الاتحاد

دنيا

دمُ القَمر للشاعر العراقي ذياب شاهين: مدنٌ في قصائد وقصائد في نساء عابرات


د· رسول محمَّد رسول:
في الأعوام القليلة الفائتة، أصدر الشاعر العراقي ذياب شاهين، المقيم في أبو ظبي، ديوانين شعريين، كان الأول بعنوان (أناشيد / 2003)، أما الثاني فكان بعنوان (البيت العتيق / 2004)، وكلاهما صدر خارج العراق· ثم تبع ذلك ديوانه الشعري الثالث (دمُ القَمر) الذي صدر مؤخراً عن دار الخيال في بيروت·
ومع أن ذياب شاهين كان قد كتب الكثير من القصائد الشعرية بل والبحوث النقدية في فضاء الفن الشعري داخل العراق، إلا أن نتاجه الأدبي ما وجد الطريق إلى القارئ إلا خلال سنوات الرحيل عن الوطن للعيش في جغرافيات عربية ومشرقية عدَّة كوَّنت لدى الشاعر تجربة وجودية ما توانت حتى انعكست في جملة من قصائده الشعرية، وهي تجربة وجودية تمثَّلت معطيات العالم الخارجي أو الموضوعي بكل ما فيه من حَراك متنوِّع الاتجاهات بقدر ما تمثَّلت، تلك التجربة، حَراك الذات، ذات الشاعر، وهي تعيش خضمّ التحولات الآنية تارة واليومية تارة أخرى، ناهيك عن تحولات مصيرية حفلت بها راهنية العالم التي لا مفرَّ من التعايش معها·
بدت قصائد هذا الديوان الخمس عشرة، محتفية بما هو مرئي، فالغالب فيها كُتبَ في أبوظبي (13 قصيدة)، وقليل منها كُتب في اسطنبول (قصيدتان)· ومن البديهي أن تجربة العيش في أوطان أُخر غالبا ما تستثير البصر، وأحيانا تستفزه، لتخلق إحساسا عارما بكل ما هو مرئي يمر على الإنسان المغترب· لكن تمثيل المرئي في تجربة شاهين الشعرية كان قد اعتمد، في بعض القصائد، على الأمكنة في ذاكرة الشاعر مثل مدينة بغداد (العاصمة)، ومدينة (بابل)، مسقط رأس الشاعر، ومدينة (زاخو) في شمال العراق ومدينة (جنين) في فلسطين· في حين كانت قصائد أخرى قد تمثَّلت مرئيات المكان في ضوء تجربة محسوسة عاشها الشاعر الأمكنة مثل مدينة اسطنبول وضواحيها المائية والساحلية· وفي كل قصائد شاهين يبدو المكان حاضنا رئيسا لأجواء القصيدة·
مما هو معروف أن شعراء عراقيين كثيرين في القرن العشرين كانوا قد أولوا القضية الفلسطينية اهتمامهم الشعري· وكان هذا الموروث قد مثَّل مرجعية للشاعر وهو يرى مدينة (جنين) تحترق تحت شراسة نيران الإسرائيلية· لم يذهب شاهين إلى تلك المدينة لكنها جاءت إليه بكل ما تحمل من ألم الاستلاب، فوجدت صدىً لها عند شاعر عراقي آثر أنْ يُكفكف دمعها في قصيدة هي الأروع في خطاب يكرِّسه شاعر عراقي معاصر عن البيت الفلسطيني الجريح مطلع القرن الحادي والعشرين·
حملت القصيدة عنوان (جنينْ·· آه أُخيَّة منْ تُسمعين!) وكتبها الشاعر في مطلع عام 2002 ونشرها في صحيفة (الاتحاد) بتاريخ 29 أبريل من العام ذاته، وأوردها في ديوانه (دم القمر) كقصيدة أولى فيه·
يقول في أحد مقاطعها:
جنينْ!!
أُخيَّة الطعينة، سأبقى أنوحُ!
أنوحُ!!
سنيناً طوال،
فقد ضاعَ مني ما تريدين!!
وكفيَّ الذبيحة تروم العُلى!!
أضاعت سواراً عند التلال
وأنتٍ الأسيرة ركبتِ السماء العتيقة
قصرتُ أنا ولا تقصُرينْ!!
الأرض المجنونة
وإذا كانت مدينة (جنينْ) جريحة، فإن جرح العراق بدا مثخناً بدماء الحروب والحصار فكتب الشاعر قصيدته (والأموات أيضاً··)، وفيها وجد شاهين أن الموت والحياة سيان في بلد دمرته الحروب، وبدا المشهد في العراق مشهد موت، وتساءل الشاعر قائلاً: (ترى·· هل تتساوى ضحكات الموتى مع دموع الأحياء؟
ثمَّ إيُّهما سيعزِّزُ كفَّته في ميزان الدنيا؟؟
وفي قصيدة أخرى كتبها الشاعر من وحي زيارته إلى بغداد بعنوان (الأرض المجنونة··) نقل فيها أجواء ما تمرُّ به بلاده من آهات وعذابات وما خلفته حرب التغيير السياسي في العراق من مآس ودمار، فوضعنا في أجواء ما تعيشه مدينة الحلة / بابل، وهي مدينة الشاعر التي ولد وعاش فيها كل سنوات عمره باستثناء سنوات الرحيل عنها· كتب الشاعر قائلاً:
أشقر كان الجندي البولندي
عيناه الزرقاوان مثل خرزتي زجاج
قدماه الخاكيّتان تخوضان عميقاً في مستنقعات الحلة!
ويمضي الشاعر في تساؤلات بدت مصيرية تنطوي على إدانة للعنف الذي طال البلاد سواء كان مصدره المحتلون أم الإرهابيون، وهنا تساءل شاهين قائلاً:
من أطلق النار على الأديب؟
من قطعَ رأس الصحفي··؟
ما زنة القنابل الهاوية على البيوت؟
لمَ تُختطفُ النساء وتطلق السكاكين على رقاب العمّال والمهندسين؟؟
سيدة البرد
ولمدينة (زاخو) أيضا، وهي مدينة شمالية في العراق نصيبها في ذاكرة الشاعر الوجودية، والتي عاش فيها شاهين جندياً نحو ست سنين، كتب عنها قصيدة عنوانها (سيدة البرد) يقول في مقطع منها:
حسناً، ما كنتُ أبداً أن أنسى وهج الأيام هناك··
إذ يسفحني وجه الجبل الفارع بجمرته الباهرة البيضاء
وأنّى لي أن أنسى في نهر الخابور الماء والقمم اللألاء؟
ولكي يضعنا في زمانية تلك التجربة نقرأ في مقطع آخر منها:
سنوات ست، يا زاخو
أنزفُ فيك كمرزاب صدئٍ
ينشجُ لحناً داميا عند هطول صبايا الأمطار·
سيدة القباب
أما مدينة اسطنبول فهي في مخيال الشاعر سيدة القباب، وهو عنوان قصيدة كتبها شاهين في المدينة نفسها، حيث قال مخاطبا إياها:
أيتها الوعلُ الجبلي
ذو اللونين الأبيض والأصفر
أوصيك أن تدعي القمر ليكتمل عند تمام شفتيك!
حب··· ونساء
في أغلب القصائد التي كتبها ذياب شاهين عن المدن المذكورة ثمة تأنيث واضح لمعالمها، إلا أن قراءة الوجود بعين مؤنَّثة بدت أكثر وضوحا في القصائد التي حفل الديوان بها، تلك القصائد التي كانت المرأة موضوعا رئيسا فيها· في قصيدة (أحلام في ليلة باردة)، كتب الشاعر تحت عنوان (روليت) متمنياً:
كم تمنيتُ أن ألعب الروليت
كي أظفر بكِ عند دائرة الأرقام المتوحِّشة!!
وفي قصيدة (نور جان)، وهو اسم لامرأة شرقية، لجأ ذياب شاهين إلى استثمار رموز من التراث الأدبي العربي الشعبي في قراءة تجربة حب مع امرأة شرقية، قال الشاعر فيها:
نور·· جان،
يقسمكِ الوجد إلى مملكة النور!
وأخرى للجان··!
وفي القصيدة نفسها يسقط علاقة العاشق بالمعشوق على العلاقة بين شهرزاد وشهريار وهي رمزية شعرية كثيراً ما جرَّبها الشعراء، في الغرب والشرق سواء، لمد التجربة الشعرية والوجودية إلى أفق شرقي خلاب، نقرأ مع شاهين:
انا شهرياركِ فلا تروعيني
فبوح عيونكِ
واعترافاتها الشتائية عن هبوبِ شغفي
يحثني على اقتراف هطول يغرقكِ
لكن هذا التوظيف لم يتوقف عند هذه القصيدة إنما آثر شاهين تعميقه في قصيدة حملت عنوان (سيدة السَّرد)، وفيها جعل من شهرزاد السيدة، وجعل من السرد ما كانت تمارسه شهرزاد يومها في عملية حكي القصص· إلا أن شاهين جعل من تلك السيدة (شهرزاد) امرأة الراهن، وحولها من زمانها ومكانها إلى رمزية قابلة للحوار، وهو ما جرى بالفعل في هذه القصيدة عندما أخذ يحاور شهرزاد أو سيدة السرد، نقرأ في مقطع منها في لحظة تساؤلية:
أميرة كنتِ أو مزهوَّة
أو مأمورةً لن أُسمعك قصصي
فلمَ تضطربين؟
ومثلما هي شخصية (نور·· جان) شخصية نسوية عابرة، فإن شخصية (شهرازاد) هي الأخرى شخصية نسويه عابرة للجغرافيا وللمكان، ففي المنافي المفتوحة على الآخر هكذا تمور النساء في المكان لتصبح طرفا في معادلة الذات والآخر، وهي معادلة استثمر الشاعر ذياب شاهين شيئا من معطياتها·

اقرأ أيضا