الاتحاد

رمضان

المصريون والخرافة


لا يزال الخوف يسيطر على سكان قرية شمس بمركز بني مزار· ينتظرون وقوع مذبحة أخرى، يخافون أن تكون أشد هولا من مذبحة الأسر الثلاث، ولا يصدقون أن القصة قد انتهت بالقبض على الشاب العاطل المصاب بمرض انفصام الشخصية، الذي اتهمته الشرطة بارتكاب الجريمة دون أن تتمكن من كشف دوافعه، أو يعاونها بعض الأطباء النفسيين على فك لغز القاتل الذي فشل في إعادة تمثيله لارتكاب الجريمة، وبدا شاردا مغيبا وكأنه فقد الذاكرة·
وبرغم الاعترافات التي قدمها المتهم، فلا يزال سكان القرية يتصورون أن ما حدث يستعصي على قدرة فرد من البشر يستطيع وحده ارتكاب جرائم القتل الثلاثة على تباعد المسافات بين الدور، في هذا الزمن المحدود، ودون أن يشعر احد، ولا يصدقون أن يكون المتهم هو القاتل، لأنه رغم شرود ذهنه فإنه يبدو هادئ الطبع لا ينقطع عن الصلاة، إلا أن يكون قد تلبسه الجن الذين يشكلون العالم الآخر الذي تعيش في قرية شمس، وعدد من القرى المجاورة تعتقد بالفعل أن كنز قارون مدفون في أراضيها، وان الجن القائمين على حراسته لن يسمحوا لأحد بالحصول عليه، إلا ان يقدم طفلا ذبيحا ساخن الدماء قربانا للكنز·
صحيح أنه في كل قرية مصرية توجد خرافة الطفل الذبيح المجهول الاسم الذي لا يعرف له احد عنوانا والذي لا مفر من ذبحه كي تدور الطاحونة أو وابور الري القديم، لكن الأمر يختلف تماما في قرية شمس وما حولها من قرى بني مزار التي تقع في محيط البهنسا التي كانت واحدة من أهم حواضر مصر القديمة ومازالت غنية بالآثار، حيث تسيطر خرافة الكنز على عقول الجميع، ويتوافد أفواج الدجالين يفرضون مطالب غريبة على سكان هذه القرى لمساعدتهم على الكشف عن الكنز الذي سوف ينقذ القرية من بؤسها إن تمكنوا من العثور عليه ليلا في غيبة الحكومة·
وفي مرات كثيرة حفر السكان ليلا في عدد من الأماكن التي أشار إليها هؤلاء الدجالون لكن الحفر كان يتوقف دون فائدة لان الجني لا يريد أن يبوح بسر الكنز إلى أن يشم رائحة دماء الطفل الذبيح·
تلك هي الخلفية لحقيقة ما حدث في قرية شمس التي تملأ سكانها رعبا وتدفعهم إلى الكتمان وتجعلهم يتشككون في أن يكون الشاب المريض النفسي هو القاتل، وربما كان من واجب الأمن ان يفتش على هؤلاء الدجالين فهم الذين حرضوا على ارتكاب الجريمة في ظل الخرافة التي تعيشها القرية منذ سنوات خرافة الجني والكنز والطفل الذبيح·
ومع الأسف مازالت الخرافة تسكن عقول كثير من المصريين التي يروج لها آلاف المشعوذين يخلطون بين السحر والدين ويدعون القدرة على معرفة الغيب وكشف المستور والمخبوء وعلاج ما يستعصي على الطب، وتسخير الجن وصرفه وربطه، دون أن نبذل جهدا كافيا لمحاربتها في عصر العولمة والاتصالات وأجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة· وفي دراسة علمية أنجزها مركز البحوث الجنائية أن 65 في المئة من المصريين يعتقدون في الخرافة، وان في مصر 200 ألف مشعوذ وان المصريين ينفقون ما يربو على مليار جنيه على السحر والشعوذة·
مكرم محمد أحمد
' الأهرام'

اقرأ أيضا