أرشيف دنيا

الاتحاد

«البكاء» يعالج التوترات النفسية والانفعالية

البكاء يطهر العين من الجراثيم والأمراض

البكاء يطهر العين من الجراثيم والأمراض

إن سلمنا بأن حالة البكاء هي إحساس إنساني وفضيلة للبشر، فإن حبس الدموع والامتناع عن البكاء أمام الآخرين بالنسبة للرجل ليس “عيباً” وابتعاداً عن الإنسانية، بل إنه مظهر من مظاهر القوة والصبر، فالرجل يعتبر دمعه غالياً وتسوده قناعة عدم ذرف الدموع في أي موقف، وعبّر عن ذلك الشاعر أبو فراس الحمداني مخاطباً حمامة تنوح وهي طليقة، بينما هو أسير خلف قضبان سجنه، بعيداً عن وطنه وأهله، حيث قال في أبياته الشعرية : (أقول وقد ناحت بقربي حمامة..أيا جارة لو تشعرين بحالي)

البكاء هذا الشعور الإنساني، الذي لم يعد حكراً على نوع معين، ذكراً كان أو أنثى، هو دليل على رقة القلب، وقد يكون سبباً في دخول الجنة. قال صلى الله عليه وسلم (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، لذلك ليس عجباً حين نعلم أن البكاء نعمة من الله، لولاها لجفت مقلة العين أو تكسرت من أول ذرة تراب تدخل بها.
ولأهمية ذلك شجعت إحدى الدراسات، التي أجريت مؤخراً في جامعة أميركية، الرجال والنساء على البكاء للحفاظ على الصحة النفسية والعاطفية، تقول فحوى الدراسة (إذا كنت في موقف يكون فيه البكاء مشروعاً ومقبولاً اجتماعياً فمن أجل صحتك لا تتردد في البكاء وسكب الدموع، فالدموع تقوم بتنظيف أعيننا وتطهيرها من الجراثيم والميكروبات العالقة، وتخفف حدة التوتر النفسي، الذي يمكن أن يتسبب في تفاقم بعض الأمراض مثل قرحة المعدة أو ارتفاع ضغط الدم. كما وجدت الدراسة أن الدموع تحتوي على هرمونات تنتجها أجسامنا حينما تخضع للتوتر النفسي، لذلك فعندما نبكي فإن هرمونات التوتر تزول وبالتالي نشعر بالتحسن).
بعد هذه الدراسة نتساءل هل البكاء عيب أو خطأ؟ وهل يتوجب علينا أن نكون أقوياء في كل اللحظات ونحرم أنفسنا من عملية ذرف الدموع الصحية؟ وهل البكاء دليل ضعف للرجل وسلاح للمرأة لتصل إلى مبتغاها.
البكاء راحة
الدموع الحقيقية ليست هي التي تذرفها العين، بل التي تسيل من القلب، يعبر عن ذلك شاهين الزعابي (33سنة). ويقول: “فهذه أشد وطأة على صاحبها من دموع العين الظاهرة، والتي تطفئ حين تسيل نيران الحزن المشتعلة، فيشعر الباكي بعدها بالراحة وتستقر مشاعره وتهدأ عواطفه، وبالتالي لا يدان الرجل عندما تدمع عيناه ويبكي أمام الآخرين، ولا أعتبر أن التجلد وحبس الدمع دليل علي قوة التحمل عنده”.
يضيف الزعابي “تعلمت من كثرة مواقف الحزن التي مررت بها أن أخفي دموعي وأبدي ابتسامتي، لأن الكثير من الأصدقاء المقربين لي تحزنهم دمعتي وهذا مالا أريده، في مقابل ذلك هناك الكثير من الأعداء يشمتون بسيل دمعك ويفرحون بك باكياً”.
الدموع لا تكون بالضرورة لغة الحزن، بل هي في كثير من الأحيان لغة الفرح، عن ذلك، يلفت يوسف الزرعوني إلى ذلك :”في لحظات السعادة يشعر الإنسان أنه بحاجة إلى البكاء وما أكثر مواقف الفرح التي أبكتني، ومثلما كنت أخفي دموع حزني لم أسمح لدموع الفرح أن تظهر، لأنها تعني انهيار الشعور”.
يتابع الزرعوني “أميل إلي التماسك وأصر على أن أجعل الدموع سواء دموع الفرح أو الحزن تسيل في داخلي ولا تظهر في عيني، البكاء في نظري عند الإنسان هو مظهر من مظاهر إنسانيته، فإن كان البعض يبكي لوداع من أحب أو لغياب عزيز عليه، فالبعض الآخر ينفجر بالبكاء إذا طرح عليه سؤال يثير في النفس الأسى أو يذكره بواقع مأساوي مرير”.
حالة شعورية
على الجانب الآخر، يقول عبد العزيز أحمد (موظف إداري): “البكاء حالة شعورية تقتصر على الإنسان، وهو نعمة كرمه الله بها، والرجل من وجهة نظري أقدر على الصبر وتحمل الأسى من الفتاة، فمنظر فتاة تبكي يثير مشاعر الرحمة والعطف، لذا يجب أن يكون الشاب أكبر من الدموع وأقوى من البكاء، والذي يصاب بكارثة عليه أن يقول “الحمد لله على كل شيء، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه”، ولا بأس أن يجعل دموعه تنهار داخل نفسه، ولا تظهر بأي حال من الأحوال في عينيه”.
من جانبها، تجد سارة الكتبي (42 عاماً) البكاء سمة إنسانية بحتة وردة فعل لا إرادية تعبر عن رغبة الإنسان الباكي في التنفيس عن مكنونه، نتيجة تعرضه لمواقف صعبة وحوادث معينة. وتؤكد: “يعتقد الكثيرون أن البكاء صفة تلازم المرأة وتخصها، ويرون في بكاء الرجل الضعف والمهانة، وأن الصورة التي انطبعت في أذهاننا عن الرجل هي الصلابة ومقاومة البكاء”.
لكن الكتبي تنفي هذا الاعتقاد وتقول عن دراسة حديثة قرأتها في إحدى الصحف :”إذا أحس الشخص برغبة في البكاء فيجب ألا يحبس دموعه، لأن الكثير من الآلام والأحزان تسيل مع هذه الدموع”.
سلاح ذو حدين
أمل نشوان تملك رأياً مختلفاً. تقول عن ذلك :” الدموع دائماً وأبداً سلاح ذو حدين، ففي لحظة ما قد تكون بمنزلة القوة، التي تجعلها تواجه كل المشاكل، وفي اتجاه آخر قد تكون هي سبب ضعفها فتجعل الآخرين يستغلونها”.
ومن واقع تجربتها تؤكد أمل :”الدموع في بعض الأحيان يمكنها أن تغيِّر الاتجاه لمصلحتك، وهذا ما شعرت به عندما مررت بمشكلة صعبة جعلتني أشعر بالأرق في منامي وشلت تفكيري. لكن في نهاية الأمر على حد تعبير أمل: في بعض الأحيان الدموع قد تفسر ضد صاحبها، وذلك عندما تكون هذه الدموع تسيل بمناسبة أو دون مناسبة”.
من المعروف أن قوة أغلب النساء تكمن في ضعفها، “يضع سره في أضعف خلقه”. هكذا أشارت خلود جمعة (مُدرسة لغة عربية). بالقول: “بعض من الناس يرى أن المرأة دموعها حين تسقط أمام الرجل تقوي من قدرتها التفاوضية وتجعل الدفة القيادية للحوار في صالحها.وتبكي المرأة في معظم الأحيان بسبب الرجل فهي تتألم عندما تحب وتتألم أكثر عندما تفقد من تحب”. تشرح خلود وجهة نظرها بشكل أعمق:” معظم النساء اللاتي يتظاهرن بالقوة وبأنهن لا يتأثرن بسهولة هن أكثر النساء اللاتي نجد أحاسيسهن مرهفة. لكن يلجأ البعض منهن إلى التظاهر بعكس ذلك حتى لا يظهرن ضعيفات أمام الرجال”.

تفسير طبي


البكاء هو جلاء للهم والتماس للراحة ورقة للقلب ونقاوة للنفس وهو بالنهاية ملجأ كل مصاب يسلو إليه ويرى عزاءه فيه. عن ذلك يقول الدكتور عماد محمد أخصائي عيون: “البكاء هو نعمة من الله، لأنه أصدق تعبير عن المشاعر الإنسانية، فالطفل الصغير يبكي فنلبي حاجته. وهنا البكاء أداة تعبير وحيدة تعوضه عن الكلام والحركة حتى يتمكن من التواصل مع الآخرين. أما بالنسبة للكبار فالأمر يختلف. عندما نحزن نبكي. وعندما نفرح نبكي.. فما هو البكاء؟
يلفت الدكتور عماد من الناحية الطبية إلى ذلك ويقول: “هو خروج ماء تفرزه الغدد الدمعية لوسط العين ويصاحبه سيلان مائي بالأنف والبلعوم وتقلص للعضلات العينية مع قبض عضلات الوجه والبطن وارتفاع بالحجاب الحاجز. وأحياناً يرافقه سعال خفيف. هذا ما يحدث للجسم فهل له فائدة طبية”.
ويشير الدكتور عماد إلى: “البكاء كالمطر يحدث نتيجة شحن العواطف بالانفعالات النفسية، فتعمل على حث المراكز السمباثوية بالجهاز العصبي، فترسل إشارات للغدد الدمعية بالتحضير والانقباض وارتخاء القنوات الدمعية فتندفع الدموع خارج الغدة للعين فتغسلها وتنقيها تماماً من أي ميكروبات أو إفرازات أخرى. وبعض من هذه الدموع يصل للأنف عن طريق قناة، مما يساعد على تطهير الأنف ونزول السائل منها، فالسائل الدمعي يحتوي على سائل نقي به بعض الأملاح والمواد التي تفرز من الغدد الدمعية، لذا فهو ذو طعم مالح قليلاً مما يساعده على تعقيم العين والملتحمة.
أما من الناحية النفسية كما يوضح الدكتور عماد :”أيضاً لا يشكل البكاء غسولاً للعين فقط وإنما للنفس أيضاً، فالبكاء المخرج الأفضل لكل التوترات النفسية والانفعالات، لأنه لو أخفى الإنسان هذه التغيرات النفسية والعصبية بداعي الرجولة والخوف من الضعف أمام الآخرين أو الشعور بالانهزامية، فهنا تكمن الخطورة، حيث سيعاني العقد والمشكلات، التي يزخر بها الطب النفسي وسيؤدي ذلك لارتفاع ضغط الدم المنتشر كثيراً هذه الأيام. كذلك حبس البكاء والمشاعر كثيراً ما يؤدي إلى تقرح بالمعدة وأمراض القولون العصبي، ولهذا نجد أن النساء هن أكثر قدرة على البكاء بسبب الاختلاف الفسيولوجي والهرموني عن الرجال، ولأن البكاء ربما يكون مظهراً مقبولاً من السيدة كتعبير عن الرقة أو الضعف أو الشفافية، لهذا نجدهن أقل عرضة لكثير من الأمراض، التي تنجم عن عدم البكاء، لذلك علينا إلا نحرم أنفسنا رجالاً ونساءً من البكاء إن طاب لنا ترطيباً للنفس وحرصاً على الصحة حتى ولو من وراء حجاب.

اقرأ أيضا