الاتحاد

دنيا

حمدان البريكي.. عميد الأغنية العُمانية

عند الحديث عن الأغنية العمانية الشعبية التقليدية، التي يقول عنها الباحث مسلم بن أحمد الكثيري في مقال له في صحيفة الوطن العُمانية «11/&rlm1/&rlm2015» ما مفاده أنها تميزت عن مثيلاتها في منطقة الخليج والجزيرة العربية بالتنوع والثراء في لغتها الموسيقية وصيغها الفنية وأساليب أدائها اللحنية والإيقاعية، عاكسة بذلك الصلات التي نسجها العمانيون مع شعوب المحيط الهندي وبحر عمان، وبما جعل للموسيقى العمانية ثلاثة جذور: محلية عربية «عمان واليمن وحضرموت والخليج والعراق»، وأفريقية «ممباسا وزنجبار»، وآسيوية «فارس والهند»، لا مناص من التوقف طويلاً أمام تجربة واحد من روادها الأوائل ممن لا تزال أعماله الفنية محفورة في ذاكرة الكثيرين، وكذا صورته المعبرة عن حقبة زمنية طافحة بالتحديات.


إذ يكفي أن ينظر المرء إلى التجاعيد والنتوءات التي خلفتها سنوات قرن كامل على وجهه كي يدرك أن صاحب الوجه هو إنسان ركب الأهوال وارتاد البحار وعبر البلدان من أجل أن يكسب قوته بشرف، ويشبع في الوقت ذاته ما كان هواية قبل أن يتحول إلى مهنة.
في الثاني عشر من &rlmمارس 2014 انتقل إلى رحمة الله تعالى في سلطنة عمان عن عمر ناهز المائة عام الفنان حمدان بن عبدالله بن سعيد بن محمد البريكي، الذي اختار لنفسه اسم حمدان الوطني، وهو ما جعلنا ونحن صغار نتساءل عن سر اللقب كلما نطق مذيع الراديو به، بل ونحتج أيضاً لاحتكاره صفة الوطني لنفسه دون غيره.

عادات اجتماعية
كان هذا، بطبيعة الحال، قبل أن يكتمل وعينا ونستوعب ظاهرة استخدام الأسماء الفنية كبديل للأسماء الحقيقية كنوع من التحايل على التقاليد والعادات الاجتماعية.. فصاحبنا كما يتضح من اسمه الحقيقي ينحدر من قبيلة آل بريك إحدى قبائل عمان المائتين والثلاثين المشهورة، علما بأنها قبيلة عدنانية يتصل نسبها إلى تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (أنظر أصول القبائل العمانية في موقع بوابة الخليج).
لقد قيل في أسباب وفاته طبقاً لصحيفة الوطن العمانية «13/&rlm3/&rlm2014» أنها نجمت عن أمراض الشيخوخة وجاءت بعد وعكة ألزمته الفراش وأجبرته على مراجعة الأطباء لمدة أسبوع قبل رحيله الأبدي الذي أثار موجة من الحزن في صفوف رفاقه ومحبيه كونه ظل يشكل علامة فارقة في مسيرة الأغنية العمانية ومرجعاً لحقبة الستينيات الفنية.
ومن حسن حظ الوطني أنه عاش طويلاً، لا لكي يرى ويلمس بنفسه حجم التطورات الهائلة في بلاده التي كانت في شبابه مجتمعاً مغلقاً ومنعزلاً عن العصر، ولا لكي يعوض بعضاً من الشقاء والعذاب الذي عاشه في سنوات هجرته إلى دول الجوار وما خلفها من أوطان بعيدة، وإنما لكي يرى تراثه الغنائي محفوظاً ومتداولاً من خلال وسائل الإعلام المرئية التي لم يعاصرها الكثيرون ممن سبقوه في الغناء، فكان أن ضاعت فنونهم ولم يعد أحد يتداولها.
نعم، لقد كان الوطني محظوظاً؛ لأنه عاش حتى الحقبة التي بدأت فيها سلطنة عمان تولي اهتماماً خاصاً بتوثيق تراثها الموسيقي وتأريخه وأرشفته سمعياً وبصرياً.. وفي هذا السياق، يقول الكثيري «مصدر سابق»: «في عام 1984 تم تأسيس مركز عمان للموسيقى التقليدية كأول مؤسسة موسيقية عمانية متخصصة بالجمع والتوثيق وإعداد ونشر البحوث الموسيقية وإقامة الفعاليات العلمية المتخصصة، وتم نقل تبعيته في أبريل 2013 من وزارة الإعلام إلى مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم بديوان البلاط السلطاني.. وفي عام 1985 أنشأ السلطان الأوركسترا السيمفونية السلطانية وشملها برعايته، وفي عام 2009 أمر بتأسيس جمعية هواة العود، وفي عام 2011 تم افتتاح دار الأوبرا السلطانية في مسقط».

السفر والترحال
بدأت حكاية الوطني من مسقط رأسه في منطقة «أم الجعاريف» بولاية صخم، التي يبدو أنها كانت صاحبة تأثير طاغ عليه لجهة عشقه للفن والطرب والألحان منذ سنوات الطفولة، ناهيك عن تأثيرها اللاحق عليه في سنوات شبابه من حيث حب السفر والترحال على ظهور السفن الشراعية المبحرة صوب أقطار الخليج والهند وشرق أفريقيا. وولاية صخم لمن لا يعرفها تقع في الجزء الشمالي من سلطنة عمان ضمن محافظة الباطنة المطلة على بحر العرب، وهي ولاية ساحلية «&rlmريفية» جبلية جميلة تحتضن الكثير من الأودية والأفلاج والمزارع وبساتين النخيل والليمون، علاوة على الحصون والقلاع التاريخية.
والحقيقة أن قصة حمدان الوطني لا تختلف كثيراً عن قصص ثلاثة آخرين من رواد الطرب العماني الشعبي القديم هم: سالم راشد الصوري صاحب أغنية يا مركب الهند يا بودقلين، وحمد بن حليس السناني صاحب أغنية يا غصن ريان ببرج الجنان، ومحمد سلطان المقيمي صاحب أغنية نزلت السوق على سيكل نص ساعة وأغنية السنور والفار.. فهؤلاء الثلاثة نشأ جميعهم في ولاية صور العمانية الساحلية الواقعة على بحر العرب، وكان لجمال ولايتهم وانفتاحها على العالم تأثير مشابه لتأثير ولاية صخم على حمدان الوطني لجهة عشق الطرب والعمل في حقبة الخمسينيات والستينيات على ظهور السفن التجارية التقليدية التي تعتبر مكان نشوء الفنون الغنائية البحرية وما صاحبها من ألوان غنائية أخرى تتحدث عن لوعة فراق الحبيب والحنين للوطن والأهل.

وطن بديل
علاوة على ذلك، تتقاطع قصص الثلاثة مع قصة الوطني من ناحية التجوال في بلدان الخليج بحثاً عن الاستقرار في وطن بديل ريثما يتحقق حلم العودة إلى الوطن الأم، وهو ما تحقق لهم جميعاً في عام 1970 حينما فتح السلطان قابوس بن سعيد أبواب عمان ونوافذها لرياح العصر والمدنية، حيث مثل هذا الحدث نقطة مفصلية في حياة الوطني وزملائه لأنه أعادهم إلى عمان من بعد سنوات طويلة من الاستقرار في البحرين التي عرفت وقتذاك باحتضان الآلاف من أبناء عمان وحب هؤلاء للعمل والإقامة في مجتمعها المتسامح والمتمدن.
غادر الوطني بلده الأم في أربعينيات القرن العشرين وهو شاب معدم في عقده الثالث أو نحو ذلك.. وكانت آماله وطموحاته وقتذاك لا تتعدى كسب قوته بعرق جبينه، والتعرف على بلاد لطالما سمع عنها دون أن يراها.. غير أن تلك الآمال كانت في الوقت نفسه ممزوجة برغبة دفينة في البروز على ساحة الطرب والغناء الذي كان عاشقا له. ففي مقابلة أجراها معه مقدم برنامج «هود هود» من تلفزيون سلطنة عمان في سنة 2010 عزا الوطني أسباب عشقه للغناء إلى الحب، بمعنى أن الحب هو الذي يدفع المرء للجوء إلى الغناء للتعبير عما في دواخله من مشاعر وأحاسيس عاطفية، مستعيراً عبارة قالها زميله الفنان سالم راشد الصوري وهي أن «الحب ظالم وجبار»، ويقود الإنسان إلى كل مكان ويجعله يقدم على كل شيء.

«صباح العيد»
وفي المقابلة التلفزيونية ذاتها، تحدث الوطني عن رحلته البحرية الأولى خارج بلاده فقال إنها انطلقت من الباطنة صوب دبي ومنها إلى قطر فالبحرين، ثم إلى الكويت، ومن الكويت إلى الأحواز فالعراق، وفي العراق حملنا التمر وسرنا إلى كراتشي ومن كراتشي سرنا إلى بمبي ثم غوا ثم كاليكوت، ومن كاليكوت سرنا إلى زنجبار ودار السلام، وفي دار السلام حملنا دناجل ورجعنا إلى زنجبار، ومنها رجعنا للكويت.
مما سبق، ومما أكده أيضاً الفنان العماني طالب محمد البلوشي في ورقة قدمها في ندوة الأغنية العمانية بعنوان «الدور الريادي للفنان العماني في حقبة الستينيات» واستعرضتها صحيفة الوطن العمانية «14/&rlm6/&rlm2015» يتبين لنا أن الوطني جال في بلدان المنطقة كلها، بل امتدت وتكررت أسفاره إلى شبه القارة الهندية وبلدان شرق أفريقيا، غير أن استقراره وبداية انطلاقته الفنية كان من البحرين التي سجل في أحد استوديوهاتها الفنية «استوديو جرجافون لصحابه جرجي سويري» باكورة أعماله الفنية والمتمثلة في أسطوانة احتوت على أغنية «صباح العيد» من ألحانه وكلماته والتي يقول مطلعها:
«صباح العيد محبوبي صادفته، وقبلته، وأشر لي بالعيون، ومن حبه فؤادي قد تقطع وقلبي تم حيران ومحزون.. أنا أحبه لو الحساد عادوني.. وأنا بعطيه ولو ألفين مليون».. وقد صاحبه بالعزف على العود في هذه الأغنية وغيرها المطرب البحريني القديم محمد راشد عبدالعزيل شعيل الشهير فنيا باسم محمد راشد الرفاعي «ولد في عام 1927 وتوفي في عام 1990».. وهذا الأخير صار واحدا من أقرب أصدقاء حمدان الوطني طيلة فترة إقامته في البحرين.. وفي هذا السياق كتب الباحث العماني مسلم بن أحمد الكثيري في مجلة نزوى العمانية «عدد أبريل 2012» النص التالي:
«نستطيع القول إن معظم نشاط العوادين العُمانيين ظهر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بمساعدة عوادين من البحرين والكويت، وكان البحريني محمد بن راشد الرفاعي أبرز الفنانين الذين خرجوا من تحت مظلته عدد من رموز الغناء العُمانيين مثل: حمدان الوطني الذي ظل الرفاعي يرافقه بالعزف على العود حتى عودة الوطني إلى عُمان في السبعينيات، وكذلك الفنان محمد حبريش، وربما أيضا موزة خميس وغيرهم. ومارس أغلبية العوادين العُمانيين  من جيل الخمسينيات والستينيات  العزف والغناء في تلك الفترة كشباب يتعلم من أساتذتهم البحرينيين والكويتيين وقد أكد لي هذا المعنى الفنان العُماني حمدان الوطني في حوار أجريته معه في 2010.
في بحرين الأربعينيات سجل الوطني أيضا واحدة من أشهر أغنياته، وهي «عصر الخميس أسقيت زرع البوادي»، كما ظل يتردد على مختلف معامل تسجيل الأسطوانات التي كانت تجذب الفنانين من مختلف البلدان الخليجية منذ افتتاح أولها في عام 1948 تحت اسم شركة الساعاتي للتسجيل الفني في فريج المخارقة بالمنامة.. ولهذا السبب التقى في البحرين بمعظم الأسماء الفنية الكبيرة آنذاك من أمثال مواطنيه سالم راشد الصوري وحمد بن حليس، علاوة على الفنانين محمد زويد ويوسف فوني وسالم عبدالله.

ملكت الروح
لم يكتفِ فناننا بالتسجيل لدى استوديو جرجافون، وإنما تعاون مع شركات تسجيل بحرينية وخليجية أخرى.. ففي البحرين مثلا سجل عددا من الأغاني أبرزها «ويلك ملكت الروح ويلك.. وانهبتني حتى م الفؤاد»، و«يا الله طلبتك يا ربي المعتلي.. تغفر ذنوبي وتفك المبتلي» لدى شركة سالم فون لصاحبها مواطنه سالم راشد الصوري «كان الصوري قد أسس هذه الشركة في بومباي في منتصف الأربعينيات ثم نقلها في مطلع الخمسينيات إلى البحرين وظلت تعمل بها بنجاح حتى عام 1971».. وكما سجل لدى محلات إسماعيل فون أغنيته الشهيرة «دخيلك ياصاروخ.. وديني لحبيب الروح».
وفي الكويت، سجل لدى شركة أبوزيد فون لصاحبها الحاج علي محمد الصقعبي والتي كانت قد تأسست في عام 1956، قبل أن تحترق في عام 1963، حيث تعرف هناك على عوض الدوخي وعبدالله فضالة وغيرهما.
وفي دبي سجل لدى شركة هدى فون واحدة من أغنياته الشهيرة وهي أغنية «هي والله وهو يعين» التي يقول مطلعها:
أخضر على أخضر وملبوس الحبيب أخضر.. هي والله وهو يعين
واخضرت الأرض ساعة ما مشى الأخضر..  هي والله وهو يعين
وفي دبي أيضا سجل الوطني لدى تسجيلات صوت الخليج (سهيل فون سابقا) لصاحبها المطرب الإماراتي ابن عجمان محمد سهيل الذي عمل في الخمسينيات بالنجارة في البحرين، وامتهن التصوير في السعودية، واشتغل في تسجيل الأغاني في لبنان، حيث كان تعاونهما من خلال تسجيل أغنية «شبيه الفل خد الخل.. جرح قلبي وخلاني»، التي كتب كلماتها محمد سهيل بنفسه.
كما سجل لدى شركة نجمة الشرق أربعة من أعماله الخالدة هي: أغنية «سود العيود أجبرني على الشعر والنشيد»، وأغنية «طريق الحب»، وأغنية «عذاب الحب»، وأغنية «حبيبي محسنه ومحلاه».

أحمر الخدين
أما في سلطنة عمان، فقد سبق حمدان الوطني كل أقرانه لجهة تسجيل بعض أعماله فيها، وذلك حينما قام في الستينيات، بالرغم من كل ظروف البلاد الصعبة، بتسجيل ثلاث من أغانيه لدى تسجيلات الذهب لصاحبها عقيل الذهب بمدينة مطرح المجاورة للعاصمة مسقط. وهذه الأغاني الثلاث كانت: أغنية «سايق الصارخ عطني التليفون.. خلني بتكلم مع قوة عمان»، وأغنية «أحمر الخدين ومحني كفوفه»، وأغنية «الديل داري وبلاد أهلي ومرباي»، علما بأن البعض يتخذ من كلمات الأغنية الأخيرة دليلا للقول بانتماء الوطني وأسرته إلى قرية الديل الواقعة في منطقة الباطنة.
وحينما عاد إلى بلاده من المهجر في السبعينيات قام بتسجيل عدد من أعماله لدى محلات المخزن الفني لصاحبها مبارك بن سليمان الفوري، منها الوطنية مثل أغنية «عمت الأفراح في عيد الجلوس»، ومنها العاطفية مثل أغنية «البارحة م النوم ورقني الحمام»، وأغنية «اعملوا معروف ودوني البريد».. وفي السبعينيات أيضاً قامت وزارة الإعلام العمانية بإعادة تسجيل أغنية كان الوطني قد سجلها في دبي لدى تسجيلات هدى فون وهي أغنية «يا قلبي لا تحب لي ما يحبك.. تحصل قهر وأمراض وأذية»، وذلك باستخدام تقنيات متطورة.
ومن أغنيات حمدان الوطني التي أعاد غناءها عدد من المطربين الشعبيين السعوديين مثل عبدالله السالم وعيسى الأحسائي وسعد جمعة ومرزوق سعيد، أغنية ظلام الليلالتي تقول كلماتها:
في طائرة الميغ بازورك حبيبي
في ظلام الليل من بعد العشية
واقــــــفٍ حيـــــران ودموعـــــي تنثــــر
ليش يالمحبــــوب ما تسأل عليّ
آه واويــــــلاه وأعــــــــــــــــــــــزى حـالــــــــــي
من عذاب الحب حصلتْ الأذية
جــــرح قليبــــــي وأدور مــن يـــداوي
وأثر جــرح الحب ما حد يداويه
بقي أن نعرف أن فناننا فقد البصر في مراحله العمرية الأخيرة، وسقطت أسنانه، وراح يستند في مشيه على عكازة، لكن الابتسامة لم تكن تفارقه، وكذا خصلة الرضا والقناعة بما كتبه الله له. حيث كان يردد في الحوارات التي أجريت معه قبل رحيله أنه عاش طويلا ورأى كثيرا، وصار له أبناء وأحفاد، وأنّ أكثر ما أسعده هو عودته إلى بلاده وهي في حالة مغايرة تماما لحالتها يوم أن غادرها في مقتبل عمره، فضلا عن احتفاء العمانيين به وتذكرهم لفنه ومجمل أعماله.

اقرأ أيضا