الاتحاد

ثقافة

«دفاعاً عن الرياضيات».. رحلة خلف الجمال «المكروه»!

عبير زيتون (رأس الخيمة)

يرى فيلسوف «الِعلم الكبير» برتراند راسِل: «إننا لو استعرضنا «الرياضيات» استعراضاً صحيحاً، لما وجدنا فيها الحقيقة وحسب، بل وجدنا فيها جمالاً سامياً، جمالَ البرود والقسوة والصرامة. هو جمال فيه الصفاء، والسناء والمقدرة على بلوغ الكمال، الذي لا يُتاح إلا لأعظم الفنون.»
«الرياضيات» هذا الجمال حسب «راسِل»، مافتأ يتطور، ويتقدم ويتدخل في حياتنا غير عابئ بمشاعر»الأغلبية» من النفور والعداء، ومشاعر الخوف، والقلق التي نحملها من طفولتنا لهذا النوع من «العلوم» بحكم «نُظم التعليم الكلاسيكية المُنفرة»، تقوم على بنى ورموز شديدة التجريد، وعلى أشكال خيالية ومفاهيم خاصة بالغة الرمزية، تبدو لنا كأفراد لا «نكن لها هذا الحب» (الذي تحتاجه لفهمها) تبدو شطحاً من الخيال وهي القائمة على معادلات مستحيلة، وعوالم غامضة، لاسلطة لها على أرض الواقع، بينما هي في الحقيقة وحسب علمائها ومفكريها «كائن حي» يتطور ويتغذى من تكويننا، لينمو باتجاه تشكيل متناغم تجريدي قد يكون بالغ التعقيد اسمه «عالَم الرياضيات». وهذا العالَم الرياضي بغموضه وسر أبجديته، يوصف بأنه ليس شيئاً ثابتاً ومستقراً، بل هو حيٌّ وديناميٌّ، مثل أي عالم آخر، يتفاعل مع نفسه لينمو بشكل دائم، مشكلا اليوم العمود الفقري لبقية العلوم وسر «لغة الكون» الذي بفضله خرج الإنسان من وضعه الخاص إلى العمومي والميتافيزيقي للكون.  
رحلة شيقة لا تخلو من «جمال الصفاء»، وأنت تتابع تنقلات المؤرخة الرياضية الراحلة «جاكلين ستيدال» من جامعة أوكسفورد» في شمولية تواريخ وأزمنة تعلم وظهور الرياضيات في المجتمعات البشرية، وذلك في كتابها «تاريخ الرياضيات: مقدمة قصيرة جداً» المميز بجهد السهولة والبساطة في تعامله مع تاريخ الصفوة من علمائها الكبار قديماً وحديثاً.
 وتصف مؤلفة الكتاب «ستيدال» أن تاريخ «الرياضيات» الذي لم تستكشفه التواريخ العامة -حسب رأيها- والذي يمتد حتى أربعة آلاف عام مضت على الأقل، أشبه مايكون بتاريخ أحجار متفرقة تبرز على صفحة نهر عديم الملامح، مع قلة الباحثين الذين اهتموا بكشف ثراء وتنوع النشاط الرياضي على مدار التاريخ الإنساني.  
وحول كيفية انتشار الأفكار الرياضية، تقول المؤرخة «ستيدال» في كتابها إن أولئك الذين تصوروا «مستريحين» أن الرياضيات بدأت بـ«بفيثاغورث»، ربما يصابون ببعض الارتباك حين يكتشفون أن الرياضيات المعقدة بدأت ممارستها قبل ما يزيد عن «الألف عام من وقت فيثاغورث»، وذلك في مصر، وفي بابل العراق، حيث عاشت الحضارتان المصرية والبابلية في الألفيتين الأولى والثانية قبل الميلاد، ولكننا نعرف عن الرياضيات في «بابل» أكثر بكثير مما نعرفه عنها في «مصر» بسبب متانة الألواح الطينية التي كانت متماسكة مقارنة «بورق البردي» المستخدم في منطقة النيل.
 وتوقفت المؤلفة في بعض محطات الكتاب (الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. ترجمة الدكتور محمد عبدالعظيم سعود. ومراجعة محمد فتحي خضر) عند حياة ثلاثة علماء مسلمين من القرون الوسطى مثل العالم نابغة الرياضيات «ثابت بن قره»، والفيلسوف والمؤرخ «أبوريحان البيروني»، والرياضي والفلكي والشاعر «عمر بن إبراهيم الخيامي النيسابوري» المعروف بـ «عمر الخيام».

اقرأ أيضا

الإمارات شريان العالم القديم المتجدد