الاتحاد

دنيا

بيوت دمشق تتكلم في لوحات أحمد سليمان

دمشق ـ عمّار أبو عابد:
الفنان التشكيلي أحمد سليمان عاشق من عشاق دمشق القديمة، يتجول في حاراتها القديمة، ويستلهم من حجارة معمارها، ودفء أزقتها ألق التاريخ، فيسكب ألوانه عشقاً، ليلون حاراتها وعمارتها بالألوان الدافئة التي تعكس نبض الحياة بشفافية·وعبر اثنتين وأربعين لوحة، حكى بعضاً من وقائع الشام القديمة وتجلياتها، وهو هنا يحتفي بالمكان كتاريخ وذاكرة وواقعاً لا يزال ينبض بالحياة والحيوية، فيرسم دمشق كما هي الآن، كأنه يبعث برسائل احتجاج باسمها، أو يطلق صرختها، كي يزال عنها التشويه الطارئ، وكي تعود إلى طبيعتها صافية دون شائبة·
على أن غرق أحمد سليمان في عشق دمشق القديمة، لم يمنعه من التعبير عن موضوعات حارّة كمذبحة قانا، أو أطفال الانتفاضة، أو عن حالة روحية كلوحة (العشاء الأخير) التي تتصدر صالون إحدى كنائس دمشق العريقة·
دمشق (تاريخ وذاكرة)، كان هذا عنوان معرضك الفردي الأخير، فماذا قصدت بذلك؟
عشت في دمشق نحو نصف قرن، وعايشت معها أفراحي وأتراحي، قدمت لها كل ما مضى من عمري، وقدمت لي الكثير، لذلك رغبت أن يكون معرضي الأخير عرفاناً لها بفضلها، وعربون وفاء ومحبة، إذ لا يمكن لأي فنان يعيش في دمشق، ولا يكون وفياً لها· إن الذاكرة هي ذاكرتي، ذاكرة الحب· أما التاريخ فلدمشق، لأنها مهد الحضارات، ومركز انطلاقها على مر أجيال الزمن، ومراحل إبداعه·
وكيف اختصرت دمشق القديمة بالمساحات اللونية؟
لم أختصر دمشق، بل عبرت عنها باثنتين وأربعين لوحة ولا يزال أمامي (15) لوحة، وقد تجاهلت الكثير من تفاصيلها الجميلة، وأزعم أن مائة فنان لا يستطيعون رسم كل ما في دمشق القديمة، لأنها مملوءة بالتفاصيل الجميلة التراثية التي تستحق الرسم، ولهذا فقد رسمت من كل منطقة ما هو مميز فيها من منظوري الخاص·
تفاصيل المكان
يلاحظ أن عنصر المكان أخذ حيزاً مهماً وأساسياً من لوحاتك، فهل هذا نوع من نقل الواقع؟
إن المكان ذاته هو روح لوحاتي، وقد طلب مني صديقي الشاعر كمال فوزي الشرابي وأساتذة آخرون من أبناء دمشق أن أغطي دمشق القديمة ضمن السور في لوحاتي، وكان هذا مشروعي الأخير الذي أعمل عليه، وهو رسم كل الأحياء داخل السور، فرسمت حارات حي القيمرية والجامع الأموي إلى حي باب توما، ومن النوفرة وباب حيرون وسوق ساروجة مروراً بالعمارة الجوانية، وبين السورين حارات وأزقة متفرعة ذات اليمين وذات الشمال، تنبض بالحياة والمحبة، وتزدهي بمدارس العلم القديمة والمساجد والمعالم الأبدية، وهكذا رأيتني شغوفاً بدمشق مسطراً بألواني تجلياتها وحياتها الاجتماعية البسيطة الطيبة·
هل تدقق في التفاصيل، وكيف تتعامل مع الزمن في المكان؟
أنا أنقل الحدث في المكان، أو المكان عبر الحدث، فالزمان والمكان يندغمان في لوحاتي، لأني قد أدخل إلى المكان رمزاً معيناً يشير إلى الزمان، أو إلى حادثة مشهورة جرت في زمن معين·
لكننا نجد التفاصيل في بعض أعمالك، فأنت لا تزيل التشويهات أو الرسومات الطارئة عن الجدران؟
هذا صحيح، لأني أردت أن أكون صادقاً في هذا المعرض، فأعبر عن الواقع كما هو، كي ينظر الناس إليه بمنظور أعمق، فأنا مثلاً رسمت الأسلاك الكهربائية التي تعلو المنازل وتشوه المنظر العام، كي أشير إلى التشويه الذي تلحقه بأحياء دمشق القديمة، وكي أعبر عن الاحتجاج، وأقول لك عندما رأى محافظ دمشق اللوحات وعد بنقل هذه الأسلاك تحت الأرض·
أقرأ وأسمع وأرسم!
هل أنت واقعي انطباعي في لوحاتك عن دمشق؟
لا بد أن تدخل انطباعية الفنان، حتى لو لم يرغب بذلك من خلال المنظور الذي يتخذه أساساً للوحة، ومن خلال لعبة الألوان، وتجاهل بعض التفاصيل، والتركيز على بعضها الآخر، وثمة أمر آخر أراه مهماً، وهو شعوري بالمنطقة ومعرفتي لتاريخها، إذ إنني أقرأ عن أحياء دمشق، وأتكلم مع مخاتير المنطقة قبل البدء بالرسم، وذلك كي ألم بأصول المنطقة· لذا لا تبدو في لوحاتي منطقة صامتة، بل تعبر كل لوحة منها عن موقف أو تاريخ أو حادثة·
وماذا عن الانطباعية من خلال لعبة الألوان؟
قد أختار ألواناً نارية لرسم منطقة شهدت احتجاجاً أو اعتصاماً في القديم، أو أختار ألواناً غنية قوية لرسم المنطقة التي عاش فيها أمراء أو ملوك، أما أحياء الفقراء فأختار لها ألواناً باهتة وشفافة·
بعض الفنانين عندما يرسمون دمشق القديمة، يعيدون إليها الرونق في لوحاتهم، فلماذا تخالفهم في نهجهم؟
أنا أفضل رسم المكان كما هو، فأرسم الشام القديمة لأنها عتيقة وأثرية، ولن أعمد إلى ترميمها أو إزالة معالم القدم عنها، أو محو التشويهات التي لحقت بعمرانها أو بحاراتها·
السماء الزرقاء الصافية حاضرة دائماً في معظم أعمالك، وكأنك تصر على دمج المكان بالسماء؟
السماء في أعمالي هي متنفس اللوحة، مما يعطي الراحة لعين المتلقي، كما أن حضورها يجعلني أوجّه أشعة الشمس، وأرسم الظلال المطلوبة، مما يعطي اللوحة جماليتها·
عندما تحكي البيوت
نلاحظ أن البيوت في لوحاتك هي التي تتكلم، بينما يبدو الناس كموجودات، لماذا قمت بهذه العملية العكسية؟
يعود ذلك إلى المنطقة التي أرسمها، فالحارات الدمشقية ضيقة وقليلاً ما نجد الناس يتجولون فيها، كما أن البيوت هي الموضوع الذي أركز عليه، لكنك ترى أنني عندما رسمت سوقاً شعبياً كنت أركز على الناس، حياتهم وعلاقاتهم، ولذلك لم يأخذ المكان الحيز الذي أخذه الأشخاص، ومن ناحية ثانية فإنني عندما لا أشير إلى الأشخاص في لوحاتي، فإن الأبواب والنوافذ تظهر لتعبر عن الأشخاص الذين يعيشون وراءها، ويمكنني أن أعبر عن منزل دون أن أظهر الأشخاص من خلال شكل البيت وحالة النوافذ·
وهل تفكر بالدخول إلى بيوت دمشق القديمة واكتشاف أسرارها، أم أنك تعتقد أن الأزقة والحارات وحدها تعبر عن المدينة؟
الأزقة وحدها لا تكفي للتعبير عن دمشق وجماليتها، ولكن مشروعي الحالي أن أرسمها، وبعد ذلك أرغب في رسم البيوت العربية القديمة من حيث جماليتها، فكل بيت يحمل قصة، لو تكلمت لطرحت دواوين شعر عن تاريخ دمشق وجماليتها وعراقتها·
وما الذي يلفتك في بيوت دمشق القديمة؟
هذه البيوت تتكلم عن نفسها، فهي تعبر عن حالة العائلة التي تسكنها، لذلك لا تجد بيتاً مشابهاً للآخر، فالاختلاف يكون إما بالحالة الاجتماعية، أو بعدد أفراد الأسرة، أو بمساحة وشكل البيت، أو في طبيعة العلاقات بين أفراده·
وهل يؤرخ أحمد سليمان لتاريخ مدينة، أم يسجل رأيه فيها؟
أنا أتعرض بلوحاتي لتاريخ مدينة من خلال منظوري الخاص، وأدخل انطباعاتي بأسلوب بسيط ومنطقي يحاكي جماليتها·
وما هي الرسالة التي تبعث بها عبر لوحاتك؟
أبعث برسالة دمشق إلى العالم، بجمالها وواقعها، ومن خلال لوحاتي يتجلى الجمال الظاهر والآخر المتخفي وراء أسلاك الكهرباء أو غيرها من الأمور التي تشوه دمشق القديمة، لأني أرغب أن تعود إلى صفاء فنها المعماري·
لوحة العشاء الأخير
ما الصعوبات التي واجهتك؟
تخصصت بالرسم الواقعي في لوحات دمشق القديمة، ولذلك لم أستطع عبر لوحة واحدة التعبير عن أشياء رغبت في التعبير عنها·
عناقيد العنب، ماذا تعني في بعض لوحاتك؟
عناقيد العنب تعني الغضب، وأنت تراها عندما تشاهد لوحتي عن مذبحة قانا، فهناك امرأة تصرخ ونخيل مكسور، وعنقود غضب·
ألوانك النارية والقوية تحولت مؤخراً إلى ألوان هادئة، كيف تفسر ذلك؟
لقد كنت أعمل طيارا حربيا، لذلك كانت الحركة أمر أساسي في حياتي، وكنت أرى الدنيا بمنظور عملي وقوي ونشيط، لكني الآن، وبعد تقاعدي تحولت إلى الرماديات والألوان الهادئة بما يتوافق مع حالتي النفسية·
أنت تمارس الحرق على الخشب، فمتى تفضل الرسم، ومتى تميل إلى الحرق؟
موضوع اللوحة يفرض نفسه، فعندما عبّرت عن أطفال الانتفاضة كان لا بد لي من رسمهم، وأما التعبير عن (العشاء الأخير) مثلاً، فكان من الأفضل أن يكون بالحرق على الخشب·
لماذا؟
(العشاء الأخير) صورة ذهنية، وهي ليست أمامي، ولا على التلفاز أو في الصحف، وهي أيضاً ليس حالة معاشة، لذلك كان لا بد لي من أن أعبّر عما أتخيل، ولا أزيد في الوقائع كما في الرسم·
رأينا لوحة (العشاء الأخير) في بعض كنائس سوريا، وفي معارض خارجها، فماذا يعني ذلك لك؟
لقد أردت تقديم اللوحة كهدية لإحدى الكنائس في دمشق، وأيضاً قدمتها لبعض المعارض في روسيا، وذلك كي أعبر عن الطابع الروحي، وعن المحبة والتسامح تجاه إخوتنا المسيحيين·

اقرأ أيضا