الاتحاد

دنيا

أسماء العرب في شوارع باريس

باريس ـ نايلة ناصر:
تتحدث فرنسا في هذه الأيام كثيرا عن ذاكرتها وتستعيد حقبات من تاريخها هي موضع خلاف بين أبنائها المتعددي الأعراق والأديان· وهذا ليس جديدا على الفرنسيين· فللذاكرة حضور طاغ في هذا البلد وأينما حللت تفرض المعالم التاريخية سيرها وحكاياتها عليك· مثال ذلك نجده في باريس هذه المدينة العريقة بقديمها، المعتزة به حتى الثمالة، تنضح بتواريخ تروي وقائع ماضيها وأمجادها· ويكفي للزائر أن يدقق في أسماء شوارعها ليقف على هذه الحقيقة الساطعة، فكأن شوارع العاصمة الـ 6500 معابر من ماضي الفرنسيين إلى حاضرهم· نجد أسماء فرنسية صافية وأخرى مطعمة بلهجات أمم العالم ولغاتها· أسماء يجمع بينها حرص فرنسا على تخليد ذكراها أحب ذلك الآخرون أم كرهوا· وللعرب نصيبهم فيها ويتمثل بأسماء ماضية ومعاصرة تستحق إطلالة قد تفيد في فهم علاقة هذا البلد بمغرب العالم العربي ومشرقه·
تحضر أسماء من المغرب العربي الكبير على جدران شوارع باريس بطريقة تعكس علاقة فرنسا المتفاوتة مع بلدان هذه المنطقة· وتشير مجمل الأسماء بطريقة أو بأخرى للتدخل الفرنسي في شمال أفريقيا في حين يبرز بعضها الآخر علاقات باريس الهادئة مع دول المنطقة أو بعض زعمائها البارزين·
في الجانب التاريخي نجد في الدائرة التاسعة عشرة من العاصمة حيا يجمع شوارع تنقلك أسماؤها إلى مدن وحواضر في شمال أفريقيا أرادت فرنسا تخليد انتصاراتها فيها· فالمغرب له ساحة يتفرع منها شارع المغرب وزقاق المغرب تعود تسمياتها إلى العام ·1846 يجاورها شارع طنجة، المرفأ المغربي الذي قصفه الفرنسيون في أغسطس ،1844 إلى شارع القبيلي( نسبة إلى منطقة القبائل الامازيغ في الجزائر ) التي أخضعت عام ،1857 إلى جادة الجزائر التي ترمز إلى اندراج الجزائر في الاتحاد الفرنسي التاريخي خلال الفترة الاستعمارية·
13 شارع للجزائر
وتحظى الجزائر وحدها بـ 13 شارعاً وهي نسبة عالية قياسا ببقية الدول الأفريقية· وتحتفي ثلاثة من هذه شوارع باحتلال الجزائر مباشرة كشارع موزاعيا ( 1839 ) وشارع مازغران ( 1840) وشارع سيدي إبراهيم (1845)·
ولعل للاسمين الأخيرين وقعا ألطف وأكثر أنساً بالنسبة لعامة الفرنسيين· فقد تبنوا كلمة مازغران، وهي تعني القهوة الخفيفة التي تقدم في قدح كبير وليس في فنجان صغير كما هي العادة وتنسب إلى قرية مازغران الجزائرية· وما زال الفرنسيون يطلقون اسم مازغران حتى اليوم على فناجين القهوة الطويلة وهي المفضلة عندهم حين تطول جلساتهم ويروق لهم الاستمتاع بقهوة مرفهة· أما اسم سيدي إبراهيم فيعني لغالبيتهم أنواعا من الخمور الحمراء كانت مدينة سيدي إبراهيم ومازالت تشتهر بها· وتجدر الإشارة إلى أن هذه التسميات أطلقت على الشوارع المذكورة خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر والتي دامت أكثر من 130 عاما·
علاقة راقية
من الجزائر إلى تونس تتبدل دلالة الأسماء وتظهر الذاكرة الفرنسية أكثر طراوة واقل تأزما فتشهد جادة تونس (تيمنا بالبلد) والحديثة التسمية (1984 ) الواقعة داخل 'حديقة مونسوري' في الدائرة الرابعة عشرة من باريس والمصنفة من بين أجمل مساحاتها الخضراء تشهد على احتفاء مختلف وعلاقة أرقى بين البلدين· تونس العاصمة لها أيضا شارعها وكذلك مدينة صفاقص نسبة إلى الميناء الذي كانت تصدر منه فرنسا الفوسفات، ومدينة بينزرت التي كانت مركزا لقاعدة بحرية فرنسية·
أما ليبيا فتحضر حصرا من خلال محطة مترو وجسر 'بير حكيم' على نهر السين تخليداً للمعركة التي واجهت خلالها القوات الفرنسية عام 1942 قوات نازية بقيادة رومل في واحدة من أشرس معارك الحرب العالمية الثانية·
وإذا كانت التسميات القديمة تذكر بغالبيتها بالمعارك الحربية والانتصارات الفرنسية فان التسميات الحديثة العهد تعبر عن علاقات الصداقة الوثيقة التي جمعت بين فرنسا وبين الملك المغربي الراحل محمد الخامس، وبينها وبين الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة· فقد دشنت في العام 2002 ساحة الملك محمد الخامس في باحة معهد العالم العربي بحضور حفيده
الملك محمد السادس والرئيس جاك شيراك، وقد جاء التكريم حسب البيان الصادر بهذه المناسبة للإشادة بدور الملك الراحل 'في تحرير شعبه والحفاظ على إخلاصه لفرنسا وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية حيث رفض كل أشكال التواطؤ مع دول المحور'· أما الساحة الثانية وتحمل اسم الحبيب بورقيبة فقد افتتحت عام 2004 وتقع بين جسري 'الالما' و'الانفاليد' على ضفة 'الكي دورسيه' المحاذية لنهر السين في الدائرة السابعة من العاصمة الفرنسية·
أسماء مشرقية
بالانتقال من مغرب العرب إلى مشرقهم تبدو ساحة بيروت الحديثة العهد وكأنها الصبية العربية الأكثر دلالا عند الفرنسيين لجهة موقعها الذي يجمع بين دائرتين عريقتين هي الثامنة والسادسة عشرة· وقد دشنت في يناير عام 1998 عند مفترق جادتي بطرس الأول ملك صربيا وجادة الجنرال مارسو على مقربة من الشانزيليزيه· وهناك أيضا شارع لبنان في الدائرة 20 وقد أطلق الاسم عام 1867 تيمنا 'بسلسلة جبال الجمهورية اللبنانية' وفق السجلات الرسمية يحاذيه منذ ذلك التاريخ شارع الموارنة أي الطائفة اللبنانية الكاثوليكية·
هناك أيضا شارع فلسطين الموجود منذ 1869 والذي يحمل الاسم لقربه من كنيسة القديس 'جان باتيست' الذي عمد في مياه نهر الأردن·
وتحتل الأسماء المستوحاة من مصر حصة الأسد بين دول المشرق· ففي الدائرة الثانية من العاصمة الفرنسية هناك ساحة وشارع وممر وغاليري تحمل جميعها اسم القاهرة· أقيمت الساحة عام 1799 احتفاء بدخول الجيش الفرنسي في يوليو 1798 إلى العاصمة المصرية·
وكان هذا النصر وقتها مصدر حماسة عارمة في باريس وبداية ولع غربي بمصر القديمة لم يخفت منذ حملة نابليون على مصر· ولا يزال قائما حتى الآن في الساحة بناء يحمل الرقم 2 يشد فضول المارة إذ تتجاور على واجهته الأمامية ثلاثة مجسمات لـ 'حاتور' آلهة الاحتفالات والحب عند الفراعنة يكللها إفريز من المحفورات الفرعونية والكتابات الهيروغليفية وزهور اللوتس·
وتصنف هذه الواجهة التي استوحى تصميمها المعماري الفرنسي 'برتييه' من الطراز الهندسي لبيت مصري في الكرنك، ضمن الإرث التاريخي الباريسي وهي ملك للدولة الفرنسية التي تتولى الحفاظ عليها وترميم وحماية معالمها·
أما ممر القاهرة حيث تقع الغاليري التي تحمل الاسم نفسه فقد عرف إزدهاراً كبيراً بعد إنشائه إذ كان يقصده الباريسيون للفسحة والتبضع من مخازنه الحديثة والمتقدمة على غيرها في ذاك الزمان كونه مسقوف بالزجاج على طول 370 مترا، ما كان يسمح للأنيقات الباريسيات بالتسوق وتمضية وقت ممتع بعيداً عن المطر ووحل الطرقات وضجيج عربات الخيل التي كانت تستخدم كوسيلة للنقل في تلك الأيام· وليس من المبالغة القول إن هذه المعالم في وسط باريس ذاك الزمان كانت أشبه بحي الشانزيليزيه الشهير من ناحية الرفاه والحداثة·
مصر الباريسية
ومن ساحة القاهرة تتفرع خمسة شوارع مصرية الهوى هي شارع القاهرة وشارع الإسكندرية وشارع دمياط وشارع أبو قير وشارع النيل· وفي حين أطلقت تسميات الشوارع الأربعة الأول تيمنا بالفتوحات البونابرتية لمصر فان شارع النيل يختلف بسيرته عن الشوارع السابقة إذ تتعدى التسمية حدود مصر لتخلد أكبر نهر في أفريقيا· وهذه عادة متبعة في فرنسا إذ تطلق أسماء انهار أجنبية مثل الدانوب والنيجر والفولغا على بعض الشوارع في العاصمة·
وفي حين قاومت هذه التسميات وطأة الزمن فقد اختلفت أنواع الحرف والمهن التي تمارس داخل الشوارع والأزقة الضيقة لهذا الحي الباريسي المحافظ على قديمه· كذلك اختلف رواده· فساحة القاهرة التي كانت مرتعاً لعاملات باريسيات يندفن قطن الأفرشة ويتندرن هامسات بالقصص الحميمة لأصحابها من مشاهير تلك الأيام، تحولت إلى ساحة انتظار للعمال المياومين من الجالية الباكستانية الذين ينتظرون فرصة عمل·
وتحول ممر القاهرة من مركز حرفيي الطباعة الفنية الأكثر شهرة إلى سوق لتجارة الألبسة وتجهيزات المحال لا يرتاده إلا تجار الجملة وصناع هذه المهن· ولم يبق من شهرة هذا الحي 'المصري' إذا جاز التعبير إلا شارع أبو قير حيث تتمركز محال الألبسة الجاهزة والأكسسوارات ولوازم الأناقة التي تبيع بأسعار متهاودة تقارب أسعار الجملة، ما يدفع إليها العديد من الأنيقات اللواتي يبحثن عن جدة الأزياء ورخصها في الآن معا·
رموز مصرية أخرى تحتفي بها شوارع باريس· منها شارع الدلتا ( الدائرة 19 من العاصمة ) الذي ما زال شاهدا على تسميات درجت مطلع القرن التاسع عشر بفعل الهوس النابليوني بمصر· وشارع 'فيلا سعيد' وهي طريق خاص في الدائرة السادسة عشرة يكرم سعيد باشا وهو الابن الرابع لمحمد علي باشا الذي حكمت عائلته مصر منذ 1805 حتى 1952 وكان الملك فاروق آخر ملوكها· وجاء هذا التكريم لسعيد باشا من قبل مقاول فرنسي بمثابة شكر وتقدير للباشا على دعمه لمشروع 'فردينان دو ليسابس' بشق قناة السويس، الإنجاز الضخم الذي يبقى في ذاكرة مدينة باريس من خلال شارع السويس 1884 وزقاق السويس ·1889
ويستمر حضور مصر أيضا قرب متحف اللوفر حيث يقع شارع وساحة 'البيراميد' اللذان يخلدان نصر بونابرت على المماليك قرب أهرامات الجيزة في 21 يوليو ·1798 ويذكر التجوال في الشارع بمصر الفرعونية فهناك مقهى ومطعم الأهرامات وهو فرنسي الوجبات إلى جانب محال للتحف والهدايا تحمل الاسم نفسه· ومن على أرصفة ساحة الأهرامات يستطيع المتنزه رؤية مسلة 'ساحة الكونكورد' التي أهداها محمد علي إلى نابليون الثالث سنة 1831 والتي يصنفها المعجم التاريخي لشوارع باريس ك 'أقدم نصب اثري في المدينة إذ يرجع تاريخها للقرن الثالث عشر قبل المسيح'·
وكانت أم كلثوم سيدة الغناء العربي قد أصرت في حديث شهير لها مع صحفي فرنسي سألها عن مشاعرها وهي تتنزه حول مسلة الكونكورد فأجابته قائلة: الله حضرتك بتقصد مسلة الأقصر مش كده يا أفندم؟!·

اقرأ أيضا