية الغربية، لصالح الانفتاح على الفنون الشرقية الآسيوية، وبالذات الأساليب الفنية الساسانية·
يتابع النتشة: إن الضعف الذي أصاب الخلافة العباسية في القرن التاسع الميلادي، أدى إلى قيام بعض أجزائها بالاستقلال عنها سياسيا، فأقام الأغالبة دولتهم المستقلة في تونس، وأسس البويهيون دويلات مستقلة في العراق وشرق إيران وبلاد ما وراء النهر، وكان من الطبيعي، أن يؤدي الاستقلال السياسي الى استقلال في الاساليب الفنية، تبعا لإحياء التقاليد القومية، في كل دولة، فتم إحياء التقاليد القومية الساسانية وانتعشت التقاليد التركية في مصر·
كل تلك المعطيات كان لا بد أن تنعكس على فن الخزف، الذي انتشر في العصر العباسي في كل أقطار العالم الاسلامي، واشتهرت بصناعتة مدن كثيرة وظهر من انواعه الخزف غير اللامع في مصر وسوريا والعراق وفلسطين، والخزف ذي البريق المعدني والخزف البارز وكذلك المحزوز والزخارف بطلائها الرصاصي، واشتهر خزافو الدولة الفاطمية بانتاج افخر أنواع الخزف، وببدائع الزخارف التي حملها·
خزف الخليل
يكمل عمار: يعتبر الخزف من أفضل ما أنتجت مدينة الخليل في فلسطين المحتلة، ويصنع عادة من عجينة ملونة يتم تغطيتها بطلاء قصديري معتم، لترسم الزخارف فوقه بألوان مختلفة من ازرق واسود واخضر واحمر، وقد بدأت أسرتي فنون الخزف منذ ما يقارب من 400 سنة، ويوجد فن الخزف في كل بيت في الخليل خاصة وفي فلسطين بشكل عام، فالكل يحرص على الحصول على إناء أو وعاء من الخزف، أو حتى لوحة تذكارية صغيرة، والبعض الآخر أدخل الخزف كجداريات تزين الغرف وباحات البيوت والأبواب الخارجية، وهؤلاء طبعا من الطبقة الثرية لأن الخزفيات باهظة الثمن نظرا لكونها لا تزال تنتج باليد وتوضع الرسوم والنقوش بالرسم اليدوي بواسطة النقاشين والفنانين، وكافة النقوش تعكس البيئة والتراث الفلسطيني·
المصنع متخصص بالخزف أو الفخار المصنوع من الطين والذي يرسم عليه أشكال جميلة، وطريقة العمل تعتمد على تحضير الطين وضغطه على جهاز خاص ثم وضعه في الفرن لست ساعات ثم يبقى يوماً حتى يبرد ويرسم عليه ثم يوضع في الفرن مرة أخرى وبعدها يكون جاهزا·
الانتفاضة والخزف
اعتمدت هذه الصناعة على السياح الأجانب والأسواق الأسرائيلية ومنذ بداية الانتفاضة تغيرت الأحوال، حيث لا يوجد سياح والطرق إلى إسرائيل مغلقة، والشاحنات بحاجة إلى تصاريح خاصة لنقل البضائع مما أدى إلى ارتفاع أسعار النقل، وكان على غرفة تجارة الخليل أن تجد أسواقا جديدة لتوزيع المنتجات فجاء الحل باستخدام شبكة الانترنت حيث استفاد المصنع من هذه الشبكة في الإعلان عن مصنوعاته الخزفية ومراسلة بعض الجهات التي تهتم بالتحف والأعمال الفنية اليدوية من خلال إنشائه صفحة خاصة على الانترنت، وكانت النتائج جيدة حيث وصلت المصنع طلبات كثيرة من أوروبا مما زاد فرص التصدير بشكل كبير وتحسن إنتاج المصنع، فإن لم يصل الزبائن لنا بسبب الحواجز فنحن نذهب لهم خاصة وأن الأوروبيون يحبون الخزف والزجاج الخليلي·
صناعة الخزف والزجاج ما زالت من الصناعات التراثية المهمة في فلسطين، ولكن إذا ما نجح التسويق عبر الانترنت وتم استخدام أساليب التسويق الحديثة فإن هذه الصناعة بلا شك ستساعد الإنتاج القومي الفلسطيني، ومحافظة الخليل وحدها تنتج ثلث الانتاج القومي الفلسطيني، فهي مدينة تهتم بالصناعة حتى إن كانت تراثية كالخزف والزجاج·
أسرار الخزف
ويشير عماد إلى أن المادة التي يصنع منها الخزف تستخرج من نوع خاص من صخور الجبال يتميز بسرعة ذوبانه في الماء بعد أن يجفف، فلا يمكن أن يذوب بعد استخراجه مباشرة إذ أنه يكون نديا فيعرض لأشعة الشمس حتى يجف ثم يغمر في الماء، ويتسلق الفخاريون الجبال باحثين عن هذه الأماكن، وإذا ما اشتبه عليهم الأمر في نوعية الصخور فإنهم يخضعونها للمعامل الذي يكشف عن نوعيتها تماما، وهناك مناجم لاستخراج الطينه الفخارية التي يصل طولها في بعض الأحيان إلى أكثر من 15 مترا في جوف الجبل، وتختبر الطينة بعرضها على النار بعد صناعتها لتجف·
والطين الذى يصنع منه الفخار أنواع فهناك الأحمر الذي أصبح فخارا بعد حرقه بالنار (القمائن) ويصنع منه الفخار المسامي وغير المسامي و بعدة ألوان وأشكال وذلك باستخدام الدولاب الذي يشكل الحرفي الطين فوقه بيديه ورجليه بإدارة عجلته، وتسمى هذه العملية بعملية الفخر، وكان الفخار يجفف في الهواء والشمس ثم يتم إحراقه بطريقة تهوية والتحكم في الهواء ليعطي اللون الأحمر أو الأسود حسب مادة الطين·
يزين بعد ذلك بالصقل قبل الحرق أو بعده، ثم يلون بأكاسيد المعادن، ويحرص العاملون على حفظه بعيدا عن الماء وخصوصا الأمطار المتوقعة لئلا يتلف، ويمتاز هذا اللبن الخزفي بالمتانة والقدرة على البقاء مئات بل آلاف السنين، إذ لا تؤثر فيه عوامل التعرية، ويستخدم الآن في الأفران الخاصة المصنوعة من الكهرباء التي تعطى درجات حرارة مطلوبة وعالية·
ملاحظات هامة
الفسطاط كانت أهم مراكز صناعة الخزف من النوع ذو البريق المعدني، وسجل خزافو الدولة الفاطمية كذلك لحظات هامة في تاريخ صناعتهم، منها على سبيل المثال، تثبيت توقيعات الصناع على منتجاتهم الخزفية، وشهد القرن الثاني عشر سقوط الدول الفاطمية في مصر على يد الأيوبيين، الذين استنكفوا عن مظاهر الترف ومقتضياته فانتقلت الصدارة في الفنون إلى الشرق الإسلامي الواقع تحت حكم السلاجقة الموالين للخلافة العباسية في بغداد وبهذا الانتقال، حدث تطور كبير في صناعة الأواني الخزفية وألوانها وأشكالها·
حواضر الخزف
بتعدد مراكز البلاط السلجوقي تعددت مراكز الخزف، فاشتملت على قائمة طويلة من المدن مثل الري وهمذان وقم وقاشان وسلطان آباد، وبدأ الخزفيون في ذلك الوقت نفسه بتدوين تاريخ صناعتهم على منتجاتهم، مما يعكس الإحساس والوعي بالقيمة الفنية، والفرادة التي انطوت عليها أعمالهم، وفي النصف الثاني من القرن الثاني عشر، ظهر الخزف ذو البريق المعدني في إيران والعراق، وكانت المصانع الشعبية في جهات متعددة من إيران تنتج الخزف 'الجيري' بلونيه البني الفاتح والأخضر الفاتح، والذي امتاز برسومه وزخارفه المحفورة والبارزة·
زعامة الخزف
ورثت مدينة الري زعامة الخزف من القاهرة فقد عرف عنها إنتاج الخزف ذي العجينة البيضاء، بجداره الرقيق وبزخارفه المرسومة بالحز والحفر والتخريم، مثلما عرفت بصناعة الخزف المجوف لدى تشكيله·
العربي أولاً
انتقلت صناعة الخزف الصيني إلى بلاد العرب في القرن الحادي عشر، وقام العرب بدورهم بنقلها إلى البندقية عام ،1470 ومنذ تلك الفترة بالذات بدأت أوروبا إنتاج الخزف الصيني، ولكنها ظلت تقبل على اقتناء الخزفيات العربية الصنع·

اقرأ أيضا