الاتحاد

تقارير

الصومال.. صراع بين المعتدلين والمتشددين

الصومال···صراع بين  المعتدلين  والمتشددين

الصومال···صراع بين المعتدلين والمتشددين

بعد أن انسحبت القوات الأثيوبية من الصومال، تحركت مليشيا''الشباب'' الإسلامية المتطرفة بسرعة للسيطرة على هذا البلد الذي مزقته الحروب·وربما تكون العقبة الوحيدة التي تقف في طريق''الشباب'' هي ذلك الجيش من المواطنين، ورجال الدين الذين يكافحون من أجل الحفاظ على ما تبقى من الصومال الذي عرفوه كأجيال· يطلق الخبراء الغربيون على ذلك الجيش من المواطنين ورجال الدين''المعتدلين'' بينما يطلقون هم على أنفسهم''أهل السنة والجماعة''· مقارنة بمليشيا''الشباب'' الحسنة التدريب والتجهيز، التي استولت على عاصمة الحكومة الانتقالية ''بيداوا''الأسبوع الماضي، يعتبر جيش''أهل السنة والجماعة'' فقيراً في تسليحه، بيد أنه يتمتع بميزة مهمة هي أنه يحظى بشعبية كبيرة· وعلى الرغم من أن رجل الدين المعتدل''شيخ شريف شيخ أحمد''، قد انتخب رئيساً للصومال من قِبل البرلمان الانتقالي أول من أمس، فإن ''أهل السنة'' يدركون أن زمنهم يواجه صعوبات جمة·
ففي مقابلة أجريت مؤخرا مع ''شيخ محمد معلم حسين'' الأمين العام لأهل السُنة بالعاصمة الكينية نيروبي، قال:''من المفاهيم المفتاحية لدى أهل السُنة أن كل فرد يتمتع بحق الكرامة الإنسانية والتعايش السلمي· ولكننا عندما نرى أنه لا يوجد هناك أمان لحياة الرجل العادي، ولا قانون، ولا نظام وأن الموتى أنفسهم غير آمنين ـ حيث تدمر مقابرهم وتُنهب ـ فإن الوضع يكون قد وصل إلى درجة تفوق حدود الاحتمال''·
باعتبارهم من أتباع المذهب الصوفي المسالم، قد لا يكون ''أهل السنة'' محاربين بالفطرة، ولكنهم قد يكونون مع ذلك آخر أمل لعودة السلام إلى ربوع الصومال· ونظراً لأنهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يمثلون قطاعاً عريضاً من مواطني الصومال، فإن ''أهل السنة'' حملوا السلاح مؤخراً، وحققوا عدداً من الانتصارات العسكرية على ''مليشيا الشباب'' الأفضل تدريباً وتمويلاً· والآن، وبعد انسحاب القوات الأثيوبية، ودفع الحكومة المؤقتة العلمانية إلى المنفى، يجد أهل السنة أنفسهم أمام ساعة الاختبار·
يوضح ''راشد عبدي'' الخبير الصومالي في مجموعة الأزمات الدولية في نيروبي ذلك بقوله:''لقد عززت مليشيا الشباب قبضتها على جنوب الصومال، ومن العبث أن ننظر إليهم، كما تفعل ذلك وسائل الإعلام الإخبارية، على أنهم مليشيا مهلهلة''· ويعترف''عبدي'' بأن المقاربة المسالمة والروحية لأهل السنة:''أكثر اتفاقاً مع طبيعة المجتمع الصومالي، حتى بعد سنوات الحرب، إلا أن رجال الدين الصوفيين يقومون بمخاطرة كبيرة عندما يحملون السلاح ويدخلون المجال السياسي''·
ويزيد هذه النقطة توضيحاً فيقول:''الإشكالية التي تواجه أهل السنة هي أنهم كلما حملـــوا المزيد من السلاح ومالوا نحــو تبني أجندات عسكريـــة، كلما تآكلـــت الأرضيــــة الأخلاقيـــة العالية التي يقفــون عليها، وتآكلت معها مصداقيتهم· وذهاب الرجل الصوفي للقتال يتناقض مع الأسس الراسخة للمذهب الصوفي التي تنزع إلى السكينة والهدوء والمسالمـــة ونبذ العنـــف على عكس ما هـــو عليه الحــال مع ''الشباب'' الذي يعتبر العنف بالنسبة لهم شيئاً مقدســـاً''·
على أي حال كان العنف هو قصة الصومال الدامية خلال السنوات الثمانية عشر الماضية، وتحديداً منذ سقوط حكومة ''محمد سياد بري'' عام ·1991
عقب سقوط تلك الحكومة حاولت العشائر المتنافسة بسط سيطرتها على البلاد، ما أدى إلى نزوح ما يقرب من 1,1 مليون صومالي من ديارهم، وتدهورت الأحوال إلى حدود غير مسبوقة يمكن تبين مداها إذا عرفنا أن3,2 مليون صومالي(40 في المئة من إجمالي السكان) يعتمدون على معونات الأغذية من أجل البقاء على قيد الحياة·
وسط المعارك الدامية المستمرة التي اندلعت بين العشائر الصومالية لا يزال الإسلام باعتباره الديانة التي يعتنقها 95 في المئة من السكان هو القوة الوحيدة القادرة على توحيد الصومال· ولكن السؤال هو: أي نسخة من ''الإسلام'' سوف يعتنق الشعب الصومالي؟
كما رأينا، أدت الحرب المستمرة إلى تقويض المدرسة الصوفية التقليدية من الإسلام، التي كان زعماؤها يؤيدون زعيم عشيرة معينة، أو أمير حرب واحد، خلال العقدين الأخيرين·
في الوقت الراهن يجد الكثير من الشبان الصوماليين أن رسالة العمل المسلح القوية التي يعتنقها''السلفيون'' والراتب الشهري الذي يقدمونه لمن ينضم إليهم وهو 200 دولار أكثر إغراء بكثير من النهج الهادئ الصبور الداعي إلى التسوية الذي يعتنقه الصوفيون·
فعندما سيطر الإسلاميون على معظم الصومال في يوليو من عام ،2006 تحت قيادة تحالف يطلق على نفسه ''اتحاد المحاكم الإسلامية''، إنجذب إليهم معظم الصوماليين· وخلال فترة قصيرة تمكنت قوات ''المحاكم الإسلامية'' من تفكيك نقاط التفتيش المختلفة التابعة للفصائل العديدة المتحاربة وأمراء الحرب، واستعادت النظام والقانون، ونجحت في إيقاف القرصنة لفترة قصيرة·
ولكن التهديدات التي وجهها المتطرفون داخل''اتحاد المحاكم الإسلامية'' بالسعي من أجل إنشاء''الصومال الكبير'' الذي سيضم المناطق التي تقطنها أقليات صومالية في آثيوبيا وكينيا، أجبرت أثيوبيا على التدخل في الصومال، والإطاحة باتحاد المحاكم الإسلامية بعد ذلك بستة شهور مدعومة في ذلك سراً من قبل الولايات المتحدة·
وتمكنت أثيوبيا من خلال تدخلها القوي في الصومال من إنهاء سيطرة ''ميليشيات الشباب'' وغيرها من المليشيات الإسلامية على مقاليد السياسة في الصومال، غير أن ذلك أدى في الوقت نفسه إلى زيادة شعبية تلك المليشيات وزيادة قوتها، وذلك عندما لجأ العشرات من الشباب الصومالي إلى حمل السلاح والانضمام إلى تلك المليشيات من أجل طرد القوات الأثيوبية الغازية·
واستغلت مليشيات''الشباب'' خروج القوات الأثيوبية من الصومال مؤخراً كصيحة تجميع تدعو من خلالها لانضمام المزيد من الشباب الصومالي إليها، كي تتمكن من التقدم وتولي مسؤولية الحكم·
ويعترف ''شيخ حسين'' الأمين العام لـ''أهل السُنة'' بأن مجموعته أقل تسليحاً من'' مليشيا الشباب''، ولكنه يصر مع ذلك أن الشعب الصومالي يقف خلفهم''· وهو يقول عن ذلك''لأن السكان يقفون إلى جانبنا، فإننا سننجح دون خسائر كبيرة··· ونحن قادرون على عزل مؤيدينا عن الشباب وسوف نتمكن من تحقيق نجاحات في مجال كسب قلوب القطاعات الأصغر سناً من الشعب· وإذا نجحنا في ذلك، فإننا سننجح في نهاية المطاف في تفكيك قوتهم العسكرية''· وفي حين أن فكرة تشكيل حكومة إسلامية تجعل دولاً مثل الولايات المتحدة تشعر بالقلق، إلا أن الخبراء يتفقون على أن الصومال لن تتمكن من تحقيق السلام إلا إذا ما أُعطي للإسلاميين دور في الحكومة·
ويقول ''إقبال جهازبهاي'' الخبير في شؤون القرن الأفريقي في جامعة جنوب أفريقيا في ''تشوين'':''سبب فشل الحكومات السابق يرجع إلى أن الحال كان ينتهي بها إلى الوقوع تحت سيطرة مجموعة واحدة تعمل على استبعاد المجموعات الأخرى··· ولكن إذا تمكن الصوماليون من ضم الإسلاميين، فإنهم سيكونون قادرين على تحييد، وتخفيف، بعض الأفكار غير المعتدلة· أما الصوماليون ذواتهم فشعب براجماتي وسوف يتمكنون من وضع الضوابط وتحقيق التوازنات التي تضمن كبح جماح الإسلاميين''·

سكوت بالدوف -نيروبي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا