الاتحاد

ألوان

الحكم بما أنزل الله في القرآن.. أمر إلهي

أحمد محمد (القاهرة)

قالت جماعة من اليهود بعضهم لبعض، اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولن يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة، ونحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى فيهم: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ»، (المائدة: 49).
قال الطبري، القول في تأويل الآية، وأن احكم بينهم بما أنزل الله، أنزلنا إليك يا محمد، حكم الله في كتابه، مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ونهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه في قتيلهم وفاجريهم، وأمر منه له بلزوم العمل بكتابه، واحذر يا محمد، هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك أن يفتنوك، فيصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتباع أهوائهم.
فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به عليهم وقضيت فيهم، فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضا بحكمك وقد قضيت بالحق، إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم، وإن كثيرا من اليهود لفاسقون، تاركو العمل بكتاب الله، وخارجون عن طاعته إلى معصيته.
وقال القاسمي في تفسيره، وأن احكم بينهم بما أنزل الله، أي الكتاب والحكم بما فيه، أنزلناه بالحق، ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، أي يصرفوك عنه، فإن تولوا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره، فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، بذنب التولي عن حكم الله، وإرادة خلافه، وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أي المتمردون في الكفر معتقدون فيه، وإن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر.
وقال ابن الجوزي في زاد «المسير»، ذكر مقاتل أن جماعة من بني النضير قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، هل لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء كما كنا عليه من قبل، ونبايعك؟ فنزلت هذه الآية في شأن الرجم، وفي التسوية في الديات وتحاكموا إليه في الأمرين، واحذرهم أن يفتنوك، أي يصرفوك عن بعض ما أنزل الله إليك في شأن الرجم، وفي شأن القصاص والدماء، فإن تولوا عن الإيمان، فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعذبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون، والمراد بالفسق الكفر والكذب والمعاصي.
وقال إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي، إن الحق سبحانه بيّن أن القرآن قد نزل مهيمنا، وعلى الرسول أن يباشر مهمة، التنفيذ، لذلك يأتي هنا قوله: «وَأَنِ حْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ للَّهُ» بلاغا للرسول وإيضاحا، أنا أنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتب السابقة ومهيمنا فاحكم بما فيه، فإذا جاءك قوم بشيء مخالف لما نزل من القرآن، فاحكم بينهم بالقرآن، «وَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ»، والحذر هو احتياط الإنسان واحترازه مِمَّن يريد أن يوقع به ضررا في أمر ذي نفع، والذي يرغب الضر قد يزين لنفسه ولغيره الشر كأنه الخير، على الرغم من أن ما في باطنه هو كل الشر.
ويختم الله الآية بقوله: «وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ لنَّاسِ لَفَاسِقُونَ» أي خارجون عن طاعة كتبهم ورسلهم، فطريق الفلاح كان مكتوبا في التوراة والإنجيل، والأمر باتباع محمد موجودا في الكتب السابقة على القرآن، والبشارة به رسولا يأمر بالخير وينهى عن الشر.

اقرأ أيضا