الاتحاد

الاقتصادي

البيانات تساعد على تشكيل اقتصاد عالمي جديد

ترجمة: حسونة الطيب

بينما يعتبر أي مرفق لتكرير النفط، بمثابة واحد من المقرات الصناعية الأساسية ومراكز القوة، حيث تنبعث رائحة الهيدروكربونيات وحرق الغاز من أبراج عالية.. تعكس مراكز البيانات على الجانب الآخر، مشهداً أقل وضوحاً في أبنية منخفضة لا تعكر صفوها الروائح.
لكن مع ذلك، يتشابه الاثنان في عدد من الأشياء، حيث تزخر مرافق كل منهما بالأنابيب، التي تعمل على نقل النفط ومكونات الخام الأخرى في حالة مرافق التكرير، وعلى نقل الهواء في مراكز البيانات لتبريد عشرات الآلاف من أجهزة الكمبيوتر التي تستخلص القيمة والنماذج والتوقعات ورؤى أخرى، من معلومات رقمية خام.
كما يؤدي الاثنان الدور نفسه أي إنتاج مواد مهمة تسهم في تغذية الاقتصاد العالمي.
سواء كانت سيارات أو بلاستيك أو العديد من العقاقير، فمن دون مكونات خام النفط، تختفي العديد من مظاهر الحياة العصرية. ومن جانبها، تسهم مراكز البيانات، في عمل جميع أنواع الخدمات الإلكترونية والعالم الحقيقي، في الوقت الذي زادت وتيرة ربط الأجهزة بعضها مع بعض.
تُعد البيانات في هذا القرن، بمثابة النفط للعقد الذي قبله، حيث يُعول عليها كقوة لدفع عجلة النمو وإحداث التغيير. ونتج عن تدفق البيانات، بنية تحتية جديدة وأعمال تجارية واحتكارات وسياسات، واقتصادات جديدة أيضاً.
والمعلومات الرقمية، لا تشابه أي مصدر سابق، حيث يتم استخلاصها وتقييمها وتدقيقها وشراؤها ثم بيعها، بأوجه مختلفة. ونجحت في تغيير قوانين الأسواق والمطالبة بمناهج جديدة من المنظمين.
وتقدر «آي دي سي»، المؤسسة العاملة في البحوث الرقمية، أن العالم الرقمي يناهز نحو 180 مليار تريليون زيتابايت «1 زيتابايت = مليار تيرابايت»، بحلول 2025.
وضخ كل هذا الكم عبر شبكة عريضة للإنترنت، يستغرق ما يزيد على 450 مليون سنة. ولتسريع تحويلها في مراكز بياناتها، تستعين أمازون بشاحنات لحاويات محملة بأجهزة تخزين، سعة الواحد منها 100 بيتابايت. ولاستيعاب كل هذا الكم، تسرع المؤسسات في إنشاء، مراكز لتدقيق البيانات.
وطال التغيير جودة البيانات، حيث لم تعد هناك مستودعات لتخزين المعلومات الرقمية وقواعد بيانات للأسماء والبيانات الشخصية مثل، السن والجنس والدخل وغيرها.

الاقتصاد الجديد
ويتعلق الاقتصاد الجديد أكثر، بالتحليل السريع لتدفق البيانات غير المنظمة وسيل الصور والفيديوهات التي ينتجها مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي والكم الهائل من المعلومات التي ينتجها العاملون في طريقهم من وإلى مقرات العمل ،وفيض البيانات من مئات أجهزة الاستشعار الملحقة بمحركات الطائرات.
ومن قطارات المترو وتوربينات الرياح، إلى مقاعد الحمامات ومحمصات الخبز، أصبحت جميع أنواع الأجهزة، مصدراً من مصادر البيانات. ويزخر العالم بأجهزة الاستشعار المتصلة بالإنترنت، ليخلف الناس أثراً رقمياً أينما يذهبون، حتى وإن لم يكونوا متصلين بالإنترنت.
والأهم، أن قيمة البيانات في زيادة مستمرة، حيث تعمل كل من جوجل وفيس بوك، على جمع البيانات من المستخدمين لاستهداف أفضل للإعلان. واكتشفت الشركتان مؤخراً، أن من الممكن تحويل البيانات لأي رقم للذكاء الصناعي أو الخدمات المعرفية، التي يمكن أن تشكل مصادر جديدة للعائدات. وتشمل هذه الخدمات، الترجمة والتعرف البصري، التي يمكن بيعها لمؤسسات أخرى تستخدمها في منتجاتها.
ورغم المؤشرات التي تدل على اقتصاد البيانات في كل مكان، إلا أن شكلها بدأ أكثر وضوحاً في الوقت الحالي. وفي غضون ذلك، تتصارع الشركات لنيل حصتها من هذا المحرك الاقتصادي القوي المعروف باسم «تأثير شبكات البيانات»، أي استخدام البيانات لجذب المزيد من المستخدمين، الذين بدورهم يولدون المزيد من البيانات، التي تساعد في تحسين الخدمات ومن ثم جذب مستخدمين أكثر.
وتستفيد الشركات العملاقة، من احتياطي البيانات الضخم، وكلما زادت مشاركة المستخدمين في فيسبوك مثلاً، كلما زادت معرفتها بهم وتحسن مستوى استهدافها للإعلان. وهذه الشركات في حالة بحث دائم عن منابع البيانات.
ومع أن أوبر اشتهرت بانخفاض قيمة أجرة سياراتها، لكن يفسر امتلاكها لأكبر تجمع بيانات عن العرض «السائقين» والطلب «الركاب» لوسائل المواصلات الخاصة، بلوغ قيمة الشركة 678 مليار دولار.
وبالمثل، تعني «تيسلا» للكثير من الناس، صناعة السيارات الكهربائية الأنيقة، لكن تقوم موديلاتها الأخيرة بجمع كم هائل من البيانات، ما يسمح لها بتحسين حلولها الحسابية للقيادة الذاتية ومن ثم تحديث برامجها وفقاً لذلك. وجمعت الشركة في السنة الماضية، نحو 1,3 مليار ميل من البيانات التي تتعلق بالقيادة.

المؤسسات الناشئة
وتعتبر المؤسسات الناشئة التي تعتمد على البيانات، بمثابة المنقبين عن الاقتصاد الجديد والتي تستحوذ على النفط الرقمي، وتعمل على استخراجه وتحويله إلى خدمات ذكية جديدة، من تحليل الأشعة السينية والمقطعية، إلى تحديد المكان الذي يتم رشه بالمبيد النباتي في الحقل المعني.
وتسعى الشركات العاملة في غير المجال التقني، للدخول في هذا المضمار، حيث طورت جنرال إلكتريك، على سبيل المثال، نظام تشغيل للإنترنت الصناعي أطلقت عليه اسم «بريديكس»، لمساعدة العملاء في ضبط آلياتهم.
ويعمل هذا النظام أيضاً، على جمع البيانات من الأجهزة المتصلة به ليمزجها مع بيانات أخرى ومن ثم تدريب الحلول الحسابية لتساعد في تحسين عمليات محطات الكهرباء والتحكم في محرك طائرة ما قبل تعطله.

اقتصاد البيانات
وكما هو الحال في سوق النفط، تستحوذ شركات التقنية الكبيرة، على نظيراتها الصغيرة. ويبدو جانباً آخر في اقتصاد البيانات، غريباً للمضاربين في الذهب الأسود. وبينما يعتبر النفط، أكثر السلع تداولاً في العالم من حيث القيمة، بالكاد يتم تداول البيانات، على الأقل ليس مقابل المال. ويبدو الفرق كبيراً بين ما كان يعتقده الكثيرون في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، عند الحديث عن «فئة جديدة من الأصول». ويشمل مصطلح «اقتصاد البيانات»، أسواقاً مزدهرة من البايت والبت، لكن وكما يشير الاسم، يعتمد تكوينه في معظمه على مجموعة من الصوامع المستقلة.
ووفرة البيانات على الرغم من أن تدفقها ليس سلعة، فإن كل سيل من المعلومات، يختلف من حيث التوقيت أو الاكتمال.
وهذا الافتقار للتبادلية في لغة الاقتصاد، يجعل من الصعب للمشترين، الحصول على طقم بيانات معين ومن ثم تحديد سعره، حيث ليس من السهل مقارنة قيمة كل نوع بالبيانات الأخرى.
وبدأ الباحثون لتوهم، في تطوير منهجيات، الشيء الذي أطلقت علية مؤسسة جارتنر الاستشارية، «إنفونوميكس».
وعندما أعلنت شركة «سيزرس للترفيه» في كاليفورنيا، إفلاسها في 2015، وُجد أن بيانات 45 مليونا من عملائها، هي الأكثر قيمة من بين أصولها الأخرى.
وصعوبة التسعير، عامل رئيس وراء السبب الذي يجعل من السهل على مؤسسة شراء أخرى، حتى إذا كان اهتمامها منصباً بشكل رئيس على البيانات. وينطبق ذلك، على حالة استحواذ آي بي أم، على «ويذر كومباني» مقابل ملياري دولار في 2015، بغرض وضع يدها على كم هائل من بيانات الطقس، بجانب البنية التحتية الخاصة بجمع هذه البيانات.
وتعني حقيقة أن، البيانات الرقمية على العكس من النفط، لا تملك الميزة التنافسية، إمكانية نسخها واستخدامها من أكثر من شخص في نفس الوقت، ما يخلق المزيد من التعقيدات.
كما تعني، إمكانية استخدام البيانات لأكثر من غرض غير تلك المتفق عليها. ويضيف ذلك، للارتباك حول من يمتلك البيانات، «في حالة السيارات ذاتية القيادة، يمكن أن تكون الشركة المصنعة أو مزود أجهزة الاستشعار أو الراكب».
وفي حالة البيانات الشخصية، تبدو الأمور أكثر صعوبة. وربما تسمح سوق وطنية منظمة، ببيع وشراء المعلومات الشخصية ومنح البائع الحق لتحديد المعلومات التي يتم الكشف عنها. ومؤخراً، اقترح المنتدى الاقتصادي العالمي، مفهوم حساب مصرفياً للمعلومات، حيث يتم فتح حساب للشخص بغرض مراقبة المعلومات وإدارتها وتبادلها، فضلاً عن حفظها الآمن.
ورغم رواج الفكرة، لكن لا السوق ولا حسابات المعلومات، تحولت إلى حقيقة. وربما تكمن المشكلة في بيانات الشركات، في الوقت الذي لا يمانع فيه الناس من إعطاء بياناتهم بسهولة مقابل الحصول على خدمات مجانية.

الذكاء الصناعي
وبعد انفجار فقاعة دوت كوم في بداية الألفية الثانية، كانت المؤسسات في حاجة ماسة للمال، لتجد ضالتها في البيانات لاستهداف الإعلان والحصول السريع على المال. وأدركت هذه المؤسسات في الآونة الأخيرة فقط، إمكانية تحويل البيانات لأي رقم من خدمات الذكاء الصناعي.
ويرى بعض خبراء القطاع، أن القيمة ليست في جمع أكبر قدر من البيانات، بل في جودة الحلول الحسابية التي تعمل على تدوير هذه البيانات والمواهب التي تحتضنها المؤسسات، لتطوير هذه البيانات. ولا يعتمد نجاح جوجل، على المكونات، بل على الوصفات. وكلما زاد عدد التطبيقات، كلما زادت عائدات البيانات.
وكانت الأسواق موجودة منذ زمن طويل لبيانات شخصية عالية القيمة وموحدة، حيث دأب ما يطلق عليهم «مضاربو البيانات»، على مزاولة تجارة سريعة في أنواع معينة من البيانات. وفي بعض النشاطات، بدأت الأسواق أو ما يرتبط بها، في التطور.
وتعمل أوراكل، على سبيل المثال، التي تهيمن على سوق قواعد بيانات الشركات، فيما يمكن أن يصل لمستوى تبادل لأصول البيانات.
وتطلب الشركة من عملائها، تبادل البيانات وربطها بأطقم توفرها لهم، تحفظ جميعها في نظام الحوسبة السحابية للشركة.
وتسعى مؤسسات أخرى صغيرة، لتقديم حصة أكبر من بياناتها لعملائها، حيث تسمح سيتيزنمي، لمستخدميها بتجميع جميع بياناتهم على الشبكة في مكان واحد، وجني رسوم قليلة في حالة مشاركتها مع علامات تجارية. وتقوم داتاكوب، إحدى المؤسسات الناشئة، ببيع رؤى من البيانات الشخصية وتخصيص جزء من عائداتها لمستخدميها.
وفي الوقت الذي لا يدري المستهلك قيمة بياناته، تعتمد مؤسسات الشبكة العنكبوتية بشدة على مجانية هذه البيانات، حيث يقلص الدفع مقابل الحصول على هذه البيانات وبناء الأنظمة العالية التكلفة، من أرباح هذه المؤسسات.
والبيانات، ليست المصدر الوحيد الذي لا يتم تداوله تجارياً على نطاق كبير، فكذلك موجات الراديو وحقوق المياه.
لكن ربما يختلف الوضع بالنسبة للبيانات، فإذا لم يكن للبيانات الرقمية سعر، فليس من الممكن أبداً توليد البيانات ذات القيمة.

نقلاً عن: ذا إيكونوميست

قوانين المنافسة
في أوروبا، تعمل بعض البلدان على الارتقاء بقوانين المنافسة، حيث تسمح التشريعات في ألمانيا، للمكتب الفيدرالي لاتحاد احتكار المنتجين، بالتدخل عندما تبدأ تأثيرات الشبكات وأصول البيانات بلعب دور بارز. وأظهر المكتب بالفعل اهتماماً كبيراً باقتصاد البيانات.
وتهدف فكرة أخرى، على مركزية الكم الهائل من البيانات، حيث يمكن للحكومات إعطاء جزء من المعلومات التي تجمعها، ما يخلق فرصاً للمؤسسات الصغيرة. وفي سويسرا، يعمل مشروع «ميداتا»، على جمع معلومات الصحة من المرضى، ليقرر بعد ذلك هل يرغبون في نشرها في مشاريع البحث.
وعندما تصبح البيانات أكثر قيمة وينمو اقتصادها، تستحوذ مرافق التدقيق على النسبة الأكبر من العائدات. ومن الصعب تحقيق توزيع جغرافي متساو، للقيمة المتحصلة من البيانات. وفي الوقت الحالي، تقع معظم مراكز تدقيق البيانات الكبيرة في أميركا. وكلما تطور اقتصاد البيانات، كلما يصعب التحكم في ذلك. وفي الصين، تطالب مشاريع القوانين، المؤسسات بتخزين كل البيانات المهمة التي تجمعها، في المُخدمات القائمة في البلاد. وبعثت الصراعات حول التحكم في النفط، الخوف في العالم لعدد من العقود، لكن لا تلوح في الأفق بوادر تنذر بحرب حول من يتحكم في البيانات. لكن ربما يدخل اقتصاد البيانات في المواجهات نفسها.

اقرأ أيضا

«الاقتصاد» تطرح مبادرة لتخفيض أسعار السلع حتى 90 % في رمضان