الاتحاد

دنيا

الروائي العماني محمد العريمي: أحارب القيد بما تبقى من الجسد


حاوره في عمان - محمد الحلواجي:
ما من أحد نظر إلى الأديب محمد عيد العريمي وهو يتنقل بين وجوه أصدقاء الإبداع والكتاب بكرسيه المتحرك، إلا وتخيل أنه ينظر إلى فارس بلا جواد، فارس لم يتخل عن شهوة معانقة برد الحياة بنار الكلمات، وألق الحروف الراكضة في فرح الكتاب وكشف الوجود، فمحمد ليس من ذلك النوع الذي يستسلم أمام فورة الألم، وليس الرجل الذي يستقيل من الحياة بسبب حادث أو إعاقة طارئة مهما كانت بالغة، وإنما هو رجل صلب يستطيع أن يقدم دروسه المبهرة والعفوية لكل الأصحاء الذين أنعم الله عليهم بتاج الصحة والعافية فلم يقدروه حق قدره وانساقوا وراء الشكوى من تعب الحياة، فهل محمد العريمي عاجز أم أنه ضرب من ضروب الرجال الذين يقاربون المستحيل بألق القوة والوهج الداخلي المدفوع بطاقة وإصرار الموهبة؟ هذا ما نستشفه في المحاورة الحميمة التالية·
التقينا العريمي على غير موعد، لتدور بيننا رحى الحديث بعد شهادة قدمها خلال ندوة احتفت بتجربته وبروايته 'حز القيد' عبر القراءة النقدية التي قدمها مؤخرا الناقد والكاتب العراقي الدكتور ضياء خضير في النادي الثقافي بالقرم بسلطنة عمان، وهي ورقة كاشفة حملت عنوان 'المتخيل السردي وبناء الشخصية في رواية حز القيد'، ناقش فيها خضير الجوانب الموضوعية والتقنية للرواية، مركزا على الكيفية التي استطاع بها العريمي بناء شخصياته، وشخصية 'علي الناصر' على وجه التخصيص، حيث قدم رصدا للأبعاد المختلفة التي تتركب منها تلك الشخصية من منطلق قيادتها لبقية الشخصيات الأخرى، وتحديد مواقعها السردية بكيفيات مختلفة، في سبيل الكشف عن الموضوع الأساس للرواية وهو السجن السياسي·
رواية لا تنتهي
كان السؤال البديهي الذي يواجه العريمي كمبدع هو: هل الألم محرك فاعل للإبداع؟ ليقول بصراحة: 'إذا كان السؤال يؤشر إلى أن 'الإعاقة' هي وراء ما حققته في هذا الجانب من حياتي، على تواضعه، فالجواب قطعا لا· فالإعاقة ليست السبب المباشر للكتابة، ولكن الظروف التي فرضت علي نتيجة إصابة الجسد، هي من دفعتني إلى البحث عن جوانب مغايرة في شخصيتي، أعني مناطق يمكن التركيز عليها، عبر استنفار طاقات ما كانت لتظهر، لو لم أبحث عنها وأوظفها لإثراء تجربة حياتي· ولكن لا أنفي يقيني من أن الكتابة تعتبر بصورة ما مسكنا جيدا للألم، فالاشتغال على الكتابة السردية وإطلاق العنان للمخيلة لرسم الأحداث والأمكنة والأزمنة وتشكيل تفاصيلها بالحرف والكلمة، مثل لي ولا يزال شعورا ممتعا للغاية، وهو الأمر الذي أتاح لي تجاهل الألم وتناسي وجع الإعاقة· لذلك صرت اعتبر الكتابة اليوم، فعلا وجوديا يعزز قناعاتي بحقي في الحياة ويقوي رغبتي في مواصلة العيش بروح تواقة للحياة، حتى وإن كانت قابعة داخل جسد حبيس'·
يقال لا يوجد كاتب لا يشبهه نصه، هل في 'حز القيد' ما يشبهك ككاتب'؟!
ليست لدي مشكلة في الإجابة بـنعم، فيما لو عشت فعلا تجربة مماثلة، وهذا ما أحاول التأكيد عليه دائما فيما اكتب - على تواضعه- أعني أن تكون محاولاتي انعكاسا لتجارب إنسانية·· سواء كانت ذاتية أم لأحد عرفته أو سمعت عنه· لعل في إعاقتي بعض مما في السجون من مناخات وإرهاصات، شيء من تجربة 'علي الناصر' في 'حز القيد' على نحو أو آخر، وإن كان نزيف الإعاقة لا يتوقف! قد تتلمس في بعض مشاهد الرواية جوابا من تجارب مختلفة، ولا أرى ما يعيب الكاتب فيما لو قام بتوظيف بعض تجاربه فـي نصوصه، لكن ما إن تكتب حتى تغدو خيالا لا علاقة له بواقع الكاتب·
هل تسعى من خلال الكتابة للحصول على 'اعتراف الآخر بك'؟
ينفي بشكل قاطع، ويقول: أنا لا أربط حقي في الوجود باعتراف الآخر، ولست مسكونا بهاجس إثبات نفسي للآخر، أو تقديم نفسي من خلال بديل يعوضني ما أعانيه من قصور في أعضاء جسدي، ولم أشعر يوما ما مثلا، بمركّب نقص يحول دوني وقول كلمتي، ولم أضطهد نفسي قط، رغبة في أن أكون أحدا غير ما أنا عليه، ولكن دون ريب تهمني بطبيعة الحال معرفة الآخر لي'· لكنك قلت في مذاق الصبر 'انك تعيش في صراع دائم مع تداعيات الإعاقة، من أين تستمد القدرة على مواصلة مقاومة تحديات الإعاقة؟ وهنا يقول العريمي: 'يعزي البعض ذلك إلى قوّة الإرادة، وهي عند آخرين إيمان بالقضاء والقدر، وهناك من يطرح أن الوعي العلمي ومدارك العقل هما الدافع وراء تحويل الهزيمة إلى نصر، والضعف إلى قوة·
لسبب ربما يتصل بسمة التواضع ونكران الذات بالمعنى النقدي، كان العريمي يتفلت عامدا عن صراحة الخوض في غمار الفكرة السابقة بصورة مباشرة، فنعيد إليه تلك الإشارة ثانية ونضعها أمامه مرة أخرى لنسأله: 'وأنت ماذا تقول؟ كيف تتحدى إعاقتك داخليا؟
بالنسبة لي أعتقد أن هذا يتحقق عبر تضييق هوّة الكارثة، بالاشتغال أكثر على ما تبّقى سليما من الجسد، ومشيئة استنفار طاقات داخلية كامنة، لا يمكن لها أن تظهر دون وجود رغبة ونزوع قويين تجاه في الحياة· وهذا في ظني، هو مكمن القوة: فالرغبة العارمة في الحياة، هي التي - متى ما توفرت- أعطت الإنسان مبررا كافيا للمقاومة من أجل أن أعيش يوما آخر، قد يكون أجمل من الأمس، وقد يكون أكثر منه مرارة، ولكنه لن يعرف ذلك إلا إذا عاشه، وهذه هي المفارقة·
هلوسة في مشهد غائم
وهنا نستفز العريمي بالسؤال التالي: إذا لم تكن الإعاقة هي الدافع الأساسي للكتابة لديك، فما هو الذي أشعل فتيل تجربتك في الكتابة؟
يرد بهدوء: لا افشي سرا، ولا أخجل من الاعتراف أني دخلت عالم الأدب متأخرا جدا· وقد دخلته بالمصادفة ومن باب الـ 'الهلوسة' تحديدا! إذ لم أكتب شيئا قبل كتابي 'مذاق الصبر'، أو لنقل كتبت أعمالا لا تذكر، من بينها 'هلوسة في يوم غائم'· تلك القصة التي لم تكن سوى هلوسة بكل ما تحتمله الكلمة من معنى! خاصة وأنها جاءت في سياق اجتاح المشهد الثقافي العماني حينها بموجة من النصوص التي يقف الإنسان عاجزا عن فك طلاسمها، وكان يحزّ في نفسي - وأنا الذي كنت اعتبر نفسي مثقفا آنذاك - أن أقف عاجزا عن فهم ما كنت أقرأ· لذلك كتبت 'الهلوسة' في محاولة لركب الموجة السائدة، وإذا بالهلوسة تفوز بالمركز الأول في مسابقة سنوية للقصة القصيرة'!
وأخيرا نسأل العريمي كيف ينظر لتجربته اليوم عندما يسترجع شريط ذكريات تجربته أمام عينيه فيقول: 'بعد عشرين عاما حاولت خلالها أن أكون مترجما جيدا، بعد أن وجدت نفسي مجبرا على الجلوس وسطَ كومة من القواميس والمراجع اللغوية في وظيفة لم تخطر لي على بال، حين اخترتُ الهندسة تخصصا للدراسة ومن ثم مجالاً للعمل، لا سيّما أني لم أكن على وفاق مع اللُغتين خلال دراستي الأساسية! ولكن المفارقة حدثت من خلال سعيي المُسْتَمر لتحسين أدائي 'كمترجم' بالقراءة المتنوعة والإطلاع على نصوص مترجمة، فاكتسبتُ بطريقة أو بأخرى بعضَ أدوات الكتابة· كان هدفي أن أكون مُتَرجما جيدا، وإذا بي أغدو قاصا جيدا، وأظل بالنسبة لعملي كما كنت عليه في البدايات، مُتَرجما متواضع الحال'·

اقرأ أيضا