الاتحاد

دنيا

المدرهة اليمنية أرجوحة الفرح والشوق والأمل

صنعاء - مهيوب الكمالي:
تعتزم منظمة يمنية غير حكومية تهتم بتوثيق التراث الشفهي اليمني إصدار عدد من الأسطوانات المدمجة والكاسيتات التي تحكي تفاصيل 'المدرهة'، والتي تشتمل على العادات القديمة ويطلق عليها اسم الأرجوحة، وكانت تنشط بكثرة وبصورة ملفتة في مواسم الحج في صنعاء وبعض المدن اليمنية تزامناً مع أيام عيد الأضحى، حيث تقام العديد من المداره توديعا للحجاج أو ترحيبا بهم وبسلامة العودة بعد مشاق السفر·
وقد أبدعت الذاكرة الشعبية اليمنية في المناسبات الدينية، وفي ظل ظروف نفسية وعاطفية مشحونة بالحب والشوق والفراق، العديد من الأشكال التعبيرية والممارسات التي تصاحبها أهازيج وأغان مرتبطة بالحدث ومعبِّرة عنه··· فما هي المدرهة؟ وما قصتها؟ ولماذا غابت عن الحياة المعاصرة؟ وما هي تفاصيل هذه المحاولة المهمة لتوثيقها؟
التفاصيل في التقرير التالي:
هناك كثير من العادات والتقاليد اليمنية القديمة التي تمثل موروثا حضاريا متميزا للمجتمع اليمني باتت مهددة بالاندثار، لكن الجهود الرسمية والشعبية تتضافر للحفاط عليها، ومن تلك العادات القديمة التي كادت تغيب على المسرح الصنعاني الرائع في شهر ذي الحجة من كل عام، تقليد (المدرهة) أو الأرجوحة التي كانت حاضرة الى عهد قريب في كل بيت صنعاني تقريبا والتي تستخدم لتوديع واستقبال الحجيج في اليمن·
ذاكرة الآتي
سألنا أروى عثمان رئيسة 'بيت الموروث الشعبي' عن الأسطوانات الجديدة فقالت: إن الأسطوانات الجديدة ستحتوي على نماذج عديدة عن تغاريد المدرهة المقتطفة من تسجيلات مهرجان المدرهة الأول الذي أقامه ووثقه البيت في العام الماضي، في العاصمة صنعاء تحت شعار 'ذاكرة الآتي'·
وعن برامج وخطط بيتها أشارت أروى إلى عزم البيت على إصدار كتاب قراءات في السردية اليمنية بالإضافة إلى (20) حكاية شعبية وذلك خلال العام 2006م·
وأضافت: 'هناك أيضاً العديد من الندوات وإصدارات الاسطوانات المدمجة (سي دي) والبرامج التوثيقية للأغنية الشعبية'·
ويجمع بيت الموروث الشعبي الكائن بحي باب 'البلقة' وسط العاصمة صنعاء بين المتحفي والبحثي، ويحتوي على مكتبه فلكلورية وأرشيفات صورية وصوتية، كما أنه يهتم بتوثيق التراث الشفهي اليمني من عادات وتقاليد ومهاجل وزغاريد ومعتقدات شعبية·
اسم (المدرهة) مشتق من (المدْرة)، وبحسب الباحث علي سرحان فإن الإمام والمؤرخ نشوان الحميري عرف المدرهة في موسوعته الشهيرة (شمس العلوم) مؤكداً أن كلمة المدرهة تسمية عربية فصحى·
و (المدرهة) من حيث الشكل عبارة عن أرجوحة كبيرة تصنع من الأشجار القوية كأشجار الطلح أو أشجار الأثل، ويتم ربط أعمدتها بحبال قوية ومتينة تسمى حبال السَّلب، وهي شجيرات صبارية سيفية سميكة حادة الرؤوس، ويتحرى الأهل عن أهمية توثيق أعمدتها خشية انقطاعها، لأن انقطاعها يحمل اعتقاداً ينذر بالشؤم من أن الحاج في خطر، وتنصيب المدرهة يُعد أهم معلم مرتبط بالحجيج، فعندما ينوي الحاج السفر لأداء مناسك الحج يقوم الأهل والجيران والأقارب بنصبها في حوش أو فناء كبير في منزل الحاج أو أحد الجيران أو في إحدى ساحات القرية أو مكان تجمع الناس كالميدان، وبالرغم من اختفاء تقاليد وطقوس المدرهة فإن نصبها في موسم الحج ما يزال شائعاً في صنعاء حتى الآن·
تقليد قديم
ويقول الدكتور محمد النود (المدير التنفيذي لمؤسسة حماية الآثار والتراث الثقافية) بأن تقليد المدرهة يعود لفترات قديمة جداً، ويعد تعبيراً عن فرحة الأهالي بعودة حجاجهم عقب تعرضهم للعديد من الصعاب والمخاطر خلال سفرهم لأداء فريضة الحج، كما تسمى مدرهة العودة حيث يستقبل الحاج بطقوس تبدو غريبة لكنها مُسلية وفرائحية، ومنها 'المدرهة' التي تبدأ بعد عيد الأضحى بيومين أو ثلاثة أيام، بغرض تشويق الحاج للعودة إلى أهله ومحبيه، وذكره بالخير والدعاء له بالعودة سالماً·
ويوضح ذلك بقوله: توضع المدرهة في فناء منزل الحاج أو في فناء منزل أحد جيرانه إذا لم يكن له فناء، ويوضع عليها شال أو عمامة يسمونها 'عمامة الحاج' الذي لم يأت بعد، وتستمر بعد عودته شهرين أو ثلاثة أشهر يتجمع خلالها الجيران والأهل والأقارب والأصدقاء وينشدون وقد علقوا عليها الجرس:
يا مدرهة يا مدرهة
مال صوتش (صوتك) واهي
قالت أنا واهية وما حد كساني
كسوتي رطلين حديد والخشب رُماني
ثم يأتي شخص يدعى 'المُمَدْرِّه' وله سمات 'المُسَبِح'، فينشد من ضمن ما ينشده:
يا مبشر بالحج بشارتك بشارة
هِنيَت لك يا حاجنا فزت بالغفراني
زرت قبر المصطفى وتلمست الأركاني
والصلاة والسلام على الرسول
يا من سمع يصلي على النبي العدناني·
··· وأغانٍ حزينة
لكن أغاني المدرهة ليست كلها فرحة، بل يكاد يغلب عليها طابع الحزن، وتُغنى بأبيات عفوية، وتبدأ بذكر الله وبالصلاة والسلام على رسوله الكريم، ثم بذكر الحجاج والدعاء لهم بالحج المبرور، وبالحفظ وسلامة العودة إلى الأهل والوطن، ومن نماذج هذه التغاريد هذا المغرد الذي يقال للحاج وهو ما يزال في داره منتظراً وسيلة المواصلات:
لوّ تبسرونا يا هلنا حين طرق (أي دق)
الباص في الباب
حسيت قلبي رجف، ودمعتي سيالة
وتتحدث بعض التغاريد عن أوصاف الحاج الخارجية (لحيته، عصاته، قميصه، لون بشرته····) أو عن صفاته الداخلية:
يا حجنا شيبة رضي
يطلب الرضوان
يطلب الله والنبي
تكريم الحجاج
ويعتبر العديد من اليمنيين المدرهة وتنظيم مراسيم الاحتفال باستقبال الحجاج بعودتهم من مكة تكريم كل من المتدرهين والمتدرهات الذين حافظوا على تراث المدرهة وتقاليد توديع واستقبال الحجيج لعقود من الزمن· وتسلط المدرهة الضوء على العادات والتقاليد الشعبية المتوارثة التي تتزامن مع موسم الحج وتنطلق مع توجه الحجيج إلى المشاعر المقدسة وحتى عودتهم·
ففي الماضي القريب كان اليمنيون يحتفون بالمسافرين باحتفالات خاصة تحمل الحب والشوق لهم والدعوات والتمنيات الطيبة بعودتهم، وبحسب الدكتورة رؤوفة حسن وهي أستاذة في الإعلام، فإن السفر للحج لا يزال السفر الأكبر، وكان سابقاً يحظى بطقوس خاصة، حيث كان يتم استئجار شخص لتوديع الحجاج بالأناشيد والآيات القرآنية، لكن المدرهة تعد أهم تقليد مرتبط بوداع الحجيج·
ويوضح على الجمرة طريقة استخدام المدرهة ويقول: 'يظل الرجال والنساء - بدرجة أكثر - والأطفال أيضاً، يتناوبون التأرجح على تلك المداره وهم يغنون الأغاني الخاصة بهم طوال النهار وردحاً من الليل·
وللأرجوحة دلالة رمزية حيث يعتقد الجمرة بأن السر النفسي لنصب المدرهة في هذه المناسبة جاء من كون كل أرجوحة معلّقة في الهواء لها قانون يحكمها فلها ذهاب إلى الأمام وعودة إلى الخلف، وإذا كان ذهابها إلى الأمام يتم بالإرادة وبالفعل الإنساني الذي هو اليدين، مثل الرحيل إلى الحج الذي يأتي بالنية والعزم انطلاقاً من قوة الدافع الديني، فإن أمر عودتها - والعودة هي هنا شجن المتمدرهين وشاغلهم - هي أمر قدري حتمي لا بد من حدوثه بقوته الذاتية، وكذلك الحاج الذي لا بد من عودته إلى أهله وموطنه وبيته·
وتؤكد هدى الشرفي (مدير عام مؤسسة حماية الآثار والتراث الثقافية) أن حركة المدرهة ذهاباً وإياباً، ارتفاعاً وانخفاضاً، هي محاكاة لقلب وعقل من على المدرهة، من قلقه على الحاج، ولوعته وشوقه إليه، ويتضاعف القلق والشوق مع حركات المدرهة وكلمات الشوق·
لكن - أروى عثمان - ترجع سبب ارتباط المدرهة بالحج إلى كون الحج قديماً كان أمراً شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر، حيث كان الحاج يقضي من ثلاثة إلى أربعة أشهر في الذهاب إلى الأراضي المقدسة والعودة، ولذا كان الحاج يكتب وصيته قبل المغادرة، وكذلك يطلب المسامحة من الأهل والجيران، وما زال هذا التقليد جارياً حتى الآن·
ونخلص من كل ذلك إلى أن الكثير من التقاليد والممارسات الشعبية الجميلة، وأشكال التراث تكاد تنقرض قبل أن يجري توثيقها، ومنها تقاليد الحجيج التي بدأت في الاندثار، فلم يعد الخوف واسعاً على الحاج الذي يسافر على طائرة تحمله في ساعات قليلة إلى الأراضي المقدسة، واختفت مشاعر الاحتفاء الجميلة بوداع الحاج أو استقباله لكن العودة إلى إحياء هذه التقاليد يمثل انطلاقة جديده لحفظ التراث الشعبي والديني الذي يزخر بالكثير من الثراء والغنى الثقافي·

اقرأ أيضا