الاتحاد

دنيا

المرأة المصرية في سينما التسعينات

أحدث إصدارات مكتبة الإسكندرية.. صورة متكسرة لعوالم هشة
اصدر مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية كتابا بعنوان 'صورة المرأة المصرية في سينما التسعينات'، والذي يسعى إلى رصد معالم الصورة المرسومة للمرأة كما أظهرتها الأفلام السينمائية في فترة التسعينات بهدف المقارنة بينها وبين الحقيقة الاجتماعية التي تحياها المرأة بالفعل في المجتمع لإبراز مواطن الالتقاء أو الاختراق بين الصورتين·
أيضاً يحاول الكتاب من خلال سياق البناء الاجتماعي التعرف على أي مدى جسدت صناعة السينما باعتبارها الفن الذي يسجل التاريخ والظواهر الاجتماعية والتطور والتغير الحادث لصورة المرأة المصرية وهل هذه الصورة مطابقة للواقع أم مختلفة عنه·
ومن المعروف أن العنصر النسائي يلعب دوراً أساسياً في السينما العالمية بشكل عام والسينما المصرية بشكل خاص، ولو أن السينما اتجهت إلى استغلال العنصر النسائي في التعريف بمشاكل المرأة الشخصية والاجتماعية، والأخذ بيدها والإفادة منها ومن نشاطها، سواء في الريف أو الحضر لقدمت فعلاً صورة واقعية لما وصلت إليه المرأة المصرية من مكانة تليق بدورها الاجتماعي المنشود·
صعوبة البدايات
وقد مثل التحاق المرأة بالسينما وعملها في الفن صعوبة كبيرة في البداية وذلك لأن العادات والتقاليد مع التمسك بالتعاليم الدينية حال دون النزول إلى هذا الميدان ومن هنا قام الرجال بتمثيل أدوار النساء ومع التغيرات التي طرأت على المجتمع بصفة عامة ووضع المرأة بصفة خاصة أعطت التشجيع للموهوبات فنيا والراغبات في ممارسة فن التمثيل مثل 'فاطمة اليوسف' التي عرفت باسم 'روز اليوسف' عملت بالمسرح مع أكبر الفرق المسرحية في ذلك الوقت ونالت الجوائز وكان لها شأن كبير حتى أن الصحافة الأجنبية كتبت عنها ورغم تحولها للعمل الصحفي إلا أنها تطوعت للتمثيل من حين لآخر وقد حلت محلها فاطمة رشدي التي أثبت قدرتها في العمل المسرحي منذ عام ،1923 ولم تكن قد تعدت الثامنة عشرة من عمرها وأصبحت الممثلة الأولى بعد الفراغ الذي أوجدته روز اليوسف· وكانت مثالا للمرأة المحتشمة فبعدت عن التبهرج والزينة وتفوقت في التمثيل بأنواعه وكونت فرقة مسرحية وبذلت الجهود في سبيل تحقيق مكانة بارزة في الوقت الذي قويت صلتها مع رائدات النهضة النسائية·
وتعددت بعد ذلك النابغات في التمثيل فهناك دولت أبيض وفردوس حسن وزينب صدقي وأمنية رزق، ومن أهم رائدات صناعة السينما عزيزة أمير، التي سيظل اسمها مقترنا بتاريخ السينما المصرية كمؤسسة ورائدة لهذه الصناعة في بلادنا فقد كانت أول سيدة مصرية جرؤت على اقتحام ميدان الإنتاج السينمائي بأول فيلم مصري صامت بعنوان 'ليلى' الذي عرض بدار سينما 'متروبول' بالقاهرة في يوم 16 نوفمبر 1927 ثم أتبعته بفيلم 'بنت النيل' الذي عرض في نفس الدار عام ·1929
من خلال البحث الذي دار حوله الكتاب والذي يدور حول المرأة في السينما المصرية خلال فترة التسعينات، ومحاولة تحديد المحاور والسبل التي عرضت لدور وصورة المرأة من خلال دراسة تحليلية على ثلاثين فيلماً لثلاثين مخرجاً ومخرجة دارت جميعها بصور مختلفة حول دور المرأة في المجتمع المصري سلباً وإيجاباً في ضوء إحصاء الدراسة لما احتوته السينما المصرية خلال فترة التسعينات ومحاولة تحديد المحاور التي طرحت من خلالها صورة المرأة عبر ثلاثين فيلماً لثلاثين مخرجاً ومخرجه، تناولت الدراسة بالإحصاء والتحليل القضايا التي شغلت حيزاً وفيراً في سينما التسعينات وكان لها أثر بالغ في تسليط الضوء على أوجه خاصة في شكل المرأة على الشاشة متضمنة قضايا حيوية لعبت فيها المرأة دور البطولة سواء على المستوى الإيجابي أو السلبي· فعلى سبيل المثال يتناول الكتاب في سياق تعرضه للصور الإيجابية أشكالاً عديدة من بينها قدرة المرأة على مواجهة مشكلاتها الاجتماعية ومحاولتها التكيف مع الواقع الراهن بكل ما يعتريه من متغيرات انعكست أثارها سلباً وإيجابياً· وأدت إلى إصابة المرأة ببعض الإرهاصات تبعاً لمقتضيات الظروف وسيطرة الرجل على النصيب الأكبر من الحقوق الاجتماعية· واستطاعت المرأة أن تنزع حقوقها المكتسبة في الاستقلال وحرية اتخاذ القرار وكسب الثقة· وواجهت المرأة أيضاً في إطار حصولها على حقوقها المشروعة الكثير من التحديات وامتلكت القدرة على الوقوف في وجه الرجل للحد من طمعه وأنانيته، ورغم حرصها على مبدأ المساواة وكفاحها من أجل تحقيقه لم تفقد قدرتها على تثبيت العلاقة بينهما من أجل دورها ولم تخل بأي من واجباتها تجاه زوجها وأبنائها لضمان استقرار المؤسسة الأسرية وتجاوز المشكلات الصغيرة في احتكاكها المباشر وغير المباشر معه·
صور ايجابية وسلبية
وكذلك لم تقدم المرأة الوسيلة التي تمكنها من شيوع الهدوء في محيطها الاجتماعي الخاص والعام المتمثل في علاقتها بالأهل والجيران، وظلت تدير معركتها الباردة مع الرجل بشيء من الكياسة والفطنة بما يدل على امتلاكها أدوات التفكير السليم المبني على التأني وعدم الانفعال والثورة، ومن ثم فقد نجحت في مد خيوط الكفاح إلى آخرها معتمده على خواصها الإنسانية والنفسية المتفردة· وقد وضح ذلك من خلال أفلام بعينها تم إنتاجها في حقبة التسعينات عبرت بجداره عن مزايا المرأة وايجابيتها في صراعها مع الرجل، ومن بين هذه الأفلام 'اغتيال مدرسة' للمخرج أشرف فهمي إنتاج عام ،1990 وفيلم 'امرأة واحدة لا تكفي' إخراج إيناس الدغيدي وإنتاج عام ،1990 و'الضائعة' إخراج عاطف سالم إنتاج ،1991 وفيلم 'الجراج' إخراج علاء كريم إنتاج عام ،1995 وفيلم 'يا دنيا يا غرامي' للمخرج مجدي أحمد على ·1996
وكما عرضت السينما المصرية الصور الإيجابية للمرأة خلال الأفلام التي أنتجت في التسعينات ظهرت أيضاً نماذج شوهت هذه الصورة وحصرت دور المرأة في علاقتها الجنسية بالرجل وقدمت صورا مبالغا فيها للمرأة المنحرفة ووضعتها في دوائر محظورة فجعلتها قاتلة وتاجرة مخدرات ومدمنه، وفرغتها من مزاياها الإنسانية فأصبح الشكل الغالب عليها هو الانتهازية والتآمر والجشع والغرور والخيانة وغيرها من الصفات التي تتنافى مع طبيعتها السوية· ومثلت هذه الصورة المغايرة نوعاً من التناقض حيث خلقت مساحة شايعة بين الممارسة الواقعية لسماحة المرأة وتضحيتها والشكل الفني لها على الشاشة المحكوم بخيال المؤلف وتخيلاته ورأيه الشخصي فيما يقدمه من نماذج نسائية··· بالإضافة إلى مؤثرات أخرى تهتم بتكريس الشكل السلبي مثل اعتبارات السوق والشباك ورغبات المراهقين من جمهور سينما الإثارة والإغراء·
ومن ناحية أخرى تشابهت صورة المرأة في كثير من الأفلام فنشأ التكرار وأبتعد المبدعون عن التميز والتفرد وجعلوا يغالون في إظهار ضعف المرأة وعجزها وسلبيتها وحيادها في أحيان كثيرة، بل وانهيار أفكارها أمام سطوة الرجل وفظاظته· ويعد هذا القصور في بعض الأفلام أحد سمات الضعف في أفلام التسعينات التي تعرضت لقضايا المرأة بمختلف جوانبها· ولعل من أهم الأفلام التي جسدت الصورة السلبية للمرأة في تلك المرحلة فيلم 'ليلة القتل' للمخرج أشرف فهمي، إنتاج ،1994 و'امرأة وخمسة رجال' إخراج علاء كريم إنتاج ،1995 و'عتبة الستات' للمخرج على عبد الخالق إنتاج عام ·1998
وفي محاولة لتسليط الضوء على النموذج الثالث لشكل المرأة عنيت السينما بتجسيد الصورة العصرية في سياق متهافت مغلوط إذ أنها ركزت على الشكل الخارجي للمرأة المتمثل في الزي ولون الشعر والعرض الظاهر لسلوكها العصري بينما أغفلت النواحي الأصلية في الشخصية كالمستوى العلمي والثقافي والمكانة الاجتماعي والوظيفية·
ومثلما أخطأت في تقييم الجانب العصري لم تعبر كذلك في تصويرها للجانب التقليدي فعجزت عن الإحاطة بكافة الجوانب التقليدية في شخصية المرأة نتيجة عدم اعتناء الكتاب بالغوص في عمق الواقع الاجتماعي للمرأة التقليدية في الأحياء الشعبية والقرى والمجتمعات البدوية وظل التصوير قاصراً على إبراز اختلاف اللهجات والعرض العام للشخصية دون النظر إلى طبيعة الواقع التي نشأت فيه ومدى تأثر المرأة به وتفاعلها معه· ويبدو ذلك واضحاً في أفلام مثل فيلم 'الراقصة والسياسي' إخراج سمير سيف إنتاج ،1990 و'امرأة واحدة لا تكفي' للمخرجة إيناس الدغيدي بإنتاج ،1990 و'الغرقانه' للمخرج محمد خان إنتاج ،1993 و'جبر الخواطر' إخراج عاطف الطيب إنتاج ·1997
شمل الكتاب أيضا بجانب ما رد من جوانب تتعلق بالشكل العصري والتقليدي للمرأة على أوجه أخرى تمثلت في استخدام العنف ضدها ونظرة الرجل إليها من واقع ما تم إحصاؤه من عينات لبعض أفلام التسعينات مما ترتب عليه وجود عنف من قبل الزوج في شكل اعتداء بالضرب والسب والقذف وكذلك عنف من جانب زملاء العمل أو الجيران· وقد أوضحت الأغلبية العظمى من أفلام العينة وجود تمييز ضد المرأة وعلى سبيل المثال في أفلام مثل 'اغتيال مدرسة'، و'الضائعة'، و'المرأة والساطور'، و'ليلة القتل'، و'85 جنايات'، وقد أخذت الدراسة في الاعتبار علاقة المرأة بمختلف كينونتها وظروفها بالرجل وألمحت إلى مستوياتها المهنية والثقافية والاجتماعية وتطرقت إلى أوجه التعامل وحجم الأضرار التي وقعت عليها بشكل يتضح فيه النقد والتفصيل دون الوقوع في هوة التكرار أو اللغط· كما أنها وقفت على حدود التفاهم والتخاصم مع الرجل سواء الزوج أو الزميل أو العلاقات العابرة مع نماذج الشارع المختلفة· الأمر الذي ساعد على إيضاح كافة مجالات الاحتكاك ورؤية الصورة السينمائية من مختلف جوانبها ليتسنى الإلمام بكل الملابسات والتفاصيل في المفارقات بين التوظيف الفني للمرأة على الشاشة وواقعها الفعلي·

اقرأ أيضا