الاتحاد

الاقتصادي

منطقة التجارة الحرة مع تركيا بوابة مصر إلى شرق أوروبا

القاهرة - محمود عبدالعظيم:
جاء توقيع مصر وتركيا على اتفاقية إنشاء منطقة للتجارة الحرة بين البلدين ليمثل خطوة متقدمة على طريق المبادرة 'الأورومتوسطية' التي يتبناها ويدعمها الإتحاد الأوروبي بهدف تدعيم الروابط التجارية والاستثمارية بين بلدان المتوسط·
وجاءت الاتفاقية بالنسبة للجانب التركي كإحدى استحقاقات بدء المفاوضات لضمها إلى الاتحاد الأوروبي ولتبرهن لشركائها الأوروبيين على التزامها بتعهداتها في هذا الشأن بينما جاءت الاتفاقية لمصر كخطوة على طريق انفتاحها التجاري على العالم تمهيدا لعصر التجارة الحرة مع اتفاقية 'الجات' ولتمثل الاتفاقية بوابة لنفاذ السلع المصرية للسوق التركية وبعض أسواق دول أوروبا الشرقية·
وزاد حماس الحكومة المصرية لتوقيع الاتفاقية بسبب بعض الجوانب التفضيلية التي حصلت عليها من الشريك التجاري حيث منحت الاتفاقية حق النفاذ الفوري للسلع المصرية إلى السوق التركية بمجرد التوقيع بينما منحت مصر جدولا زمنيا متدرجا مدته 14 عاما يتم خلالها نفاذ تدريجي للسلع التركية إلى السوق المصرية·
ووفقا للخبراء الاقتصاديين فإن آثار توقيع هذه الاتفاقية لن تقتصر على الجانب المصري بل تمتد إلى عدد من الاقتصاديات العربية الأخرى خصوصا الدول المنضوية تحت مسمى دول جنوب وشرق المتوسط أي ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وسوريا ولبنان والأردن·
ويمكن أن تمثل الاتفاقية قاعدة لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية العربية التركية في ظل طموح تركيا لتوسيع نفوذها الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط مستفيدة في ذلك من متغيرات دولية مواتيه في مقدمتها تحرير التجارة العالمية واقتراب انضمامها للإتحاد الأوروبي الأمر الذي يمنحها مزايا تفاوضيه عديدة مع العرب·
واقع جديد
وتعكس لغة الأرقام هذا الواقع الجديد في ملف العلاقات الاقتصادية العربية التركية فعلى سبيل المثال يميل ميزان التبادل التجاري المصري التركي لصالح تركيا حيث بلغ العجز بين الجانبين 230,4 مليون دولار في العام 2000 وقفز إلى 329,3 مليون دولار في العام 2001 ثم تراجع إلى 202,8 مليون دولار في العام 2002 ثم إلى 156,6 مليون دولار في العام 2003 ثم عاود العجز ارتفاعه في العام 2004 ليبلغ 217,4 مليون دولار·
وهذا الواقع يجب أن يكون حافزا لمصر لتوجيهه للأفضل مستقبلا على ضوء الاتفاقية حسبما يقول الدكتور جمال الناظر -رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس الجانب المصري في مجلس الأعمال التركي المصري الذي تأسس قبل عامين- مؤكدا أن الاتفاقية تدعم التبادل التجاري بين البلدين وتتيح فرصا إضافية للشركات المصرية خاصة في مجالات التصنيع والتشييد والبناء في السوق التركية·
وقال إن الاتفاقية توفر لمصر عددا من المزايا في مجالات عديدة منها زيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمار المشترك واستخدام التكنولوجيا التركية المتقدمة في دعم الصناعة المصرية· وتتيح الاتفاقية لمصر الاستفادة من التحرير التدريجي الذي يبدأ عام 2006 وينتهي عام 2020 باستيعاب الواردات التركية بشكل تدريجي لا يضر الصناعات المصرية إضافة إلى نفاذ الصادرات المصرية إلى الأسواق التركية معفاة من الرسوم الجمركية والرسوم ذات الأثر المماثل فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ·
وأضاف الناظر أن الاتفاقية تضمن الاستفادة من قاعدة تراكم المنشأ المتعدد الأطراف الأمر الذي يعزز قدرة الصناعة المصرية على النفاذ لأسواق تركيا ودول الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة مع تركيا باتفاقيات تجارة حرة من خلال إقامة صناعات تكاملية مشتركة بين مصر وتركيا والدول الأورومتوسطية خاصة الصناعات النسيجية إلى جانب استفادة الصناعة المصرية من التكنولوجيا المتقدمة ودعم القدرة التنافسية للصادرات المصرية في مواجهة صادرات الدول التي سبق أن وقعت اتفاق تجارة حرة مع تركيا·
وعلى صعيد الاستثمارات المشتركة من المنتظر أن تسهم الاتفاقية في دعم ثقة المستثمرين الأتراك بمصر وإمكانية اجتذاب جزء من هذه الاستثمارات للسوق المصرية عبر إقامة عدد من المشروعات المشتركة في مجالات مهمة بالنسبة للجانب التركي ومنها صناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والأسمنت والجلود والحديد والمنظفات الصناعية والسيراميك والبورسلين·
ويؤكد رائد علام -رئيس إحدى شركات التمويل وإعادة الهيكلة- أن توقيع اتفاقية للتجارة الحرة بين مصر وتركيا يأتي في إطار إعلان برشلونة الصادر في نوفمبر عام 1995 بشأن التعاون الأوروبي المتوسطي والذي وقعت عليه مصر ويتضمن إقامة منطقة تجارة حرة أوروبية متوسطية تضم دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب البحر المتوسط بحلول العام 2010 وتطبيق قواعد تراكم المنشأ المتعدد الأطراف على المنتجات المتبادلة بين دول الاتحاد ودول جنوب المتوسط بما يدعم عمليات التكامل الصناعي والتبادل التجاري والتعاون الاستثماري بين هذه الأطراف جميعا·
ويرى رائد علام أن دولا عربية عدة منها مصر والأردن والمغرب لديها فرص جيدة لاستثمار الجوانب الايجابية في إعلان برشلونة وتوقيع اتفاقيات تجارة حرة مع بلد مثل تركيا ومن هذه الفرص تعزيز قدرة صادرات هذه البلدان على النفاذ للأسواق الأوروبية خاصة وأن مواصفات السوق التركية لا تختلف كثيرا عن مواصفات أي سوق أوروبية وكذلك تشابه درجة المنافسة وانعدام الإجراءات الحمائية إلى جانب إمكانية الاستفادة من خبرات تراكمت لدى الجانب التركي من تعامله مع أسواق أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي السابق خاصة وأن التقارير العالمية تشير إلى تنامي حجم الاستثمارات التركية في الأسواق الخارجية الأمر الذي يمثل فرصة ذهبية لمصر لاقتناص حصة من هذه الكتلة المتنامية والتي بلغت أكثر من ثلاثة مليارات دولار في العام الماضي وحده توجه أكثر من نصفها للاستثمار في مجالات الغاز والبترول والبتروكيماويات في روسيا ودول البحر الأسود والبلطيق خاصة وأن الحكومة المصرية تروج حاليا لعدد من المشاريع الاستثمارية الكبرى في مجال الغاز والبتروكيماويات·
وقال إن الأمور يمكن أن تؤدي لظهور تحالفات استثمارية بين شركات عربية وأخرى تركية تعزز اتجاه تحرير الاقتصاديات العربية واندماجها في الاقتصاد العالمي الأمر الذي سوف ينعكس بالإيجاب على العلاقات الاقتصادية العربية البينية خاصة تلك الداخلة في إعلان برشلونة·
إغراق الأسواق
ويحذر علاّم من إمكانية أن تتحول اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتركيا إلى سلاح ذي حدين بحيث تفتح الطريق أمام إغراق الأسواق العربية بالسلع التركية منخفضة السعر والعالية الجودة مستفيدة في ذلك من اتفاقية تيسير التبادل التجاري العربي الأمر الذي يعني تزايد العجز في الميزان التجاري بين تركيا ودول عربية عديدة·
ويبدي عدد من رجال الصناعة المصريين مخاوف كبيرة من الآثار السلبية التي يمكن أن تتركها الاتفاقية على الصناعات المصرية خاصة في ظل فجوة صناعية تكنولوجية هائلة تفصل بين القطاعين الصناعيين في مصر وتركيا·
ودفعت هذه المخاوف عددا من منظمات رجال الأعمال في مقدمتها اتحاد الصناعات وبعض جمعيات المستثمرين في المدن الجديدة لعقد عدد من اللقاءات مع مسؤولي جهاز التمثيل التجاري ووزارة الصناعة لشرح مخاوفهم إلا أن وزير الصناعة والتجارة المهندس رشيد محمد رشيد قلل من هذه المخاوف معتبرا أن الاتفاقية أصبحت أمرا واقعا ويجب التعامل معها والسعي لتعظيم جوانبها الايجابية·
ورصد عدد من الصناعيين عدة قطاعات صناعية سوف تتأثر بالهجوم التركي· ومنها الصناعات الهندسية التي سوف تتأثر سلبا في حالة رفع الحواجز الجمركية بين البلدين خاصة في ضوء ارتفاع المزايا النسبية للصناعات التركية مقارنة بنظيرتها المصرية·
ويقول محمد المنوفي -رئيس جمعية مستثمري 6 أكتوبر- إن مخاوف الصناعيين المصريين من الآثار السلبية للاتفاقية على بعض القطاعات الصناعية مشروعه حيث يجب توفير سبل المنافسة الصحية للصناعات الوطنية داخل أسواقها المحلية، مشيرا إلى أن إلغاء الحواجز الجمركية قد يمنح مزايا سعرية للمنتج التركي في بعض المجالات الأمر الذي يضر المنتجات المصرية· وأضاف: عصر التجارة الحرة والعولمة لا يعني عدم الدفاع عن الصناعة الوطنية لأن هذه الصناعة تمثل ركيزة الاقتصاد القومي بما تتيحه من منتجات عديدة قابلة للتصدير إلى جانب سد احتياجات المستهلك المحلي بأسعار مناسبة·
وأشار إلى أن الحكومة المصرية تعلم مخاوف ومطالب الصناعيين المصريين وسعت إلى التقليل من هذه الآثار المتوقعة في بعض بنود الاتفاقية ومنها البند الخاص بالسماح للمنتجات المصرية بالنفاذ الفوري في الأسواق التركية مقابل النفاذ التدريجي -عبر 14 عاما- للسلع التركية في السوق المصرية وهذه المهلة فرصة للصناعات المصرية لتعزيز قدراتها التنافسية سواء في السوق المحلية أو الخارجية·
وطالب الصناعيين المصريين بسرعة الاستعداد لزمن التحرير القادم من خلال تعظيم الاستفادة من الارتباط مع اقتصاديات بعض الدول العربية المجاورة لتعزيز قدرة الاقتصاد الإقليمي للمنطقة العربية في التعامل مع المتغيرات العالمية ورياح العولمة·

اقرأ أيضا