الاتحاد

دنيا

تنحني له الرؤوس

أبو أحمد:
الحلاق كاتم أسرار!
بيروت - عماد ملاح:
يقول المثل اللبناني: 'الاسكافي حافي والحايك عريان والحلاق ناكش شعرو'···
مقص الازمة الاقتصادية الحاد، دخل ايضاً الى صالونات الحلاقة، تلك المهنة التي اعتبرت في فترة من الفترات 'طليعية' بين المهن الحرة، لجهة كونها 'ربّيحة' ولا تحتاج الى كلفة او رأسمال كبيرين، فكانت جاذباً طبيعياً لجيل أقبل عليها بخبرة وتدريب، ودراسة ورغبة أكيدة بأن يكون مؤهلاً للحفاظ على رؤوس الناس·
لكن الحال تغيّرت وصارت تلك المهنة وكأنها 'مهنة الشباب' الذين لا مهنة لهم، تستقطب من عجز منهم عن أية رؤية واضحة، وترميه في مواجهة مرايا ومقص وزبون 'بدو قصة غير شكل'، ليغدو واقع المهنة في لبنان 'غير شكل' مع اكثر من عشرة آلاف صالون 'تفرّخ' يومياً في كل حي وزاروب، غالبيتها غير منضم الى نقابة (او بالاحرى الى احدى النقابات) الخاصة بالمزينين التي تعترف جداولها بـ 700 مزين فقط، فيما الباقون لا يرغبون بالانضمام، لأن واقع المهنة بات مزرياً في البلد، وربما لتوفير رسم الخمسة والثلاثين الف ليرة الذي يتوجب سنوياً على العضو النقابي دفعه، ولأن الدولة لا تساعد على تنظيم هذه المهنة، وانقاذها من الفوضى الغارقة فيها·
بين الامس واليوم، ما الذي تغيّر في ملامح مهنة الحلاقة؟ وهل باتت فعلياً اختصاص شباب اليوم العاطل عن العمل، بعدما كانت هذه المهنة في الماضي فناً وذوقاً لحلاقي أيام زمان؟
التفاصيل في التحقيق التالي:
؟ الحلاقة كانت فنا وذوقا ودراسة وباتت مهنة من لا مهنة له
؟ واقع المهنة بات مزرياً والدولة لا تساعد على تنظيمها وإنقاذها من الفوضى
؟ عدة الشغل: وجه بشوش وصدر رحب وابتسامة دائمة و فم بلا لسان
في الماضي كان الزبون يحرص على قص شعره مرة كل اسبوعين في ابسط الاحوال، حتى يبقى انيقاً بين الناس، وتضبيط شاربه يومياً لان المظهر مهم كثيراً، الآن اصبح الزبون يفضل قعدة البيت على الخروج وصرف المال، ويقص شعره مرة كل شهرين لانه ليس مضطراً!
مرت أيام كان الحلاق فيها طبيباً يعالج امراضاً هو الاقدر على علاجها، رغم التقدم الطبي الهائل، فوسائله تمتد جذورها الى الطب العربي القديم الذي كان مرجع أطباء الدنيا وان أصابه الانحسار·
صالون ابو احمد طوقان
صالون ابو احمد طوقان للرجال، لا يزال صاحبه يحافظ على ديكور حلاّق ايام زمان، من الكرسي 'العتيقة' التي يجلس عليها عشرة رجال ولا تهتز بسبب متانتها، الى البراد القديم ومنقل الفحم والاراكيل والصواني النحاسية وغالونات المياه، وصولاً الى الغاز الصغير لزوم العدة·
قال: تعلمت مهنة الحلاقة من والدي عادل طاهر طوقان منذ 55 سنة، وامتهنتها عن حب وشغف، لان الانسان ان لم يحب صنعته فلا يقدر ان ينجح بها·
؟ كيف تصف حلاق أيام زمان؟
؟؟ الحلاق القديم كان يركض وراء الفن والذوق قبل كل شيء، وليس كما هو حاصل اليوم من تسميات 'المودرن' و'الصرعات' في التصاميم الغريبة والعجيبة، حيث كل من حمل مقصاً صار مزيناً· والدي رحمه الله عليه كان يقصده كل اهالي بيروت، يأتون اليه من اجل مهارته في قص الشعر بالمشط والمقص فقط اضافة الى موسى الحلاقة·
؟ كم كان عمرك عندما بدأت المصلحة؟
؟؟ بدأت في سن العشرين ولا أزال مستمراً، ودوام العمل من الساعة العاشرة صباحاً وحتى العاشرة مساء·
؟ هل من صالونات اخرى في المنطقة؟
؟؟ في كل طريق الجديدة والمزرعة ومنطقة البربير، كان هناك حوالي العشرين صالوناً للحلاقة، الآن في كل زاروب تجد 20 محلاً، فالمهنة اصبحت مثل محلات السمانة والفراريج لان كل من حمل ماكينة صار يعتبر نفسه حلاقاً·
؟ نرى 'كوكتيل' من النراجيل في المحل ما سرّ وجودها؟
؟؟ 'ضحك'··· هذه تعود الى ان بعض الزبائن يفضلون شرب 'النرجيلة' لحين مجيء دورهم، اضافة الى قضاء بعض الوقت والتسلية مع فنجان شاي او قهوة·
ولا تنسى ان مباريات كرة القدم ونتائجها بين فريقي النجمة والانصار تلعب دوراً كبيراً في 'الثرثرة' وامضاء الوقت·
؟ ما هي قصة قناني المياه الموجودة بكثرة في المحل؟
؟؟ نستعملها للسيارات 'المقطوعة'، ولإرواء ظمأ الشباب الذين يلعبون رياضة كرة القدم وكرة السلة، فصالون طوقان كما قلت لك ملتقى لمؤيدي النجمة والانصار، وانا بطبعي 'نجماوي' حتى العظم·
؟ كم زبوناً تستقبل في اليوم؟
؟؟ ليس هناك من اعداد ثابتة، احياناً زبون زبونين··· واحياناً اخرى عشرة وذلك في المواسم والاعياد·
؟··· والاجرة؟
؟؟ والله لا أسأل··· ألفان، خمسة في بعض المرات هناك زبائن يحلقون واعطيهم أنا···
طار الشارب!
؟ هل من طرائف صادفتك في عملك كحلاق رجالي؟
؟؟ الحوادث كثيرة··· في احدى المرات قصدني زبون شاربه خفيف جداً وبالكاد يرى، فحلقت شاربه ولما رأى ما حلّ به، اخذ 'يولول' و'يخبط بحالو'، على أساس انه لم يحلق شاربه طوال حياته·
؟ هل يتحدث الزبائن في السياسة؟
؟؟ طبعاً··· لا بد منها هي والرياضة لانهما حديث الساعة انما بروح رياضية·
؟ عملك يقتصر في المحل فقط، ام ان لديك بعض الزبائن خارجه وفي المنازل؟
؟؟ لدي زبائن وضعهم الصحي حساس جداً، ولا يقدرون على المجيء الى الصالون بسبب ذلك، لذا أقصدهم للضرورة وليس للدلع·
؟ كم تدفع ايجار المحل؟
؟؟ قديماً كان بحدود الـ 1500 ليرة في السنة، وتحديداً قبل الـ ،82 حالياً اصبح الايجار بحدود الثلاثة ملايين ليرة والخير لقدام·
؟ وعلاقتك مع الكهرباء، كيف تتكيّف معها في مهنة الحلاقة؟
؟؟ 'الله بيدبر'··· عند انقطاع الكهرباء، 'أستعير' خطاً من صاحب محل حلويات 'ابو الملوك' جاري في المنطقة·
؟ ما هي متطلبات الزبائن؟
؟؟ بعضهم يحضر فرشاة الحلاقة والمشط وحتى الدبوس ويسجل اسمه عليها فلا احد يستعملها غيره من أجل الامراض المتفشية 'والميكروب'·
فنون قص الشعر
؟ كيف ترى 'موضة' الحلاقة في هذه الايام، و'صرعة' تصاميم قص الشعر؟
؟؟ للأسف حالياً اختلط 'الحابل بالنابل' حتى اصبحت الموضة الدارجة تراها في طريقة قص الشعر التي تأتي على شكل السيف، او النجمة، والاغرب ان بعض الزبائن يحفرون اسمهم ويرسمونه على رؤوسهم، كذلك الامر بالنسبة الى السوالف 'والسكسوكة' التي تفصل عن الشوارب تشبهاً ببعض المشاهير من سياسيين وفنانين ومثقفين·
؟ الغلاء الحاصل هل لحق بمهنة الحلاقة؟
؟؟ اسعارنا ليست غالية، والسعر حسب كرم الزبون، وكثيراً ما أحلق بـ 'بلاش' للمعدمين، فالدنيا لا تزال بخير·
؟ الامراض الجلدية كيف تتم معالجتها؟
؟؟ اداوي بعضها مثل الاصابة بما يسمى بـ 'الثعلبة' حيث اعمد الى حف مكان العدوى بالموس أي مكان الشعر الذي تآكل، وبعدها أجلب روح الخل وأضعه في شقفة قماش من الجوخ قرابة ثلاثة أيام، لا تقرب خلالها الماء، ولا بد من ان يشعر المصاب بحريق مكان الاصابة، وبعدها يمشي الحال ويعود الشعر وينبت محل 'الثعلبة'·
؟ من يقصدك من زبائن أيام زمان؟
؟؟ معظم عائلات آل عسيران ومروة والسبليني كانوا يقصدون هذا المحل، وانا اعتمد على النوعية وليس الكمية·
وأضاف: في احدى المرات قصدني طه قليلات، حيث 'ضبطت' سوالفه فنقدني مئة دولار، كذلك الامر بالنسبة الى جورج شهوان الذي ترشح في الانتخابات النيابية، فحلق شعره عندي وأعطاني مئة دولار·
؟ ما هي حكمتك هذه الايام؟
؟؟ خير الخطائين التوابون·
الزبون علي طه قال: أقص شعري في هذا الصالون منذ ان كان عمري 10 سنوات، وذلك لان المعلم ابو احمد طوقان يهتم بـ 'القصة' من كل قلبه وليس 'عالماشي' كما يحصل في كثير من الصالونات التي 'فرخّت' كالدجاج!
كاتم أسرار
مهنة الحلاقة واحدة لكن وجوهها متعددة، تختلف بغالبية تفصيلاتها بين منطقة واخرى، حي وآخر، شارع وآخر، وبعيداً عن الوجه المهني، يبرز وجه آخر تعكسه مرآة الصالون بين عبارتي 'أهلاً وسهلاً' ونعيماً، كل هذا مع مقص ومنشفة ومشط وأصبعين، وعلى الحلاق في وقته الطويل مع الزبائن ان يستمع لكل الناس، وان يكون كاتم اسرار اضافة الى الوجه البشوش والصدر الرحب والابتسامة الدائمة، أليس هو حلاقاً، فهذه العوامل لها ضريبة يكون الفرد فيها على تماس مباشر ومستمر مع الناس بأعمارهم واجناسهم وامزجتهم المختلفة فضلاً عن 'ثرثرتهم' التي لا تعوض·
هذه 'الشغلة' لم تعد تطعم خبزاً··· عبارة قد تتكرر على لسان الكثير من الحلاقين الذين لا ينسون دائماً أن يقرنوها بالوضع المزري في هذا البلد، تجنباً لاهانة مهنة قد تكون محترمة اكثر في بلد آخر، كغيرها من المهن التي يقبل بها الشباب في لبنان، مضطرين لان يحنوا الرؤوس لها، تماماً كما يفعل الجميع على كرسي حلاقة··· تحت المقص!!

اقرأ أيضا