الاتحاد

دنيا

فلسطين ذاكرة من برتقال وحجر

أحمد خضر:
فلسطين··· الحب والجمال والذاكرة الخصبة، والجرح النازف، وكبرياء الشهداء، وعطاء الأمهات، وصراع البطولة مع الموت، ومرافئ الصيادين، والهجرة القسرية، والطفولة البريئة وكل فلسطين من النهر إلى البحر والمسيرة الطويلة من الآلام التي لا تنتهي إلا بالعودة والنصر··· كل هذا وغيره يمكن رؤيته في لوحات الفنانين التشكيلين الرائدين: إسماعيل شموط وتمام الأكحل التي يتجولان معها وينتقلان عبر المدن والعواصم العربية والأجنبية وبقاع العالم المختلفة، واللذين كان لنا معهما هذا الحوار:
من ينظر إلى أعمال هذا الثنائي الجميلة يدرك لماذا أطلق عليهما لقب 'سفيري الفن الفلسطيني' ، ففي هذه الأعمال الملحمية تجسيد لكل العذابات التي مر بها الشعب الفلسطيني في رحلة اللجوء والشتات وانتزاع الوطن والهوية، أما على المستوى المضموني فهي تنم عن ذائقة بصرية حضارية يعبر عنها مستوى رفيع من الأداء الفني الجميل، لفنانين ازدادا عشقاً وهياماً مع الأيام في فردوس الوطن الحلم والذاكرة، ولوحظ أنهما يكملان بعضهما بعضاً، ويعزفان لحناً واحداً عبر الريشة واللون الذي يعتبر بالنسبة لهما الأداة الفاعلة في المقاومة·
المكان والزمان والإنسان
صورت جداريات هذا الثنائي الفن المتميز للبيئة المكانية، والإنسان، بأسلوب واقعي فياض بالعواطف، وفيها اسقاطات ودلالات رمزية ثرية وواضحة المعالم لأن الفنان ينتمي بأحاسيسه وعواطفه وحياته وجذوره التاريخية لهذه المشاهد الواقعية التي انعتق في رحمها المجتمع الفلسطيني الذي أبدع الحضارة في وطنه، ورغم التشرد إلا أنه ما زال محافظاً على النسيج الاجتماعي، ومتمسكاً بالحلم والأمل، ومصراً على الحرية·
قلت لتمام الأكحل، هل ترين أنك والفنان إسماعيل شموط ثنائي فني يكمل أحدكما الآخر؟
بالفعل فإن إسماعيل حسبما قال بعض النقاد حرك الإنسان والبشر، رسم الجماهير الفلسطينية في عذابها وآلامها وأحلامها وطموحاتها، أما أنا فقد رسمت الجماهير بشكل محدود لكنني حركت الحجر، الصخر الذي يقف عليه الإنسان في صموده وتصديه، وهناك رموز استعملتها في الحجر أشارت إلى أن الإنسان بدون أرض لا يمكن أن يكون إنساناً، ولا توجد حياة إذا خلت الأرض من الإنسان· إسماعيل حرك الإنسان وأنا حركت الأرض مثل لوحة التحدي، وكالصخر صامدين، لا تتركوا الحصان وحيداً، فهذه اعتبرت فنياً متكاملة حيث الموضوعين والهدف واحد، والطريقة الفنية التي تناولناها كانت إحدى الرموز المعبرة عما يجري على الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني·
لكل طريقته في العطاء
كفنانة تنتمين إلى الواقع الفلسطيني، إلى أي حد يخدم الفن التشكيلي القضية الفلسطينية؟
الفنانون التشكيليون الفلسطينيون رغم أنهم موزعون في بقاع الأرض المختلفة إلا أنهم يعطون وكل واحد منهم له طريقته الخاصة في العطاء، وكلهم يحملون الهم الفلسطيني والقضية الفلسطينية أينما وجدوا وأينما سافروا·
كل فنان له رؤيته واجتهاده لتقديم فنه بطريقة تصل المتلقي، ما الأسلوب الذي انتهجته أنت؟
شيء من الواقعية والرمزية لأن موضوعنا الفلسطيني ليس ذاك الفن الجمالي من أجل تزيين حوائط بيوتنا بشكل يتناسب مع لون الديكور، أو الرسم من أجل الترفيه، نحن نرسم الفن من أجل قضية إنسانية صارخة ليعلم بها الناس، ويعرفوا ما جرى لهذا الشعب من ظلم وما لحق به من قسوة حياة وسرقة لأرضه ووطنه وتزييف للحقائق والإنسانية·
حكايتي مع الأبيض
لوحظ أن العديد من رسوماتك يطغى عليها اللون الأبيض، كيف تتعاملين مع اللون؟
الموضوع هو الذي يتحكم في الألوان، فالموضوع المؤلم له ألوانه الخاصة، والمفرح له ألوانه كذلك، فليس من المعقول أن نعبر باللون الأسود عن العرس، أو تطغى الألوان المفرحة على الجنازة، كل موضوع أضع فيه ما يليق به من ألوان، هناك بعض الرموز تتغير حسب إحساسي في تلك اللحظة، اللون الأبيض يعبر عن الأمل والفرح والأحلام الجميلة والعروس الفاتنة التي تقطع الأسلاك الشائكة في فلسطين قبل 67 والجولان بعد ذلك للزفاف من عريسها، والحصان العربي الجامح الأصيل رمز الحرية وإرادة الحياة·
من خلال متابعاتك للفن التشكيلي في الكيان الصهيوني·· كيف يعبر الفنان الإسرائيلي، هل ثمة نفس إنساني أو روحاني في أعماله؟
نحن نقتني كتبهم لنعرف من هم ومن نحن، الأكاذيب واضحة في أعمالهم، فهم يتحدثون عن اليهودي الذي جاء من بولونيا إلى فلسطين وتاريخ مجيئه، وكذلك من روسيا وفرنسا وبريطانيا والأرجنتين وهكذا، وهؤلاء ليسوا بشعب، ذلك أن الشعب يكون لنفسه وحدة عادات وتقاليد عبر آلاف السنين المتواصلة، يعيش فوق الأرض التي تعتبر بمثابة الوطن الذي يدافع عنه أما اليهود فكانوا يربطونهم بجنازير الدبابات في بيروت خوفاً من الهرب لأنهم جاءوا من آخر الدنيا بحثاً عن الرخاء والاستقرار والملاذ الآمن ولا يريدون الموت لأن الأرض ليست لهم· ربما تكون القدرة التقنية والفنية لدى الفنان الإسرائيلي جيدة لكن الناحية الحسية غائبة، بعكس الفنان الفلسطيني، فأنا لم أرسم الاقتلاع من يافا، وإسماعيل لم يرسم الاقتلاع من اللد من الخيال أو عبر السماع والحكي بل رسمنا تجربة حقيقية مرة عشناها ومررنا بها، وهنا يأتي الصدق في المضمون والتعبير الفني· الفنان الإسرائيلي يعرف أن هذه الأرض ليست أرضه، وأن جذوره لم تنبت فيها ولا تتكلم لغتها، أما نحن، فنعلم يقيناً أن أجدادنا بنوا البيوت القديمة والأسوار والأسواق في عكا ويافا واللد والقدس ونابلس قبل آلاف السنين، واليهودي يعرف أن هذه الأمكنة ليست له·
كيف يقيم النقاد والفنانون والمتلقون الأجانب أعمالكما؟
ينظرون لنا بكل احترام فنحن نحمل قضيتنا، ونريهم إياها، ولا نذهب لتقليدهم عبر ما يسمى التجريد، لكننا نحرص في الوقت نفسه على أن تكون الأبجدية الفنية متواجدة كاملة في اللوحة، ثم يأتي الموضوع حتى لا نعطي فرصة للانتقاد، ذلك أن التقنية الضعيفة يمكن أن تقتل الموضوع حتى لو كان مهماً وقوياً مثل الموضوع الفلسطيني، وعندها لن يرى اللوحة أحد والعكس صحيح حيث يكون الموضوع أحياناً تافهاً وتضع له الألوان الجميلة، والمساحات الكبيرة، بعبارة أخرى، لا بد أن تتكامل المعادلة·
ثنائي فني
ومن تمام إلى إسماعيل يمتد السؤال حول الفن وهمومه لنسأله: هل ترى نفسك سفيراً للفن الفلسطيني كما يقول النقاد وأنك تشكل مع زوجتك 'دويتو فنيا'؟
صحيح أننا نشكل ثنائياً فنياً، أما كسفير للفن فمؤكد أن النضال له أوجه كثيرة، ونحن في هذا المجال نعتبر أنفسنا نناضل بالريشة واللون، وغيرنا يناضل بالقصيدة والغناء والموسيقا إضافة إلى إخوتنا الذين يضحون بحياتهم دفاعاً عن هذا الوطن الحبيب·
في إحدى لوحاتك وهي (أحلام الغد) رسمت فلسطين من النهر إلى البحر··· هل يتحول الحلم إلى واقع؟
بالنسبة لي فإن أي واقع هو نتيجة لأحلام سابقة، حلمي اليوم سيكون واقعاً غداً، أنا إنسان أؤمن أن فلسطين لا تتسع لدولتين خاصة وأن واحدة منهما دولة عنصرية متخصصة للعنصر اليهودي، إضافة إلى أنني أحس أن فلسطين هذه كلها ملك، للشعب الفلسطيني، وفلسطين دائماً كانت ترحب بمن يرغب أو يستطيب العيش فيها ضمن حقوق متساوية مع جميع السكان بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الديني، لا يمكن أن تستمر حالة وجود دولة عنصرية في فلسطين، ما لا نستطيع تحقيقه اليوم سيتحقق مستقبلاً، هذا لا يعني مثلما يدعي اليهود أن العرب يريدون رميهم في البحر، أو ذبحهم، نحن لن نذبح أحداً، ذلك أن فلسطين دولة قابلة لكافة الأعراق والديانات عندما يتم الاتفاق على دولة متساوية للجميع بغض النظر عن الانتماءات الدينية أو العرقية·
لا لون لهم
ما رأيك في المستوى الذي بلغته الحركة الفنية للتشكيليين الإسرائيليين في فلسطين؟
التراث بشكل عام والفن بشكل خاص لا ينشأ من فراغ، نحن كفنانين فلسطينيين وعرب لنا جذور ممتدة في التاريخ، ولنا خصائصنا وتطلعاتنا وواقعنا، عندما ننظر وأنا كفنان تشكيلي أتابع ما يحدث في مجال الفن التشكيلي في إسرائيل فإننا نلاحظ أنه لا توجد مدرسة ذات اتجاه واحد، أما نحن فاستطعنا أن نوجد ملامح وخصائص خاصة بلوحاتنا وإنتاجنا الفني التشكيلي ليس في الأسلوب فحسب ولكن في المضمون أيضاً، حيث أن المضمون عند جميع الفنانين التشكيليين الفلسطينيين هو فلسطين، إنما اليهود الذين أتوا من فرنسا أو روسيا أو بريطانيا أو بولونيا فإنهم ما زالوا يرسمون كفنانين روس وبولونيين وإيطاليين حيث لا نستطيع القول بوجود مدرسة فنية تشكيلية إسرائيلية·
مما لاشك فيه أن الفن الفلسطيني هو فن إنساني، ما مدى تفهم المجتمع الدولي لذلك؟
لقد عرض الفنانون الفلسطينيون أعمالهم كثيراً خارج الوطن العربي، واستقبلت في متاحف وصالات عرض مهمة، وبالعادة فإن مثل هذه المتاحف لا تستقبل أي عمل، هناك من يقيمون أن العمل يستحق العرض في تلك الصالات والمتاحف أم لا يستحق، ومجرد العرض في مدن وعواصم أجنبية وفي صالات ومتاحف ومعارض تحترم نفسها، فإن ذلك شهادة في حد ذاتها أن الفن الفلسطيني وصل إلى مستوى عالمي·
لوحاتك تركز على المرأة والطفل والشيخ؟
المرأة رمز العطاء وهي فلسطين في معظم لوحاتي، والطفل هو المستقبل الذي نحرص عليه ونرعاه دائماً، أما الشيخ فهو الصبر والوقار والجذور الطيبة، فقد رسمت جدي ثلاث مرات، دلالة على التعلق بحكمة الشيوخ التي تعلمناها وهي 'ما ضاع حق وراءه مطالب'·

اقرأ أيضا