الاتحاد

الديمقراطية والتربية

كلما جرى الحديث عن الديمقراطية، تتوارد الى خاطري الحكاية المعروفة عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: من رأى منكم فيّ منكرا فليغيره، فرد عليه رجل قائلاً: لو رأينا فيك اعوجاجا، لقومناه بسيوفنا، فحمد عمر الله لأن هناك من بين الشعب من يقوّم اعوجاج عمر·
ثم قصته مع الذي انتقده لأن ثوبه أطول من ثيابهم، فطلب عمر من ابنه ان يرد على ذلك الشخص، فقال الابن انه اعطى حصته من القماش لأبيه، والمعروف ان عمر كان يقسّم قطع القماش على الجميع بالتساوي بما فيهم الخليفة·
الديمقراطية بالمعنى الحرفي للكلمة تعني حكم الشعب، وهذا ما نراه واضحا وجليا في كثير من مناحي الحياة الاجتماعية في دولة الإمارات ولكن ليس هو لب حديثنا بل ما نقصده هو الديمقراطية في المفهوم التربوي والأسري والمجتمعي حيث تعني أمورا كثيرة لأنها تتضمن العدالة، وحرية التفكير والتعبير، والمساواة في الحقوق والواجبات، وعدم التمييز بين الأشخاص·
الديمقراطية وإن كانت ضرورية في جميع مناحي الحياة في المجتمع، إلا أنها اساسية في التربية والتعليم، فلا تعلّم حقيقي إن لم تُمارس الديمقراطية في الصف خلال العملية التعليمية / التعلمية، فأولاً وقبل كل شيء، تجب اتاحة فرصة التعليم للجميع بغض النظر عن النوع ومكان السكن والشريحة الاجتماعية والحالات الخاصة·
والديمقراطية يجب ان تتوفر ثانيا في المنهاج المدرسي، وفي غرفة الصف، وفي أساليب التدريس والأنشطة والوسائل التعليمية /، الى غير ذلك، من الأمور التي تُلبي حاجات جميع الطلبة على اختلاف امكانياتهم وقدراتهم، فالمادة التي لا تتضمن المفاهيم الديمقراطية وتعزيزها واثرائها واتاحة المجال للطلبة بالاقتداء بها، تبتعد بالطلبة عن ممارسة الديمقراطية، لذا فالمطلوب من المعلم ان يكون القدوة لتلاميذه، وذلك بأن يمارس الديمقراطية في الصف وذلك بأن يعامل جميع الطلبة بطريقة تعزز لديهم مفهوم المساواة والعدالة واتاحة فرصة المشاركة لكل واحد منهم، واضفاء جو من المودة والاحترام بينه وبينهم، وذلك بتدريبهم على حسن الإصغاء، والنقاش الجاد، وحثهم على التعاون، كل هذا يساعد في عملية التعلم، فالطالب يتعلم من زملائه أكثر مما يتعلم من معلمه، كما يمهد لهم الطريق للتعلم الذاتي المستقل، الذي يستمر معهم مدى الحياة، كما يدربهم على حل المشكلات الخاصة والعامة، وعلى الانتماء الحقيقي للجماعة·
والمعلم الذكي، يدرك ان هناك فروقا فردية بين التلاميذ، فهو لذلك ينوّع في الأنشطة والوسائل التي تتيح لكل واحد منهم القدرة على الفهم والمشاركة الفعالة، اسوة بغيره من التلاميذ، وبهذا يعمّق لديهم الثقة بالنفس، والتمتع بالروح المعنوية العالية، التي تُقوي لديهم الدافعية للتعلم·
وهو كذلك يدرك ان هؤلاء التلاميذ الذين يجلسون امامه في الصف، لن يكونوا نسخا عنه او عن اشخاص في ذهنه·· فمنهم من سيصبح طبيبا او نجارا او مهندسا او مزارعا او ممثلا·· أو·· او·· الى غير ذلك من المهن التي يحتاجها المجتمع، لذا، فهو يتيح لكل واحد منهم التقدم، خاصة في المجال الذي يتقنه·
وهو كذلك يتيح لهؤلاء التلاميذ الحرية في التفكير والتعبير وممارسة القيم الايجابية كالجرأة الأدبية، والصدق والأمانة والاخلاص في العمل والنظافة، وحب الخير والجمال·· الى غير ذلك، فهذه جميعا تعتبر جزءا من المنهاج والاسلوب والطريقة المثلى لممارسة الديمقراطية·
وهو كذلك يتيح لتلاميذه فرصة الابداع والخلق فيما يكتبون او يرسمون، وينمي فيهم روح الايثار، وحب الوطن، ويصقل مواهبهم، ويرتقي بأحاسيسهم واذواقهم، ليشعروا بالجمال، ويقدروا الفن ويتبعدوا عن الانغماس في المظاهر المادية·
والديمقراطية تبدأ بالبيت، حين يشارك جميع افراد الاسرة بالنقاش اليومي، وحل المشكلات الاسرية، والتعاون التام فيما بينهم، والطفل الذي يعش في جو ديمقراطي في البيت، ثم في غرفة الصف يسهل عليه الاندماج مستقبلا في المجتمع الديمقراطي سواء كان ذلك من خلال العمل، أو النشاط المجتمعي أو السياسي، الى ان يصل الى مراكز القيادة وصنع القرار والله سبحانه وتعالى عمّق مفهوم الديمقراطية في الكثير من الآيات الكريمة، خاصة في قوله عز وجل وأمرهم شورى بينهم·· صدق الله العظيم·
أ· هدى جمعة غريب
موجهة التربية الإسلامية
بمنطقة ابوظبي التعليمية - التوجيه المعنوي

اقرأ أيضا