عربي ودولي

الاتحاد

تركيا هل تضحي بعلاقاتها مع واشنطن من أجل إيران؟


أنقرة - سيد عبد المجيد:
كيف يمكن أن تستقيم الأمور مع الجارة المشاغبة دوما ؟ فالعثرات التي اعترضت مسيرة العلاقات التركية الإيرانية كم هي كثيرة، غير أن المجال هنا لا يتسع لسردها، ولكننا فقط سنقف عند واحدة منها لعلاقاتها المباشرة بصلب ما نحن مقدمون عليه ·
ففي الفترة ما بين 1986 ـ 1989 كادت أنقرة أن تصل مع طهران إلى طريق مسدود بسبب تصريحات السفير الإيراني آنذاك والتي اعتبرت تدخلا سافرا في شأن الأناضول الداخلي ·· فالسفير هدد بقطع العلاقات الدبلوماسية ما لم ترفع الحكومة الحظر المفروض على ارتداء الحجاب·
وأمام هياج الإعلام مقروءا ومرئيا لم يكن هناك مفر أمام الحكومة سوى من وقفة حاسمة ، وعلى عجل تم استدعاء السفير التركي من طهران·· ومع السنوات التالية تمر الأزمة لتلحق بسابقاتها تحت وطأة المصالح المتشابكة فعلى الصعيد الاقتصادي يكفي أن نشير إلى تنامي التبادل التجاري والذي تجاوز الثلاثة مليارات من الدولارات ومرشح أن يرتفع إلى خمسة مليارات ناهيك عن النشاط التجاري غير الرسمي على الحدود هذا من جانب ، من جانب ثان بدا هناك خطر انفصالي ومصلحة البلدين تقضي التكاتف لمواجهته ·
المنهج البراجماتي
قبل زيارته لطهران في صيف العام الماضي طالب رئيس الحكومة التركية إيران بالرضوخ للمجتمع الدولي والتعامل معه بشفافية إلا أنه قال إن البرنامج النووي الإيراني لا يهدد تركيا·
هذا الموقف الوسطي كان هدفه الحفاظ على العلاقات التجارية ومصالح رجال الأعمال الأتراك وكلاهما لا يجب التهوين من شانهما أو التقليل من آثارهما الإيجابية على الاقتصاد التركي ثم أن إيران تلعب منذ زمن على خلفية المصالح الحيوية التركية خصوصا الغاز·
هذا التعاطي لم ترض به للولايات المتحدة ، ودون أن يكون هناك بيان رسمي ساقت واشنطن أكثر من عذر لا ستقبال اردوجان في البيت الأبيض·· وهكذا أرجأت الزيارة لنحو ثمانية أشهر، خلالها كان على أنقرة أن تتدبر حالها وتقدم ما يفيد بتغير منهج وأسلوب التعامل مع إيران·
بالتزامن صارت ضغوط المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية الرامية إلى عزل إيران تشكل وأن اختلفت المقاصد ضغوطا على أنقرة كي تأخذ مواقف متشددة حيال طهران ·
صحيح أن الضغوط الأميركية لم تتوقف تجاه إيران منذ الثورة الخمينية إلا أن تركيا كانت تتعامل معها بمنهج برجماتي· وفي كل الأحوال كانت تقف في منتصف الطريق، عين على ما بعد الأطلسي وأخرى على جارتها الفارسية· حتى وبعد أن وضع بوش إيران ضمن محور الشر لم تتزحزح أنقرة عن موقفها إلا أن تداعيات الملف النووي الإيراني لم يعد يتحمل الوسطية وعليها الاختيار، زاد على ذلك أن الاتحاد الأوروبي دخل بقوة لمؤازرة الموقف الأميركي وصار إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن قاب قوسين أو أدنى·
ويبدو أن إيران أدركت حجم الضغوط التي باتت تواجه جارتها التركية، ومن ثم كان عليها الإسراع بطمأنتها، وهنا المفارقة ' المذهلة ' فالمنوط بطمأنة تركيا سيكون 'مانشهور متقي' سفير الأزمة الشهيرة التي أشرنا إليها في مستهل هذا التقرير ولكن بصفته الجديدة وزير خارجية إيران · وهذا ما حدث فقبل أيام قليلة حل الوزير ضيفا على العاصمة أنقرة·
أنقرة ··والدعم اللازم
قبل أسابيع والملف الإيراني يستحوذ على اهتمام دوائر صنع القرار تؤازرها مراكز الأبحاث التي راحت تتلمس السيناريوهات المحتملة لمرحلة ما بعد إحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن وتأثير ذلك على تركيا، والأهم ماذا سيكون مطلوبا من أنقرة في حال قررت واشنطن توجيه ضربة عسكرية لإيران ؟
مارك كروسمان مساعد وزير الخارجية الأسبق والذي سبق له وأن عمل سفيرا لبلاده في العاصمة أنقرة ألقى محاضرة في معهد العلوم السياسية والاقتصادية وكان عنوانها القضايا الاستراتيجية في مسيرة العلاقات الأميركية -التركية ،غير أن المقصد الأساسي انصب على أزمة إيران مع الولايات المتحدة بيد أن الرجل كان واضحا حينما طالب تركيا وهي الحليف الإستراتيجي في المنطقة بضرورة مشاطرة واشنطن في المخاوف من برنامج إيران النووي بل وتسعى مع المجتمع الدولي للحيلولة دون امتلاك إيران القوة النووية ·
كروسمان ولتبديد تردد أنقرة أشار في محاضرته إلى الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية كوندليزا رايس إلى فرنسا ثم موسكو وكلاهما أبدى تفهما ودعما للولايات المتحدة بشأن المخاوف من البرنامج النووي الإيراني ليخلص في النهاية إلى أن تركيا المتاخمة لإيران هي الجديرة بتقديم الدعم اللازم
إذن على أنقرة أن تعيد توجهاتها بشان إيران وها هو رئيس الأركان الجنرال 'حلمي أوزكوك' يخرج عن صمته قائلا : إن نشاطات إيران النووية تهدد تركيا وحتى لا يكون هناك لبس خرجت تصريحات من صناع القرار أكدت على أن أنقرة لن تضحي بعلاقاتها مع الولايات المتحدة من أجل إيران·
التمهيد للخطوة الفاصلة
هذا الموقف المغاير كان إيذانا بتوافد عدد من المسؤولين الأميركيين البارزين على العاصمة في زيارات وصفت بأنها مكوكية واعتبرتها المعارضة التركية بمثابة التمهيد لعمل عسكري سيوجه ضد إيران وستكون الأناضول مسرحا له ، وقال علي 'توبوز' نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري أنه من الواضح أن واشنطن تريد فرض سياستها على الحكومة التركية، مشككا في المعلن من قبل العدالة والتنمية الحزب الحاكم والذي ذهب إلى أن المشاورات الجارية بين أنقرة وواشنطن هدفها مساعدة تركيا في مكافحة الإرهاب الانفصالي·
لكن ما تنشره الصحف الكبرى ربما قال عكس ذلك تماما، فما هي علاقة مكافحة الإرهاب الانفصالي بضمان قطع طرق تهريب معدات نووية لإيران وسوريا عبر الأراضي التركية وبالطبع الابتعاد عن اتخاذ مواقف مؤيدة لدمشق ؟ أومطالبة تركيا بتقديم دعم لهجوم جوي على سوريا وإيران خلال فترة قصيرة·
صحيح قد تكون هناك مبالغة في ما ذهبت إليه الصحف لكنها على الأقل تحمل شيئا من الصحة والدليل أن معلومات تداولاتها الأوساط الإعلامية صباح يوم زيارة وزير الخارجية الإيراني نهاية شهر نوفمبرالماضي أشارت إلى أن أنقرة كادت أن تعتذر لاستقبال المسؤول الإيراني خاصة مع الشواهد التي تشير في مجملها إلى أن طهران عازمة على المضي في تحديها لإرادة المجتمع الدولي، زادت عليها تصريحات الرئيس الإيراني بشأن المحرقة والتي اعتبرها خرافة ·
وهكذا باتت النخبة الحاكمة على قناعة في أن التطرف بات هو عنوان الحكم في طهران خصوصا بعد صعود 'محمود أحمدي نجاد' إلى سدة الرئاسة واختيار الرجل الذي سبق وكان محط تساؤلات بضلوعه في اغتيال إيرانيين مقيمين في أنقرة أبان عمله كسفير لبلاده لا يمكن أن يكون محض صدفة· أيضا قد لا يكون الأمر مصادفة في أن تعلن أحدى المحاكم الجنائية التركية منذ أسابيع أن إيران كانت مصدرا للإرهاب في العالم الإسلامي خلال حقبة الثمانينيات·

اقرأ أيضا

الرئيس الجزائري يطالب بمنحه الوقت لإجراء تغيير جذري