الاتحاد

دنيا

مواهب البنات موؤودة

دبي - آمنة النعيمي:
لكل منا موهبة خاصة قد تتهيأ لها الظروف وتسخر لها اياد أمينة ترعاها وتصقلها ويصبح لها شأن كبير، وقد تبقى دفينة مغمورة يولد الإنسان ويموت دون ان يكتشفها· وهناك ايضاً من يكتشف موهبته إلا ان الظروف ومعطيات الحياة وعدم وعي من حوله بأهميتها تعمل على تهميشها ومحوها وعدم استفادة صاحبها أو المجتمع منها··· لكن ما هي الظروف المسؤولة عن ظهور المواهب أو اختفائها؟ كيف يتعاطى الأفراد مع مواهبهم التي ظلت حبيسة صدورهم ومنازلهم؟ وماذا يقولون عنها؟
حصة خليفة، تعزو عدم تمكنها من اكتشاف موهبتها واستغلالها إلى سياسة مدرساتها المحبطة وتقول: بالكاد كنت انجح في مادة الرياضيات، كانت مسائله بالنسبة إلي كالطلاسم، وكنت أنظر باعجاب إلى قدرة الطالبات على الحل واشعر بأنني غبية حتى ترسخت هذه الفكرة في رأسي بفضل سياسة الضرب والاحراج التي تتبعها مدرسة الرياضيات في المرحلة الابتدائية الدنيا، بالإضافة إلى شفقة أمي التي عززت الفكرة لديّ أما اخوتي فكانوا لا يتورعون عن نعتي بألفاظ تحطمني كلما احضرت نتائجي الدراسية· ورغم ذلك حلت عقدتي ودخلت القسم الادبي في الصف الحادي عشر ولكن عقدتي تلك لم تكن الا نسيجا صنعته الظروف ومعطيات الحياة من حولي، فقد اكتشفت في أول سنة لي في الجامعة بعد دراسة مادة اجبارية في التعليم الاساسي للرياضيات على يد مدرسين اجانب انني كنت ذكية جداً في مادة الرياضيات وفيها تكمن موهبتي وهوايتي، وتألمت لكل تلك السنوات التي مضت والتي عملت فيها مدرساتي على تحطيمي سنة بعد سنة حتى حرمنني من استغلال تلك الملكة والموهبة التي لديّ إلا ان الامر كان قد مضى ولم يعد ممكناً أن أدرس تخصصاً علمياً لأنني حاصلة على الثانوية العامة في الأدبي·
أصابوني بالعين
عائشة يوسف رغم اكتشافها لموهبتها وقدرتها إلا أنها لم تتمكن من الاستمرار فيها بسبب 'العين' على حد تعبيرها، تقول: كانت جارتنا خياطة وكانت أمي ترسلني إلى بيتها كي ألعب مع ابنتيها إلا انني كنت افضل مراقبتها وهي تخيط على اللعب، وعندما أعود إلى البيت اقوم بأخذ لفات اختي الصغيرة وأخيطها دون علم امي التي كانت تخشى عليِّ من أن تؤذيني الإبرة، ولهذا بقيت اخيط في الخفاء إلى ان اقتنعت والدتي بموهبتي وقدرتي على الخياطة وما أن وصلت سن العاشرة حتى بدأت اخيط ملابسي وملابس أمي واختي الصغيرة واتفنن في تزيين الشراشف والملائات والستائر· وفي مرحلة متقدمة بدأت اعمد إلى التصميم ورسم الملابس ومن ثم خياطتها· وفي احدى المرات خطت لجارتنا بنطالاً لزوجها إلا أن يدي اليمنى أصيبت بعد ذلك بالشلل، فقد اصابني الناس بالعين وأمضيت سنوات في العلاج حتى تحسنت إلا اني لم اعد قادرة على العودة لمزاولة هوايتي واكتفيت باصلاح بعض ملابسي وملابس زوجي واطفالي وذلك لاني لا استطيع الضغط على يدي·
مشروع عازفة
خولة حسن تضيق ذرعاً بوظيفتها التي ساقها القدر اليها متجاهلاً موهبتها التي ساهمت الظروف من حولها في كبتها، تقول:
لم يعلمني احد الموسيقى، وكنت بمجرد ان اسمع موسيقى جميلة اشعر بها تسري في داخلي فأغمض عيني واترك لاصابعي العنان لتعزف ما سمعته بكل اتقان وحرفية دون ان تعلم عن النوتة الموسيقية أو السلم الموسيقي شيئاً، إنها موهبة لا يمكنني تفسيرها تتحد فيها كافة اعضاء جسدي واحاسيسي لتحلق بي إلى السماء، وقد اشتركت في فرقة المدرسة الموسيقية وسط تعجب مدرستي من موهبتي إلا انها لم تقم بأي دور آخر سوى استغلالي في العزف في الحفلات المدرسية· وربما عملت بدون قصد على اشباع شغفي بهذه الآلة وزيادة معرفتي بها إلا ان هناك ظروفا أخرى حالت دون الاستمرار أولها معارضة والدي باعتبار ان الموسيقى حرام، والتالية انها مضيعة للوقت، وهكذا لم يعد أمامي فرصة لممارسة هذه الهواية لأن دروس الموسيقى تنتهي بانتهاء المرحلة الابتدائية، فانقطعت علاقتي بالموسيقى· وها أنذا اليوم موجودة على هذا المكتب أعمل كموظفة عادية واختنق بموهبتي التي كان من الممكن ان تجعلني من أشهر موسيقيي القرن الحادي والعشرين·
نظرة الأهل والمجتمع السلبية وراء اختناق مواهب الطالبات
إذا كانت هذه حال المواهب الفنية فما هي حال المواهب الرياضية، وهل هناك عوائق مشابهة لاكتشافها؟
الدكتورة نجلاء معوض مدربة رياضية في احدى مدارس البنات بالدولة تحدثت عن عوائق اكتشاف المواهب الرياضية أو طمرها فقالت:
لدينا مواهب رياضية متميزة نهتم بها ونحاول ان نقدم لها الدعم قدر المستطاع إلا ان الاحباطات التي تحول دون استمرار نمو الموهبة كثيرة خاصة ونحن نتحدث عن الفتيات، ويأتي في مقدمة هذه العوائق موقف أولياء الأمور الذين يرفضون اشتراك بناتهن في الانشطة الرياضية لأسباب عدة منها: الخوف على أنوثتهن، وعدم وعيهم بأهمية هذه الانشطة للصحة، وخوفاً من تأثير خروج بناتهن من حصصهن الدراسية على مستواهن الدراسي، وكذلك العادات والتقاليد الموروثة من ناحية العيب الذي ما زال مترسخاً في المجتمع من ظهور البنت (تنط وتلعب) امام الاخرين، وقد تصل البنت نفسها إلى مثل هذه النتيجة وهي ان اشتراكها في هذه الانشطة رغم رغبتها وحبها ما هو الا مضيعة لدراستها ووقتها في ظل غياب الحوافز ووسائل التشجيع من قبل المدرسة أو الدولة بشكل عام؛ فالبنت تخرج من حصصها وتمارس هواياتها الرياضية وتحصل على الدرجة ذاتها التي تحصل عليها الاخريات في مادة النشاط· كما نتمنى ان تكون هناك حوافز أخرى كحصول المتميزات في الانشطة الرياضية على منح جامعية خاصة أو جوائز استثنائية لأن من شأن ذلك أن يشجع البنات وأولياء الامور على الاستمرارية وبالتالي سنخرج بمواهب ترفع اسم الدولة عالياً في المحافل الرياضية·

اقرأ أيضا