الاتحاد

قطر.. تنتحر

«نيمار- قطر» .. الصفـقـة المشبوهة

عمرو عبيد (القاهرة)

تجمد المشهد تماماً، في سوق الانتقالات العالمية للاعبي كرة القدم، بعد قنبلة انتقال البرازيلي نيمار دا سيلفا لاعب برشلونة الإسباني إلى باريس سان جيرمان، خلال «الميركاتو الصيفي» الحالي، فالصفقة المجنونة تخطت حدود «الساحرة المستديرة»، وامتزجت بلعبة السياسة بشكل واضح تماماً للعيان، بعدما قرر جهاز قطر للاستثمار المالك للفريق الفرنسي، ممثلاً في رئيسه ناصر الخليفي، التخلي عن كل الأعراف والقواعد الأخلاقية التي تحكم انتقالات اللاعبين في العالم، بالتعاقد مع نيمار، عن طريق دفع الشرط الجزائي الضخم في عقده مع «البارسا» الذي يبلغ 222 مليون يورو. وإذا كانت رغبة اللاعب كما يروج البعض هي ما تدفع الكيان القطري المستتر خلف الواجهة الباريسية، لتنفيذ تلك الصفقة، فلماذا لم تتعامل الإدارة القطرية للنادي الفرنسي بهذا التعاطف نفسه مع رغبة الإيطالي ماركو فيراتي في الرحيل إلى برشلونة في صفقة قانونية نظيفة!

ووسط حالة من الغضب والاستنكار في الحقل الكروي العالمي، جراء محاولة إتمام تلك الصفقة، تبحث قطر ممثلة في باريس سان جيرمان عن تجميل وجهها السياسي القبيح، واستخدام هذا المال الملعون في استقطاب نجم كروي بارز، واللعب على مشاعر عشاق أكثر الألعاب شعبية في العالم، وكأن الفساد السياسي ودعم الإرهاب لا يكفيان الكيان القطري، فقرر أن يمد أذرع هذا الفساد إلى اللعبة التي تمتع الملايين في العالم، وهذا لا يحدث للمرة الأولى، ففي كواليس حصولها على تنظيم «مونديال 2022» الكثير من الشوائب والرشاوى والفساد الهائل، وليست تصريحات دوناتو دي كامبيلي - وكيل فيراتي- ببعيدة عندما أعلن أن لاعب الوسط الإيطالي سجين لدى أمير قطر الذي يخشى على منصبه من غضب الدوحة في حالة رحيل فيراتي.

تلك الصفقة ربما تتجاوز المليار يورو في الإجمالي غير المعلن، حيث ستبلغ قيمة الصفقة ما يقرب من 500 إلى 800 مليون يورو، خلال مدة التعاقد مع نيمار التي تبلغ، كما أشارت التقارير العالمية خمس سنوات، ما بين 222 مليون يورو قيمة الشرط الجزائي، في عقد البرازيلي مع برشلونة، وإجمالي ما سيتقاضاه اللاعب طيلة خمس سنوات، وهو المقدر بحوالي 255 مليون يورو، بالإضافة إلى إعلان صحيفة «لو فيجارو» عن دراسة تشير إلى حصول الخزانة العامة الفرنسية على ما يقرب من 300 مليون يورو، جراء هذه الصفقة، ولا يمكن تجاهل التقارير المهمة الصادرة عن مؤسسات اقتصادية ألمانية التي أشارت إلى رغبة قطر في أن يكون نيمار سفيراً فوق العادة لـ «مونديال 2022»، في مقابل 300 مليون يورو خارج الصورة الرسمية لصفقة انتقاله إلى بي إس جي، هذا بالإضافة إلى تقارير برازيلية محلية فجرت مفاجأة مخجلة أيضاً وهي حصول وكيل اللاعبين الإسرائيلي، بيني زاهافي، على 18 مليون يورو من الجانب القطري، لتسهيل إتمام الصفقة، ليصل الإجمالي إلى مليار يورو، تحمل رائحة فساد وتلاعب تزكم الأنوف، خاصة مع لجوء الجانب القطري للزج باسم إحدى شركات الاستثمار الرياضي، للهروب من أي عقوبة من جانب الاتحاد الأوروبي للعبة، وهو ما جعل رابطة «الليجا» ترفض قبول قيمة الشرط الجزائي لنيمار، وأعلن رئيس الاتحاد الإسباني التحدي مهدداً بعدم الصمت على هذا الخرق الفج لقواعد اللعب المالي النظيف في الوقت الذي أكدت في إدارة برشلونة أنها ستتقدم بشكوى إزاء هذا التصرف من جانب باريس سان جيرمان، في حين أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «الويفا»، أصدر بياناً أوضح فيه أنه سيقوم في إطار عملية المراقبة المستمرة للأندية بمراجعة كل تفاصيل الصفقة، وبحث كل ما يتعلق بها قبل الحديث عن مخالفتها للقواعد، قبل أن يوجه إنذارا للنادي الباريسي، مطالباً إدارته القطرية بالكشف عن كيفية سداد قيمة صفقة نيمار!

وفي تأكيد لتسييس تلك الصفقة حسب الأهواء القطرية، كشف تقرير بول هاوارد الصحفي اللامع بجريدة تيلجراف البريطانية عن أن صفقة نيمار هي سياسية في المقام الأول، خاصة أن الكيان القطري يحتاج لتجميل صورته بأي ثمن في الفترة الحرجة الحالية، ففي الوقت الذي يتحرك فيه جهاز قطر للاستثمار المالك للنادي الفرنسي، من أجل الحصول على خدمات اللاعب البرازيلي كانت قطر تشكو لمنظمة التجارة العالمية بشأن المقاطعة التجارية التي أدمت الاقتصاد القطري بشدة، وقال هاوارد: في الوقت الذي تقلصت فيه الواردات القطرية بنسبة 40% بسبب مقاطعة جيرانها العرب لها، فإن تلك الدولة تسعى لإتمام صفقة رياضية توازي 222 مليون يورو في أولى خطواتها، وحتى لو بقى نيمار في باريس، فإن هذا الانتقال قد يسعف الواردات القطرية الغارقة حالياً، والأهم أنه سيكون الانتقال السياسي الأول في تاريخ انتقالات اللاعبين في العالم.

وأضاف هاوارد: لا يمكن وصف تلك الصفقة بأنها «رياضية»، لأن المنطق يشير إلى بحث النجم البرازيلي الشاب عن مزيد من التحدي في عالم كرة القدم، من أجل استمرار صعوده وتحقيق المجد الكروي الذي يبحث عنه أغلب اللاعبين، وهو ما لا يحدث الآن حيث سينتقل صاحب الـ 25 عاماً في صفقة تحمل الصبغة الصينية، لكنها داخل أوروبا، وهو ما يؤكد أن الصفقة سياسية، أو حتى مالية وإن لا يوجد اختلاف بينهما حالياً، حيث يلعب المال دوراً كبيراً في عالم السياسة، ويجمعهما الكثير من الفساد، والمعنى الذي قصده الصحفي الانجليزي واضح، وهو أن نيمار سيتراجع إلى الخلف باللعب في الدوري الفرنسي الأقل في المستوى من كبرى بطولات الدوري الأوروبية، وهو ما ينفي صفة التنافس الرياضي عن هذا الانتقال، وما حاول البعض إلصاقه بنيمار من رغبة في الخروج من ظل ميسي في البارسا، خاصة بعد رسائل الوداع الراقية بين النجمين على مواقع التواصل الاجتماعي!

وواصل صحفي التليجراف تحليله الرائع، قائلاً بأن حلم «بي إس جي» في الفوز بدوري الأبطال ورفع قيمة علامته التجارية، هو أمر مشروع، لكن إذا صدقت تلك النية فإن الحلم يحتاج إلى من هو أكبر من نيمار، بل كان أولى بالإدارة القطرية أن تستثمر هذه الأموال الطائلة في أندية أخرى داخل نطاق البطولات الكبرى في إسبانيا وإنجلترا وإيطاليا، ولهذا فإن السؤال لماذا فرنسا؟ ، والإجابة لا تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد، لأن التحول هنا كان في عملية حصول الكيان القطري على تنظيم «مونديال 2022»، وما دار في الكواليس مع ميشيل بلاتيني و نيكولا ساركوزي.

كما خاض هاوارد أكثر في الشأن السياسي المتعلق بتلك الصفقة، عندما أشار إلى أن قطر المنبوذة حالياً من قبل جيرانها تسعى لتحسين صورتها، لكن يبدو أن قرارها بشأن نيمار خاطئ للغاية، فإصرارها على إتمام تلك الصفقة غير النظيفة، أكد على صحة موقف السعودية والإمارات والبحرين فيما أعلنوه حول أن الثروة السيادية القطرية عدوانية جداً، وهو ما سيكشف الأمور تماماً أمام باقي دول الخليج العربي، ويبرهن على الخلفية الجيوسياسية التي تسعي قطر الصغيرة اليائسة من خلالها لتحقيق أهمية لها على المدى الطويل.

صحف عالمية: قطر تسعى إلى «غسل سمعتها» من خلال صفقة نيمار

دينا محمود (لندن)

أجمعت وسائل الإعلام العالمية على أن شراء نادي باريس سان جيرمان الفرنسي لكرة القدم، المملوك لجهاز قطر للاستثمار، للنجم البرازيلي نيمار يشكل إحدى المحاولات المستميتة لـ «الإمارة المارقة» للخروج من نطاق العزلة المضروب عليها حالياً، وغسل ثوبها الملوث بفضائح دعمها للإرهاب ورعايتها للتطرف وترويجها لخطاب الكراهية.

وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إلى أن الصفقة التي قد تصل قيمتها إلى 263 مليون دولار، تشكل تحركاً على صعيد العلاقات العامة من قبل «قطر المعزولة»، بسبب تمسكها بمواقفها المرفوضة عربياً ودولياً. وفي تقرير إخباري مطول، أوضحت الصحيفة أن الحصول على توقيع النجم البرازيلي - الذي يلعب حالياً لفريق برشلونة الإسباني - يمثل محاولة من قطر لكي تُظهر لـ «المستثمرين والحلفاء الأجانب» أنها لم تتأثر بالإجراءات الصارمة التي اتخذتها الدول الداعمة لمكافحة الإرهاب ضدها قبل نحو شهرين، وهو ما يكشف - على ما يبدو - عمق المأزق الذي تعاني منه «الإمارة المعزولة» في هذا الصدد إلى حد يدفعها لاستغلال أي وسيلة لإنكار ما حاق بها من أضرار بسبب سياساتها المتصلبة. ولفت التقرير الانتباه إلى ما تبذله السلطات القطرية على الدوام من جهود محمومة لاستغلال الرياضة كـ «وسيلة لرفع المكانة»، في انتقاد ضمني من جانب الصحيفة لما يضفيه ذلك من صبغة سياسية غير مرغوب فيها على المجال الرياضي.

وتنقل «واشنطن بوست» عن كريستوفر دافيدسون - المحاضر في جامعة درَّم البريطانية بشأن الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط - قوله إن «القطريين يحاولون تسجيل هدفٍ بالمعنى الحرفي للكلمة» من خلال إنفاق هذه الأموال الطائلة على تلك الصفقة التي يرى كثيرون أن ما خُصص لها من مالٍ مبالغٌ فيه بشدة.

وفي مؤشر على تعمد القطريين «تسليع» البشر وتوظيفهم لتحقيق مآرب الدوحة، قال دافيدسون إنه سيتم النظر إلى نيمار «على أنه استثمارٌ.. من جانب قطر». وأشار إلى أن شراء هذا اللاعب يستهدف «البرهنة على أن لدى القطريين الأموال.. وقدراً من السيولة» يكفي لأن يظل الآخرون يأخذون هذه الدولة على محمل الجد.

ويبدو توقيت الصفقة لافتاً، في ضوء أنها تأتي بعد أيام قليلة من إقرار المصرف المركزي القطري بحدوث تراجعٍ في احتياطياته من النقد الأجنبي بنسبة 30% في يونيو الماضي، وهو إعلان سبقه كشف النقاب عن بياناتٍ أظهرت تراجع الإيداعات المصرفية - التي تخص الأجانب المقيمين في قطر - إلى أدنى مستوى منذ نحو عامين، وهو ما يشكل ضغوطاً على السيولة المتوافرة للشركات والحكومة في الدوحة.

ولم تتردد «واشنطن بوست» في الربط بين صفقة شراء نجم فريق برشلونة الإسباني بهذا المبلغ الخيالي وبين «حملة العلاقات العامة التي تشنها قطر على الصعيد الدولي» في محاولة لغسل يديها مما تتورط فيه من دعمٍ للتنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة.

وضربت الصحيفة الأميركية أمثلةً على استغلال السلطات القطرية للنجوم الكرويين العالميين لتحقيق مثل هذه المآرب، عبر استعراضها لما حدث مع ثلاثي فريق برشلونة جيرارد بيكيه وجوردي آلبا وسيرخيو بوسكايتس، الذين نُظمت لهم زيارة للدوحة، بلغ استغلالهم فيها من قبل القطريين حداً جعل أحدهم يوقع على قميص يحمل رسماً لوجه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد.

ولم يقف التوظيف القطري المشبوه للرياضة عند هذا الحد، فـ «واشنطن بوست» استعرضت البطولات التي استضافتها «الإمارة المعزولة» على مدار السنوات الماضية، والتي يبدو الآن أن احتضان السلطات القطرية لها كان يرمي لأغراض أخرى بخلاف تشجيع المنافسات الرياضية. ومن بين هذه البطولات دورة الألعاب الآسيوية لعام 2006 وكأس الأمم الآسيوية لكرة القدم عام 2011، بجانب تنظيم بطولات تنس وجولف وسباقات للدراجات النارية سنوياً، فضلاً عن مونديال 2022 الذي تصف الصحيفة الأميركية استضافته بـ «الأمر المثير للجدل»، وذلك في إيماءة بطبيعة الحال إلى التقارير التي تفيد بأن قطر لم تكن لتنال حق إقامة بطولة كأس العالم على أراضيها، لولا دفعها رشاوى لمن صوتوا لصالحها في هذا الصدد.

وتحت عنوان «اليوم الذي جُنّتْ فيه كرة القدم»، نشرت صحيفة «ديلي مَيل» البريطانية بدورها تقريراً إخبارياً مطولاً عن صفقة شراء نيمار، التي اعتبرتها جزءاً من «إنفاق طائش» تنخرط فيه قطر على الساحة الدولية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه حتى بمعايير «العالم المجنون لانتقالات كرة القدم»، بلغ «الإنفاق المجنون» للنادي الباريسي المملوك للقطريين مستوى جديداً مع الإعلان عن هذه الصفقة. وفي استعراضها هي الأخرى للتوظيف السياسي المرفوض للرياضة من قبل «الإمارة المعزولة»، تشير الصحيفة البريطانية واسعة الانتشار إلى أن قطر - التي تصفها بـ«الدولة متناهية الصغر»- تنظم بالفعل العديد من الفعاليات الرياضية على أراضيها، فضلاً عن استضافتها المزمعة للمونديال الكروي، تلك الاستضافة التي لا تتردد «دَيلي مَيل» في القول إنها «محفوفة باتهامات الرشوة والفساد».

ولا تغفل الصحيفة الإشارة في تقريرها إلى ما باتت قطر تعاني منه على نحوٍ متزايد من عزلةٍ سياسيةٍ، في ضوء التدابير الحازمة التي تتخذها ضدها عدة دول عربية وإسلامية بقيادة «الرباعي العربي المناوئ للإرهاب».

في السياق ذاته، قالت صحيفة «ديلي تليجراف» الأسترالية، إن قطر «تشتري مصداقيتها عبر نثر الأموال» على صفقة نيمار التي ستصبح في حالة إتمامها الأغلى في عالم انتقالات كرة القدم على الإطلاق. وأشارت الصحيفة في تقريرٍ لها إلى أن شراء نجم الكرة البرازيلي الشاب هو أحدث الصفقات التي تبرمها «الإمارة الصغيرة الغنية بالنفط» التي تحاول «يائسةً» مواجهة التحركات التي تتخذها ضدها الدول الرافضة لسياستها التخريبية والمُزعزعة للاستقرار.

وبعدما يستعرض التقرير الأموال الطائلة التي ستتكبدها قطر في إطار صفقة نيمار، يؤكد أن السلطات الحاكمة في الدوحة ترى أن خطواتٍ مثل هذه ضرورية، في إشارة لا تخفى إلى سعي «الإمارة المعزولة» إلى الخروج من أزمتها الآخذة في التفاقم بأي وسيلة، حتى ولو عبر إهدار المال بلا حساب.

 

اقرأ أيضا