الاتحاد

الشهد والدموع


كنت أسير في أحد الأيام بين أزقة الحارة الضيقة وكان يجلس هناك في الزاوية رجل كبير السن، تارة يبكي وتارة أخرى يضحك·· تارة يجلس وتارة يقف···
فجعلت أنظر إليه خلسة من بعيد ثم اقتربت منه وسألته، ما بك يا سيدي؟ فأجاب بصوت لا يكاد يُسمع، وما شأنك أنت!! فقلت له: إنما هو الفضول يا والدي·· فأمسك بيدي بعنف كأنه طفل صغير خائف من شيء ويداه ترتعدان·· تعال معي يا بني، فقلت له: الى أين يا والدي؟·· فمشينا سوياً ولا تكاد خطاه تنقله لولا أني كنت أساعده على المشي، فوصلنا الى شبه بيت·· بيت مهجور، تسرح فيه الجرذان وسقفه منهار، وفي إحدى زواياه توجد أواني الطبخ وبقايا طعام قد أكل عليها الدهر وشرب وقطة صغيرة تبحث عن فتات الطعام أو بقايا تقتات منها!
وجلست والشيخ الكبير على منضدة بالية لا تكاد تفصلها عن الأرض سوى قطعة قماش بالية وأخرج من خزانة قد غطتها الغبار، بحيث كل من رآها لا يعرف طبيعة لونها الأصلي، أخرج صندوقاً بانت عليه سمات القدم وكان الغبار يكسو لونه الرمادي الجميل وساعدته في فتحه ليخرج صوراً قد عجبت لما رأيتها··· وإذا به يقف عند صورة ويرتدي نظارته مكسورة الذراع ويقول لي: هؤلاء هم من أبكاني عليهم الدهر وفقدتهم واحتسبتهم عند إله عزيز مقتدر·· فاغرورقت الدموع في عيني وأنا أرى الشيخ العجوز يحتضن الصورة ويبكي بحرقة المظلوم والمقهور التي تكاد تفلق الصخر من شدتها·· فدموع الرجل أبداً لا تنزل بسهولة!
فاستجمعت قواي وسألته من هؤلاء يا والدي؟ فقال: هذه عائلتي ونظر الي نظرة بعدما أزاح النظارة عن عينيه اللتين لا تكادان تظهران من بين تجاعيد وجهه الذي كساه الشعر الأبيض·· وقال لي بلهجة المطالب بالحق: أتسألني من هؤلاء وأنت ترى حالي وكأني أشقى البؤساء، من دفنهم القوم المغضوب عليهم أحياء، وذلك المنزل هو مقبرتهم، مشيراً بإحدى أصابعه المرتعشة الى مستعمرة ليست بالبعيدة عن ناظري·· وقال: هيهات لمن يسمع النداء هيهات··· وهيهات لمن يلبي هيهات·· فتركته وسرت لأكمل مسيري وكنت أفكر علني أهتدي الى إجابة!
أحمد حجازي - الإمارات

اقرأ أيضا