الاتحاد

ثقافة

الفنان الكويتي سامي محمد.. يَنحَتُ الألم ويُحرّره!

سامي محمد

سامي محمد

نوف الموسى (دبي)

الذهاب إلى «مجلس دبي الثقافي» الذي أقامه الشيخ سلطان سُعود القاسمي، مؤسس مؤسسة بارجيل للفنون، في منزله بمدينة دبي، بأبعاده الحميمية، يختلف تماماً عن الزيارة الرسمية لفعاليات مؤسسية، ففي الغالب يلتقي الأشخاص، دون معرفة مسبقة، في فضاء متقارب جداً، فالمسافة الفاصلة بين الفنان الكويتي المخضرم سامي محمد (الضيف المشارك) في البرنامج الحواري، وبين حضور مركّز من المهتمين فعلاً بالمجال الفني، يقدم هدوءاً نوعياً، يكاد يجعلك تلاحظ جل التفاصيل المحيطة في المكان، فلا يمكن بينما يَشرح الفنان سامي محمد، بداياته وهو يحفر جدران البيوت القديمة بعمر 7 سنوات، بين أربعينيات وخمسينيات الكويت، ويستخرج الطين المجلوب من البصرة المخلوط بـ«التبن»، ويعجنه بالماء ليصنع أشكالاً يقدمها لأصدقائه الأطفال، دون أن تتأمل تمثال المرأتين للنحات الكويتي عيسى صقر المتموضع عند المدخل الرئيسي للمجلس، وتسعى إلى رسم صلة لمعنى ما قاله سامي محمد: «كنت أبحث عن اللمسة، تلك المعاناة الضمنية، السبب والدافع لماهية التحرر من كل الأشياء التي تأثرت بها، وصولاً إلى الغاية الشخصية، في ما أريد إيصاله كإنسان وفنان».
والمُدهش أيضاً أنك في المجلس على مقربة من أعمال فنية اقتناها الشيخ سلطان سُعود القاسمي، تجعلك في غاية الترقب، لما يمكن أن تؤثر به عليك، وتتساءل: هل بإمكان التداخل البانورامي أن يمكننا من تجاوز ذلك العمود في منحوتة «الاختراق» لسامي محمد، التي قدمت رجلاً مفتول العضلات يخترق جداراً بكل قوته، ليُفاجأ بعده بعمود يصطدم به: هل تستطيع كل تلك المعزوفات اللونية والتكتلات الشكلية الحاضرة في الأمكنة التي نتشاركها، أن تقدم لنا معرفة استباقية بوجود العمود، تجنبنا الاصطدام بالجدار بجعله يذوب ويتلاشى فينا؟!

عن «الجوع»
عندما يتحدث النحات سامي محمد، يراودك إحساس بقدرته على تشكيلك، بطريقة ما يرانا عجينته الخاصة، فهو العاشق لـ«البورتريهات»، وأشهرها التمثال الشهير لـ الشيخ عبدالله السالم، مؤسس التجربة الدستورية لدولة الكويت. في إجابته عن سؤال عن إنجازه لتمثال «الجوع»، قال: «لا أدري من أين نبعت العفوية. أثناء إنجازي التمثال الذي تبلور بعد 10 سنوات من القراءة والبحث والتأثر بفنانين كبار، مثل فرانسيس بيكر، وأندريه مور، في تلك اللحظة بالذات، عرفت طريقي الذي استمررت به طوال عمري، وهو الإنسان، ومعاناته وألمه». و«العفوية» إيقاعها ساحر في التصور الذي طرحه الفنان سامي، فهي إعلان الحياة بانضمامه لها بشكل تام، عبر لُعبة التجسيد الإبداعية، يفسرها الفنان سامي: «قمت بعمل أشياء، غير تلك التي شاهدتها، أو موجودة في مخزوني البصري، إنه شيء جديد كلياً».

عن صبرا وشاتيلا
في أعمال سامي محمد ثمة «وخزة الصراع» التي تصدمك كمتلقٍ، يقول: «أريد أن يتوقف الناس أمام العمل»، ولا يمكن ذلك دون إشعال فتيل لـ«ومضة» تتطلب التفكّر بأبعاد المجهود العضلي والعقلي والمادي. يُلاحظ المتأمل لأعمال سامي محمد، التجليّ الشعوري، باعتباره مساراً أساسياً في إحداث «الوعي» أثناء عملية تفاعل المتلقي مع العمل، وجاء تمثال «صبرا وشاتيلا»، ممثلاً أهم تلك القوى التعبيرية في هذا الجانب، وهي نتاج تأثر الفنان بالحادثة المأساوية بشكل شخصي، فقد دأب على جمع القصاصات ومشاهدة الأفلام، مقدراً مستوى الهدر في كرامة الإنسان، في الحادثة وعبر عنها: «لأكثر من مرة، ولإصراري على إيصال صدق إحساسي تجاه الموضوع، جلست قرابة الـ3 أشهر، أنجزه بشكل كامل وأهدمه، في كل مرة أشعر بأنني لم أصل بعد، إلى أن رسيت على رجل مكبل بالكامل على قاعدة، ويدياه ساقطتان نحو الأرض، وهو منتهٍ تماماً».
تشارك الحضور بصحبة الفنان سامي محمد والشيخ سلطان سعود القاسمي، مشاهدة الحروف العربية الجميلة المرسومة على جدار المجلس في الفضاء الخارجي للمكان، وحرية تلك التشكلات في هالة دائرية مستمرة دون توقف، ما يمكننا من أن ندرك بعض الشيء معنى الحديث عن طبيعة «التحريم» لفن النحت، في المجتمعات الإسلامية والتي أثرت بشكل غير صحي على المنجز الجمالي للنحت في كونه تعبيراً فنياً عن الحياة، بقليل من العتب يوضح الفنان سامي: «هل يمكن أن أقول إن قدري أن أُولد في بلد، يرى مجموعة فيه أنه عمل مكروه، أو حرام كما يسمونه. لستُ الشخص المؤهل هنا للحديث عن الفتاوى والاجتهادات، ولكني أستطيع القول إنها أثرت عليّ، في أنني لم أحدث النقلة الأكبر التي كنت أود إنجازها».

عن النحت وهمومه
أعمال الفنان سامي محمد، ذات رؤية يصعب استيعابها في الكثير من الأحيان في بلدان المنطقة، للصدق الذي تبوح به عن أوضاعنا الإنسانية، وربما هذا أحد الأسباب التي جعلته يرسم أيضاً، يقول: «نعم، رسمت الكثير من الأفكار لكن بشكل مختلف، فالسدو حولته من سجادة أو خيمة إلى قطعة فنية، لاقت استحسان الناس، لذا قمت بإنجازها وبيعها لأستخدم المال في النحت». وقبل 3 أشهر، قدم الفنان معرض «الرحيل» الذي ضم 20 لوحة يبحث فيها حالة المهاجرين في الوطن العربي، مؤمناً بأنه سيستمر في عمله حول الإنسان إلى آخر لحظة من حياته.
بقيت الإشارة إلى أن الحضور استمتعوا بمشاهدة صور توثق للفنان في مراحلة العمرية المختلفة وبداياته، وصولاً لهذه اللحظة، لينتهي اللقاء بأسئلة كثيرة، حول حاجتنا، في الخليج، لإحداث يقظة الوعي بجمال النحت، وقوة تأثيره.

شهادة في الريس
خلال الجلسة دار حديث ودي بين الفنان الكويتي سامي محمد والفنان الإماراتي عبدالقادر الريس، سرد وقتها الفنان سامي اللحظة الأولى التي دخل فيها إلى مرسم الفنان عبدالقادر الريس، في بواكير اشتغالاته الفنية، وقال: «كنت أستشعر روح فنان في المكان، سيترك بصمة في يوم ما، وهو ما حصل فعلياً، انتابني هذا الشعور عندما رأيت قدرته في رسم الطبيعة الصماء بكل هذا الإتقان، ومنها بدأت أرواحنا بالتلاصق كفنانين».

 

 

اقرأ أيضا

رواية «الحياة الخفية».. نساء على حنين السّرد