الاتحاد

الاقتصادي

نمو الطلب العالمي بمعدل 1,8 مليون برميل والأسعار تدور في فلك الـ60 دولاراً

إعداد - عدنان عضيمة:
قبل نحو 12 شهراً دخلت سوق النفط العالمية سنة جديدة متحررة من مشكلة هبوط الاسعاره· ومع هبوط سعر البرميل من النفط الخام إلى مستوى 40 دولاراً رأى محللون في ذلك نهاية لفترة سنتين متواصلتين من الاسعار المرتفعة بعناد· وفي بداية العام الجاري بدأ الحديث في الأوساط الصناعية عن تحول دائم في كل من هيكلة وسياسات السوق· وفي 12 ديسمبر الماضي، اجتمع وزراء نفط دول الأوبك في مدينة الكويت على خلفية التباحث حول سعر البرميل الذي وصل إلى 55 دولاراً· ومع ذلك، وبعيداً عن أي حديث لزيادة الإنتاج على الحصة الكلية للإنتاج البالغة 28 مليون برميل في اليوم، تركز الحديث عما إذا كان من الضروري تخفيض الإنتاج بسبب الطلب الضعيف خلال الربعين الثاني والثالث من السنة· وفي النهاية بقي سقف الإنتاج على حاله إلا أن القرار بعقد اجتماع استثنائي في الواحد والثلاثين من شهر يناير يحمل إشارة واضحة ذات مغزى·
وقال المحلل جيوف باين من بنك 'إيه بي إن آمرو: 'رأى البعض أن أوبك تميل للدفاع عن السعر المحدد بـ50 دولاراً للبرميل· ومع ذلك فإن أعضاء أوبك ما زالوا مهتمين بجدّ بقضية زيادة تدفق النفط إلى السوق مع تزايد الكميات بسبب الإنتاج الزائد الذي ينتظر أن تقذف به كل من نيجيريا والمملكة العربية السعودية وبعض الدول الأخرى الأقل إنتاجاً إلى السوق'·
ومن المنتظر أن يضيف حقل 'بونجا' النيجيري نحو 225 ألف برميل في اليوم فيما ينتظر أن يضيف أحد الآبار السعودية الجديدة 300 ألف برميل في اليوم إلى السوق· ومن المقرر أن يزداد العرض الخارج عن نطاق منظمة الأوبك في عام 2006 بنحو 1,4 مليون برميل يومياً وفقاً لخطة أعدتها وكالة الطاقة الدولية·
وكان اجتماع الكويت أظهر التحول الكبير في توجهات أعضاء أوبك ومن أهمهم المملكة العربية السعودية، خلال فترة قصيرة نسبياً من الزمن· فهم يشعرون الآن أنهم قادرون سياسياً بشكل جيد على الدفاع عن سعر يعادل ضعف ما كان عليه حتى ديسمبر من عام ،2004 والذي كانوا يصفونه بأنه سعر مثالي، وذلك في مواجهة الأسعار القياسية التي يدفعها المستهلكون في السوق الأميركية الرئيسية· ويقول كيفين نوريش من 'بركلي كابيتال': 'هناك سببان أساسيان يفسران التساؤل عن السبب الذي يجعل أوبك قادرة وراغبة في الإبقاء على الأسعار على ما هي عليه· أولهما يكمن في أن دول أوبك تحتاج بقوة لهذه العوائد الجديدة ، وثانياً، لأن الاقتصاد العالمي أثبت قدرته القوية على التأقلم مع هذه الاسعار الجديدة بأكثر مما توقع أي إنسان من قبل'· وبلغ النمو في الناتج القومي الإجمالي العالمي 4 بالمئة خلال عام ·2005 ويقول باين: 'يمكن أيضاً لأوبك أن تعلن أنها على الأقل تحاول أن تبقي على استقرار السوق، وهو أمر يعد من الناحية الاقتصادية بمثل أهمية المستوى الحقيقي للسعر'·
ولقد تبين من خلال مستوى الطلب أن العالم تأقلم بقوة مع الأسعار، وهذا يعكس الحقيقة التي تفيد بأن الكم الأكبر من الاستهلاك العالمي تم امتصاصه من قبل بعض الدول الأكثر نشاطاً في المجال التنموي· وقدر النمو في الطلب العالمي بنحو 1,1 مليون برميل في اليوم خلال عام ،2005 وكان من المنتظر أن يتسارع إلى 1,8 مليون برميل في اليوم عام ·2006 وأعلنت الولايات المتحدة أن الطلب على النفط بلغ رقماً قياسياً جديداً فاق 22,2 مليون برميل يومياً وبالرغم من هذا بقي الأسعار تدور في فلك الـ60 دولاراً للبرميل·
عطش التنين
ومع ذلك، بقي محرك النمو الأساسي هو الاقتصاد الصيني· وبلغ الطلب الصيني على النفط 2,3 مليون برميل في اليوم في الربع الثالث من عام 2005 مقارنة مع 1,7 مليون برميل في اليوم عن نفس الفترة من عام ·2003 وفي آخر شهر ديسمبر قام رئيس منظمة أوبك السابق ووزير الطاقة الكويتي الشيخ أحمد فهد الصباح بزيارة إلى بكين لبدء مفاوضات موسعة بين الطرفين حول حاجة الصين الحقيقية من النفط· وقال مصدر في مؤسسة باركلي كابيتال في تعقيبه على الاجتماع: 'لم تكن الرسالة المنقولة عن نتائج الاجتماع مفهومة من وجهة نظرنا· ويمكن للمرء أن يفهم منها أن الصين سوف تحتاج كميات كبيرة من الطاقة وأن أعضاء أوبك لديهم الكثير من الطاقة، وأن مواصلة الحوار بين الطرفين عبر القنوات المختلفة أصبح أمراً ضرورياً من أجل استقرار الأسواق بعد أن احتلت الصين مكانتها المرموقة في الاقتصاد العالمي'· وكانت زيارة الشيخ أحمد جزءاً من مبادرة أوسع مدى أطلقت في الرياض في نوفمبر وتهدف إلى تحقيق استقرار السوق من خلال تطوير الاتصالات والمشاورات بين المنتجين والمستهلكين·
واستاثر النمو القوي وغير المتوقع في الصين بالجزء الأكبر من اللوم لزيادة أسعار النفط خلال السنتين الماضيتين· لأن المشاريع التنموية في الصين تلتهم فائض الاحتياطي العالمي دافعة الأسواق إلى القفز بمجرد حدوث أي مشكلة في الإنتاج في أي مكان من العالم· ويتم التخطيط الآن لزيادة الطاقة الإنتاجية في الدول الأكثر إنتاجاً وخاصة في منطقة الشرق الأوسط من أجل ردم الهوة بين العرض والطلب· وبناء على ما تقوله مصادر أوبك فإن الدول الأعضاء في أوبك وباستبعاد العراق، تخطط لاستثمار نحو 100 مليار دولار من الآن وحتى عام 2010 من أجل رفع الطاقة الإنتاجية إلى 37,9 مليون برميل في اليوم من 33 مليون برميل في اليوم تنتجها حاليا · ووجدت دول أوبك نفسها تحت وطأة نقد شديد من المستهلكين الكبار بدعوى أنها أبدت قصوراً في تنفيذ هذه الخطط بالسرعة المطلوبة·
و يبرىء نوريش ساحة هذه الدول من هذه التهمة قائلا: 'ليس من العدل إلقاء اللوم على المنتجين لمجرد أنهم لم يعمدوا إلى زيادة الإنتاج في الوقت المناسب لأنه ما من أحد من المتنبئين على الإطلاق كان في وسعه أن يتكهن بالسرعة الفائقة للنمو التي يسجلها الاقتصاد الصيني، ثم إن إطلاق مشاريع التوسع في الإنتاج يتطلب استثمارات كبيرة'·
وعلى أن ثبات أسعار النفط من شأنه أيضاً أن يوفر الاستثمارات التي كانت تعد غير اقتصادية فيما مضى، ومنها مشاريع استغلال حقول النفط الرملية في كندا وفنزويلا إلى النفط الممتص في 'صخور الطفلة' بالأردن· وأصبحت الأسعار المرتفعة للتقنيات المستخدمة في إصلاح المنشآت النفطية أكثر انطواء على العوائد والأرباح، كما أصبحت شركات أكثر رغبة في التنقيب عن النفط في المناطق التي يكون فيها احتمال وجود النفط قليلاً أو صعب الإنتاج وعالي التكلفة· وفي الشرق الأوسط، تسعى الحكومات إلى فتح مناطق جديدة للتنقيب أمام شركات النفط الأجنبية وهناك الكثير من العروض والمناقصات المطروحة عالمياً في هذا الصدد·
ومع ظهور البوادر الأولى لزيادة الطاقة الإنتاجية العالمية، سوف تستقر حالة الخام· ولعل الشيء الذي يكتسي أهمية قصوى الآن هو تطوير نظام التكرير العالمي· وهو الأمر الذي يشتكي منه وزراء أوبك على نحو متكرر· وقال مصدر وثيق الصلة بالأعضاء الذين اجتمعوا في ديسمبر الماضي: 'لقد كرر المؤتمر دعوة المستهلكين والصناعيين عبر العالم إلى توحيد جهودهم للرفع من الطاقة التكريرية للنفط الخام والخروج من عنق الزجاجة بعد أن أصبحت هذه المشكلة هي المحرك الأساسي لاشتعال الاسعار في السوق المتخمة بالفعل بالنفط الخام'· وهذه المشكلة أصبحت حادة في الولايات المتحدة بعد أن تعرضت مصافي النفط الخام إلى الدمار الكبير خلال الصيف الماضي بفعل إعصاري كاترينا وريتا ما أدى إلى ارتفاع الأسعار أكثر وأكثر·
استثمارات نفطية
وتم تخصيص استثمارات هائلة في مناطق مختلفة من العالم من أجل التخفيف من حدة الأزمة· ففي تقرير صدر حديثاً عن شركة وود ماكنزي الاستشارية التي يوجد مقرها في أدنبره باسكوتلاند، فإن هناك أكثر من 100 مشروع قيد التنفيذ من أجل زيادة الطاقة التكريرية العالمية للنفط الخام بواقع 12 مليون برميل في اليوم من أصل 84,6 مليون برميل في اليوم يتم تكريرها الآن· ومعظم هذه المشاريع يتم تنفيذها الآن في منطقة الشرق الأوسط· والرياض هي المستثمر الأكبر لهذه المشاريع حيث أطلقت العمل بمصفاتين جديدتين لتصدير المشتقات النفطية بطاقة 400 ألف برميل في اليوم في كل من الجبيل وينبع وبتكلفة إجمالية تبلغ 10 مليارات دولار· ويجري العمل الآن بالمشروع·
وفي الولايات المتحدة، وبالرغم من أنها المستهلك الأكبر للمشتقات النفطية فإنها لم تبنِ أية مصفاة جديدة خلال السنوات العشرين الماضية· كما أن الاستثمارات ضعيفة في مصافيها القائمة حالياً ما يؤدي إلى حدوث قصور متكرر في تموين السوق بهذه المشتقات ويجعل الطلب عليها يفوق العرض· وتتصاعد الأسئلة في واشنطن بشكل مستمر حول أمن الطاقة مع تزايد الاعتماد على الاستيراد لتغطية الحاجة المحلية من كل من النفط الخام ومشتقاته· وتصاعدت أيضاً مشكلة ارتفاع أسعار الغاز المرتبطة أشد الارتباط بأسعار النفط في أوروبا آخر شهر ديسمبر الماضي· وتم إيقاف الضخ في الأنبوب الروسي إلى أوكرانيا بسبب خلاف نشب بين البلدين حول الأسعار· وبهذا قفزت قضية أمن الطاقة إلى مقدمة اهتمامات قادة الاتحاد الأوروبي حيث ستكون أحد أهم المواضيع المطروحة عليهم في القمة المقبلة· وبدأ البحث عن ممونين قدامى بالغاز الطبيعي كدول شمال أفريقيا وبحر قزوين·
وعلى كل حال، سوف تبقى حركة اسعار النفط في الاسواق العالمية مرتبطة بالوضع في منطقة الشرق الأوسط المضطربة· وكان للتصريحات المتطرفة التي أدلى بها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول إسرائيل وإصرار حكومته على متابعة العمل بتخصيب اليورانيوم أن تزيد حالة التوتر في الاسوق بالإضافة إلى الخلاف الناشب بين سوريا والمجتمع الدولي·
ولقد اعتادت الأسواق على التأقلم مع المشاكل الأمنية التي يشهدها العراق كل يوم بحيث لم تعد مثل هذه الأحداث تؤثر كثيراً في الأسعار إلا أن تطوير إنتاج النفط في هذا البلد ما زال يواجه مشاكل كبرى كان آخرها استقالة وزير النفط إبراهيم بحر العلوم أواخر شهر ديسمبر الماضي· ويضاف إلى ذلك أن صادرات العراق من النفط في ديسمبر الماضي بلغت 1,1 مليون برميل في اليوم وهو الأدنى منذ قيام الولايات المتحدة بغزو العراق عام ·2003

اقرأ أيضا

توجه أميركي لإزالة تركيا من الشراكة في "إف 35"