الاتحاد

عربي ودولي

فيرونيك دي كايسير بداية بلا أمل


السعد عمر المنهالي:
لم يهنأ الفلسطينيون كثيرا بتمنيات العام الجديد، فما لبث العام في أيامه الأولى أن حمل لهم من الخيبة والشرور ما يكفيهم لكي تتوقف أحلامهم، فرغما عن ظروفهم البائسة تحت نير الاستعمار، إلا أن توقعاتهم بانتخابات تشريعية -الأولى منذ وفاة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات- آمنة وهادئة ذهبت أدراج الرياح، بسبب الظروف الأمنية المتردية التي تعانيها أراضي السلطة الفلسطينية من حالات اختطاف الأجانب المتكررة وتفجير ناد تابع للأمم المتحدة في أول أيام السنة، وتردي الوضع الصحي لرئيس الحكومة الإسرائيلية 'أرييل شارون' الذي من شأنه قلب خارطة القوى السياسية في سلطة الاحتلال رأسا على عقب·
ورغم هذا لايزال البعض يعيش على أمل أن تحل السياسة بعضا من عقد القضية كما صرحت بذلك 'فيرونيك دي كيسير' رئيسة بعثة الإتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات الفلسطينية في الثالث من يناير الجاري، بقولها: 'يجب أن يحل النزاع الإقليمي من خلال السياسة وليس من خلال العنف'·ولدت 'فيرونيك دي كيسير' في الثالث والعشرين من مارس عام 1945 في بلجيكا··درست علم النفس في جامعة 'بروكسل'، ومنها حصلت على درجتها العلمية عام 1968 وهي في الثالثة والعشرين من عمرها، بينما حصلت على درجة الدكتوراة في علم النفس الصناعي عام ،1976 -وهو حقل في علم النفس يركز على دراسة سلوك الأفراد في سياق العمل الإداري والصناعي والخدمي- فركزت دراستها التطبيقية على سلوك الإنسان العامل في ببيئة خطرة كمحطات الطاقة النووية والطيران وصناعة الألغام والفولاذ·
جسور التواصل
وظلت 'فيرونيك' تعمل منذ تخرجها في مركز بحوث 'بروكسل' الصناعية حتى ،1984 ثم انتقلت منذ ذلك الحين لتصبح أستاذا محاضرا في جامعة 'ليجي' عام ،1988 ثم في كلية علم النفس وكلية التربية في الجامعة ذاتها منذ عام 1990 وحتى عام ·1998
ترأست 'فيرونيك' خلال جمعية علم النفس البلجيكي لمدة أربع سنوات حتى عام ،1994 وفي عام 1995 عملت كمنسق علمي في مركز من أكبر المراكز العالمية للبحث في حقل علم النفس الصناعي حول العالم، وبعدها ترأست جمعية علم النفس التنظيمي الأوروبية منذ عام ،1996 كما ترأست المنظمة الفرنسية للهندسة الإنسانية، ومنظمة بلجيكا لعلم النفس·
كان اهتمام 'فيرونيك' بعلم النفس شاغلها الأهم، ومنذ بداية التسعينيات وبعد سقوط حائط برلين اهتمت بشكل خاص بدعم جسور التواصل بين أوروبيي الشرق والغرب، فدعت إلى تبادل الزيارات والمنح الدراسية والبحوث بين طرفي القارة، وهي نفسها انتقلت إلى موسكو لتدرس في جامعتها عام ،1999 وأصدرت هناك كتاب 'الخطأ البشري في شرق وغرب أوروبا'·
لم يكن تواصل 'فيرونيك' ناحية شرق أوروبا فقط، فقد شاركت في نشاطات إنسانية وعلمية في دول جنوب العالم، في إفريقيا وأميركا اللاتينية، فعملت في جامعة 'كوناكري' في غينيا وجامعة 'تيوتي' في البرازيل، كما حملت هم التواصل العلمي مع مختلف الثقافات في العالم·
قطعت النائبة 'فيرونيك دي كيسير' شوطا طويلا في العمل الأكاديمي والبحثي قبل أن تصل إلى البرلمان الأوروبي، ورغم انشغالها العلمي الكبير إلا أن توجهها الأيديولوجي كان يمكن التنبؤ به، سيما وأن دراستها ركزت على حالة وسيكولوجية الطبقة العاملة، ولذا فإن انتمائها للحزب الاشتراكي في بلادها يعد منطقيا ومتواكبا مع دراستها العملية، غير أنها لم تدخل السياسة التنفيذية إلا عندما رشحت عن حزبها لتمثله في البرلمان الأوروبي، وهو ما حدث عندما أصبحت عضو بلجيكا في البرلمان في الثاني عشر من سبتمبر عام ·2001
السلام ··والحوار
وعلى ما يبدو أن دراسة سلوكيات البشر تحولت لدى 'فيرونيك' إلى دراسة سلوكيات الدول بعد أن كانت عضوا في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، وخلال عملها في اللجنة شغلت بالعراق سيما في تلك الفترة الحساسة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب الأميركية على الإرهاب، فزارت العراق مرتين قبل الحرب، الأولى في سبتمبر عام 2002 عندما شاركت في زيارتها بعض النواب الاشتراكيين في مهمة أعلن وقتها أنها 'من أجل السلام والحوار'، كونها كانت من أشد المعارضين للحرب الأميركية ضد العراق، وحذرت من ويلات أمر كهذا على حياة المواطن العراقي·
عملت 'فيرونيك' في كل من لجنة البيئة ولجنة حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين واللجنة الفرعية لحماية المستهلك والسوق الداخلية، إذ لا يمكن تجاهل دورها في ملفات مهمة في هذا الشأن، كملف ضمان وصول الأدوية إلى الأسواق وعملها في تقرير اللجنة حول تلويث مياه البحار والمحيطات، غير أن عملها في لجنة الشؤون الخارجية كان الأكثر بروزا، فقد زارت 'فيرونيك' لأكثر من مرة كل من إيران وفلسطين وتركيا ومصر وسوريا ولبنان والامارات العربية وسلطنة عمان واليمن والمملكة العربية السعودية، وذلك في محاولة لتكون فهم سياسي أفضل لهذا الجزء من العالم·
بالفعل استطاعت 'فيرونيك' أن تحقق نجاحا ملموسا في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي خاصة ما يتعلق بهذا الجزء من العالم، فأصبحت المقرر البرلماني لاتفاقية الشراكة السورية الأوروبية، وترأست اللجنة الأوروبية المكلفة من الاتحاد الأوروبي لمراقبة عملية الانتخابات التشريعية والتي بدأت في الرابع من يناير الجاري بحملة الدعاية الانتخابية للمرشحين، غير أن نجاحها في الظهور في اللجنة المكلفة بالمراقبة لا يعني بالضرورة نجاح دور الاتحاد الأوروبي في ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والذي لا يتناسب مع ما تقدمه من دعم مادي في نفس القضية·
منذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994 والاتحاد الأوروبي يقوم بدور كبير لدعم عملية السلام هناك، سواء، وذلك بناء على ما صدر عن إعلان البندقية عام 1980 عندما عبرت المجموعة الأوروبية عن دعمها لحق تقرير المصير للفلسطينيين، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الدول الأوروبية المتمثلة في الاتحاد الأوروبي أكبر مانح لتنمية المناطق الفلسطينية في كافة القطاعات، وهو الدور الذي تضاعف بعد توقيع اتفاقات أوسلو لمساعدة الفلسطينيين للتكيف مع مسؤوليات الحكم الذاتي في المناطق الفلسطينية وتهيأ الظروف لقيام دول مستقلة وسلام دائم·
ظلت الإصلاحات السياسية داخل السلطة الفلسطينية تستحوذ على القدر الأكبر من الدعم الأوروبي المقدم، فلم يتوانى الأوروبيون أبدا عن تقديم المساعدات المالية لدفع العملية الديموقراطية أو تقديم الخبرات اللازمة لمساعدة الفلسطينيين في بناء الهياكل اللازمة لإقامة دولة مستقلة قابلة للبقاء، وعندما جرت الانتخابات الوطنية الفلسطينية في يناير عام 1996 -انتخب الرئيس مباشرة و88 عضوا للمجلس التشريعي- كان اسم الاتحاد الأوروبي على رأس قائمة الداعمين الدوليين لهذا الحدث·
تتركز المعونات الأوروبية المقدمة للعملية الانتخابية في الأراضي الفلسطينية في تقديم خبرات فنية بخصوص عمليات الانتخابات، وتوفير مراقبة وضبط لعملية الانتخابات والتأكد من نزاهة وسلامة كافة إجراءاتها، والمساهمة في مساعدة الناخب وتثقيف الجمهور، ورغم الدور الكبير التنفيذي الذي يتولى الاتحاد الأوروبي بكافة مؤسساته مسؤوليته القيام به، إلا أن الدور السياسي لازال محدودا في عملية السلام برمتها·
خافيير··وحماس
غير أنه - ورغما من محدوديته- إلا أنه يظل ومن وجهة نظر الكثير من الفلسطينيين غير حيادي· وهذا ما حاول الأوروبيون تجاوزه مؤخرا بموقفهم حول مشاركة حركة المقاومة الإسلامية حماس، فقد أكد 'خافيير سولانا' مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في الثامن عشر من ديسمبر العام الماضي أن الاتحاد لن يحاول معارضة مشاركة حماس في الانتخابات المقررة -رغم أن حماس مدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية منذ عام 2003-، غير أنه حذر من الانعكاسات المترتبة على احتمال فوز حماس في الانتخابات قبل أن تعلن تخليها عن العنف وتعترف بدولة إسرائيل·
إذا فمستقبل علاقة الإتحاد الأوروبي بالسلطة الفلسطينية ستكون على المحك في حالة فوز حماس على أغلب مقاعد المجلس التشريعي، وهذا ما أكده 'سولانا' بأن المعونات الأوروبية قد تتوقف إذا فازت حماس، ورغم هذا أعلنت 'فيرونيك دي كايسير' رئيسة البعثة الأوروبية التي تضم ستة وثلاثين مراقبا أوروبيا قادما من كافة دول الاتحاد الأوروبي، أنها تتعامل مع حماس مثل أي قوى سياسية أخرى مشاركة في الانتخابات، وإذا كانت قضية مشاركة حماس واحتمال فوزها الموضوع الأكثر بروزا في موضوع الانتخابات، فإن موضوع مشاركة المقدسيين في القدس الشرقية لا يقل أهمية وإن كان التأكيدات الأميركية والتطمينات الإسرائيلية قد قللت من خطره·
قد تبدو هذه القضايا هي الأكثر إلحاحا في الأيام التي تسبق الانتخابات المقررة في الخامس والعشرين من يناير الجاري، إلا أنها ليست الوحيدة، فحسب معطيات الواقع، تواجه خريطة القوى الفلسطينية تحديات كبيرة خلال الأيام المقبلة أهمها الخطر الأمني، فتردي الحالة الأمنية وانعدام النظام والأمان، فعلى على عكس ما ذكرته النائبة البلجيكية ورئيسة الوفد الأوروبي بأن النزاع الإقليمي يجب أن يحل بالسياسية لا من خلال العنف، قررت الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية أن تجعل من الصراع الأداة الرئيسية للتعامل مع الواقع الفلسطيني، وكأن الوضع السياسي الذي تعيشه السلطة الفلسطينية والضغوط القادمة من التغيرات السياسية المحتملة في سلطة الاحتلال الإسرائيلي واحتمال قدوم أصحاب توجهات مختلفة تماما عما سبق الانتخابات، كان ينقصه عمليات خطف وتفجيرات يقوم بها فلسطينيون في هذا الوقت الحساس، فأي أمل يحمله العام الجديد على بقعة أقل ما يقال عنها أنها متفجرة·
Als_alanad22l@emi.ae

اقرأ أيضا

الاتحاد الأوروبي يشرح لمواطنيه عواقب "بريكست" بدون اتفاق