الاتحاد

دنيا

بخور العود ودهنه أغلى من الماس

موزة خميس:
في الغابات الكثيفة وخصوصا في شبه جزيرة الهند وجنوب شرق آسيا، نبتت منذ آلاف السنين أشجار باسقة وضخمة جداً تسمى أشجار العود، وتتحد هذه الأشجار مع غيرها من الأشجار في شكلها الخارجي أما تركيبها الداخلي فيختلف نوعا ما، حيث تفرز أشجار العود داخل لحائها مادة تقوم بجذب نوع معين من أنواع الطفيليات التي تتغذى على هذه الافرازات، ومن ثم تقوم هذه الطفيليات بإخراج فضلاتها مكونة خشب العود··· لكن هل يكفي هذا القدر من المعلومات لتفسير ما تحظى به هذه الشجرة من اهتمام، وما ينفق على خشبها من أموال طائلة؟
'قصة العود' بتفاصيلها نسردها لكم في السطور التالية:
يقال إن عمر العود يعود إلى زمن أبينا آدم عليه السلام، حيث نبت شجر العود بعد نزول آدم عليه السلام إلى الأرض، وتعتبر الهند هي الموطن الأصلي للعود لأنها أول البلاد التي ظهر فيها، لكنه بدأ في الانقراض منها ويلي الهند كمبوديا، فيتنام، لاوس، سنغافورة، اندونيسيا، ماليزيا، تايلاند، وهو يوجد في الغابات الكثيفة التي تكون فيها الأجواء حتى في وضح النهار كظلام الليل الدامس وهي غابات شاسعة عرفها الإنسان منذ أن عرف الحياة·
قصدنا إبراهيم عبد الحميد أحد تجار العود بجميع أنواعه وزيت العود المشهور خليجيا باسم (دهن العود) ليحدثنا عن أسرار هذه المهنة ويفسر لنا سبب غلاء سعر هذا الخشب، فقال:
المعروف أن الغابات بيئة غنية بأصناف وأنواع كثيرة من الحيوانات، وهي تنسجم مع هذه البيئة فهي موطنها خاصة الحيوانات المفترسة، والأكثر خطرا في العالم وهذه الغابات شديدة الوعورة وهي الأكثر احتواء لأشجار العود، وفي ظل هذه الظروف تعد جماعات من أهالي القرى المجاورة لتلك الغابات عدتها للقيام برحلة لتلك الغابات، والهدف منها البحث عن أشجار العود واستخراج خشب العود منها ومن ثم بيعها، ويخرج في هذه المغامرة الشاقة قرابة المائة شخص في كل رحلة، علما أن الناجين في كل رحلة قديما والعائدين بخشب العود لا يتجاوزون خمسة وعشرين شخصاً في الظروف الصعبة، ولكن الاحتياطات الآن أفضل بطبيعة الحال، ونظراً لهذه المخاطر وغيرها يتميز خشب العود بارتفاع أسعاره·
صفات العود الجيد
وعن الكيفية التي يتم بها تمييز خشب العود الجيد قال إبراهيم: لخشب العود أصناف كثيرة ولكل صنف مميزاته التي تميزه عن غيره، وكذلك لكل صنف أساليب خاصة للتعرف إلى جودته، وهناك عدة طرق تميز العود الجيد مهما اختلفت أصنافه، فالعود الجيد شديد المرارة عند تذوقه وتزداد جودته بزيادة مرارته ولونه واحد من الداخل ومن الخارج، فإذا اختلف اللون فإن العود يكون مصبوغا ولا يجب أن تطلق عليه كلمة عود، والعود الجيد تتحد عقده، وتنمو الأشجار في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من قارة آسيا، وخصوصا في الأرض الجبلية غير العالية والسفوح ذات التربة الرملية، بدءاً من منطقة آسام الهندية، التي تتواجد فيها ثلاثة أنواع،ثم بورما وكمبوديا وجنوب فيتنام وإندونيسيا وماليزيا وحتى الصين·
وأضاف: العود شجرة دائمة الخضرة، معمرة، يصل ارتفاعها إلى عشرين متراً، ما عدا نوع واحد يكون عبارة عن شجيرة صغيرة لا يتجاوز ارتفاعها ثمانية أمتار، وهي تشيع رائحة مختلفة في الجو فور انتشارها، وتضفي على المكان مزيدا من الانتعاش والروحانية وعبيراً خلابا طبيعيا وتدوم رائحتها طويلاً بعكس غيرها من البخور والعطور·
أما ساق شجرة العود فهو أسطواني أملس، والقلف عبارة عن قشرة رقيقة، ولون خشب النبات أبيض خفيف ورقيق دون رائحة· وعند تشريح الساق، تتواجد أنسجة اللحاء جنبا إلى جنب مع أنسجة الخشب، وتنمو الأشجار في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من قارة آسيا، وخصوصا في الأرض الجبلية غير العالية والسفوح ذات التربة الرملية، بدءاً بمنطقة آسام الهندية·
حصاد وفرز
وتابع إبراهيم قائلا: للحصول على أجود أنواع خشب العود من الأشجار المعمرة يتم جمع هذا المكون النادر من خلال عملية الحصاد والتقطيع عبر قطع أشجار العود في موسم الشتاء وموسم الجفاف، ويتم ذلك بانتزاعها من جذورها بواسطة خبراء متمرسين وتقطع الشجرة والأجزاء المصابة التي هي بيت القصيد، ثم تفصل الأجزاء المصابة عن غير المصابة، ويقوم الخبراء بتنظيف الأجزاء المصابة عبر استخدام أيدي عاملة محترفة، وباستخدام الكثير من معدات النحت، يتم تخليص العود من الأجزاء غير المصابة، وبعض الأجزاء الغير خشبية العالقة بالعود، وتنجز هذه العملية بكثير من الصبر والتأني، ثم تبدأ بعد التنظيف عملية التلميع وذلك باستخدام ما يشبه المبرد المثلم غير الحاد، كما تستخدم الأقمشة أيضاً للحصول على قطع عود نظيفة ولامعة، وتحفظ النفايات لتستخدم في صنع دهن العود·
إن عملية الفرز تتم حسب معياري الوزن واللون بواسطة خبراء وينتج عن ذلك خشب الدبل السوبر Double Super، وهي عبارة عن القطع السوداء والثقيلة الوزن، وتعتبر أفضل أنواع خشب العود وأغلاها ثمنا، وأجودها الأسود الصلب الذي يشبه الصخر، ويتميز بكونه لا يطفو على الماء، ولا يقطر منه الدهن·
أما خشب السوبر Super فهو أقل سوادا وأقل وزنا، ثم يأتي المتوسط وهو ذو لون بنّي أكثر منه أسود، وهناك العادي وهو قطع الخشب البني المائل للصفرة، وأدناها سعرا، ثم الدقة وهي القطع الصغيرة الناتجة عن تكسر خشب العود، وفي الغالب تكون خليطا من كل الدرجات من الدبل سوبر وحتى العادي، لذا فإن رائحتها تتأرجح بين الممتازة والعادية، مما يجعل سعرها أغلى من العادي في بعض الأحيان·
الأغلى في العالم
دهن العود المشهور خليجيا، والذي لا يعرف قيمته إلا الخليجيون هو خلاصة زيوت خشب العود وهو ذو رائحة طيبة، ويتم الحصول عليه من شجر العود المصاب وذلك بعد عملية التقطير، وبما أن تقطير خشب العود الممتاز مكلف جدا، فإن سعر الدهن خيالي، لهذا تستخدم في الغالب أخشاب العود الأقل جودة والناتجة من تنظيف خشب العود مع أشجار العود الصغيرة (30 سنة) والمصابة·
ويشرح إبراهيم عبدالحميد ذلك بقوله: يتم تقطيع الخشب إلى قطع صغيرة جدا، وإذا كان خشب العود شبه جيد فإنه يقطع أجزاء صغيرة ثم يُدق بمطرقة كبيرة، ليتحول إلى فتات مدقوق وهناك طريقة أخرى، وهي طحن خشب العود بمطحنة كهربائية، وتحويله إلى بودرة، ويتم نقع القطع الصغيرة أو البودرة هذه في الماء، لفترة تتراوح من 5 إلى 30 يوما، وخلال هذه الفترة تحدث عملية التخمر، والتي تساعد على تحويل جزء كبير من الشمع الموجود في خشب العود إلى دهن العود·
يوضع العود المنقوع في مراجل (قدور) تقطير تختلف سعتها من 15,60,70,100,300 كيلو جرام، وتمرر أنبوبة التقطير فيها عبر صهريج مياه للتكثيف، وهناك النوع الحديث المرتبط بمكثف صغير تدور فيه المياه، ثم توقد عليها النار ويشترط بأن تكون نار حطب الأشجار، التي تمتاز بقوة نارها وبطء احتراقها (ولكن الكثير من المصانع استبدلتها بالمواقد الحديثة) ويظل العود على اللهب المعتدل لفترة ما بين ستة إلى سبعة أيام حسب نوع العود، وكلما كان الخشب جيدا وناتج التقطير كبيرا يستمر التقطير والعكس صحيح·
يتم بعد ذلك جمع (الدهن) الزيت المتجمع على سطح الماء في وعاء الجمع عند طرف أنبوبة التكثيف·
عود مغشوش
كشف لنا إبراهيم عن أساليب الغش التي يتبعها بعض أصحاب المصانع ومنها: ترطيب خشب العود ونقعه في الماء، وتجفيفه قليلا بحيث تبقى الرطوبة في الداخل وبالتالي يزداد وزن الخشب وكذلك لإعطائه رائحة زكية، وهناك من يلجأ إلى اضافة الرصاص داخل خشب العود لزيادة وزنه، وهناك من يلجأ إلى صبغ خشب العود الرديء والأقل جودة بنفس لون العود الأصلي، ولكن التاجر النزيه يخبر زبائنه عن ذلك ويترك لهم الخيار، وعادة لا تصبغ الدبل السوبر ولكن تصبغ الأنواع الأقل جودة·
وفي ما يتعلق بدهن العود، يتم خلط نوعية من الدهن مع نوعية أخرى لتعطي رائحة نوعية مشهورة، أو خلط أنواع مختلفة بنسب محسوبة ويعطى لها اسم النوع الأفضل·

اقرأ أيضا