الاتحاد

دنيا

نموذج الحياة الأميركية حلم أم وهم؟


مؤلفة كتاب 'التضليل: السعي غير المجدي وراء الحلم الأميركي' هي باربارة إيرنريتش مؤلفة ثلاثة عشر كتابا آخر من بينها كتاب Nickel and Dime، وهي تحمل شهادة الدكتوراه في العلوم الحياتية أو البيولوجي·
بعد كتابها Nickel and Dime الذي تناولت فيه مسألة الطبقات ذات الأجور المتدنية في الولايات المتحدة، تسلط إيرنريتش الضوء على الطبقة المتوسطة التي تحمل شهادات علمية تؤهلها للحصول على وظائف تضمن لها عيشة محترمة· غير أن الواقع ليس كذلك حسبما تروي الكاتبة معتمدة على تجربتها الشخصية في البحث عن وظيفة·
'تقرير واشنطن' نشر قراءة للكتاب، استخلص منها فحوى الرسالة التي ارادت المؤلفة ان تقولها·
بداية البحث
تذكر الكاتبة أنها في بداية بحثها حاولت معرفة بواطن الأمور في الشركات الأميركية من ناحية إنسانية، والتطرق إلى سياسة التسريح التي تتبعها الشركات والإحساس بعدم الأمان من خلال الحصول على عمل في إحدى المؤسسات، إلا أنه لم يخطر ببالها أنها لن تحصل على الوظيفة أصلا، حسب تعبيرها·
ورغم إدراكها بصعوبة المهمة، قالت إنه بعد أربعة أو خمسة أشهر من البحث بدأت تفقد حماسها وتدرك صعوبة الحصول على فرصة عمل·
وتقول الكاتبة إن مشكلة الطبقة المتوسطة لا تكمن في عدم حصول أفرادها على الشهادات العملية أو أنهم ولدوا في أسر مفككة كما هو حال عمال الأجور المنخفضة، بل إنهم على حد وصف الكاتبة قاموا بكل ما بوسعهم وبذلوا أفضل الجهود للحصول على الدرجات العلمية وربما تخلوا عن رغباتهم الشخصية كحب الموسيقى أو الكتابة واتجهوا إلى التحصيل العلمي في مواضيع عملية بحتة مثل الاقتصاد والإدارة·
وتشير الكاتبة إلى أن هؤلاء يمكن أن يكونوا قد وصلوا إلى مناصب عالية في الشركات التي يعملون بها مما دفع بتلك الشركات إلى التخلي عنهم لارتفاع أجورهم، فكانوا خاسرين، ويشكلون عقبة في وجه الحلم الأميركي على حد تعبير الكاتبة·
ونبهت الكاتبة إلى أن أربعة وأربعين بالمائة من العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة الذين تروي قصتهم في كتابها هم من الطبقة المتوسطة والمتعلمة·
معاناة الطبقة المتوسطة
ولمعرفة العقبات التي تواجه الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة، قامت الكاتبة بتغير هويتها وانتحلت شخصية تسعى للحصول على وظيفة في العلاقات العامة، ولتحقيق هذا الغرض غيرت اسمها، فبدلا من استعمال اسم العائلة لجأت إلى الاسم المتوسط وأصبحت بذلك باربارة الكسندر، حتى أنها استصدرت بطاقة هوية أخرى بالاسم الجديد للبحث عن وظيفة·
حددت باربارة هدفها بالحصول على وظيفة في أي مجال وأي مكان في إحدى الشركات الأميركية بدخل سنوي يقدر بخمسين ألف دولار علاوة على المنافع مثل التأمين الصحي والإجازات، وأعربت عن استعدادها للتنقل والسفر من منطقة لأخرى وخصصت خمسة آلاف دولار لتغطية مصاريف التنقل، كما حددت مدة عشرة أشهر بغية الوصول إلى هدفها·
وقامت بكتابة سيرة ذاتيه تضمنت سنوات عديدة من الخبرة في العلاقات العامة وتنظيم المناسبات الرسمية ولجأت إلى أحدث الأساليب المتبعة في كتابة السيرة الذاتية، وأشارت إلى عدد من المصادر التي اتفقت معها للإشادة بها وبخبرتها المزعومة·
مدرب متخصص بمجال الوظائف
بدأت باربارة حملة البحث على شبكة الإنترنت، وتقول بهذا الشأن إن البحث عن وظيفة لا يكون فقط بتتبع الإعلانات المنشورة أو إرسال طلب للتوظيف لبعض الجهات، بل إنه علم وتكنولوجيا قائمة بحد ذاتها لا يمكن لأي باحث عن وظيفة الإدراك بها وحده·
ووزعت الكاتبة سيرتها الذاتية على عشرات المواقع المتخصصة بالبحث عن وظائف، وعلى عشرات الشركات إلا أنها تقول إن هذا وحده لا يكفي·
وأشارت إلى أنه لحسن الحظ هناك حوالي عشرة آلاف شخص في الولايات المتحدة تواقون لمساعدة الباحثين عن الوظائف، وهم من يطلق عليهم اسم مدربو الحصول على وظيفة والذين يساعدون المرء على اكتشاف ذاته وقدراته الحقيقية ويعيدون صياغة سيرته الذاتية ويأخذون بيده في كل خطوة يأخذها في هذا الطريق·
وتقول الكاتبة إن هؤلاء المدربين الذين يتضاعف عددهم كل ثلاث سنوات هم صلب المرحلة الانتقالية التي يمر بها الباحث عن وظيفة، وأن هذه المهنة بدأت في البروز منذ التسعينيات بسبب تصاعد أعداد العاطلين عن العمل في صفوف المتعلمين·
وتقول الكاتبة إن العاطلين عن العمل من المتعلمين قد يحتاجون أكثر من غيرهم من غير المتعلمين إلى المساعدة في بحثهم عن عمل، لأنهم غالبا ما يعانون من الوحدة والكآبة التي تعد هدفا مثاليا للذين يدعون أن خدماتهم ترجع الثقة في النفس وتساعد في تحقيق الهدف·
وأضافت أن بعض المدربين تلقوا دورات تدريبية في أماكن متخصصة لمدة تصل إلى خمسة عشر أسبوعا، إلا أن آخرين لا يملكون أي مؤهلات أو خبرات في هذا المجال·
وتروي باربارة الكسندر قصتها في بحثها عن فرص العمل وتقول إنها عثرت على أحد المدربين ويدعى مورتون على شبكة الإنترنت، وأخذت انطباعا من الخبرات التي ادعى أنه يملكها أنه قادر على مساعدتها في الحصول على وظيفة متوسطة·
وبعد أن التقت برابرة بالمدرب الخاص الذي طرح عليها بعض الأسئلة والاختبارات الخاصة مستخدما في إحداها رسوما تمثل شخصيات الفيلم المعروف ساحرة مدينة أوز مثل الأسد والفزاعة، وفي الأخرى رسوما بيانية وتوضيحية، أعطاها اختبارا يقيس القدرات الشخصية ويحدد نوعية شخصيتها وبناء على ذلك الوظيفة المناسبة لها، ويكلف هذا الاختبار ستين دولارا· وتم الاتفاق على أن تجري باربارة الاختبار في منزلها واللقاء مجددا بعد ذلك لتقييم النتائج·
ويتواصل بحث الكاتبة عن مدربين في شبكة الإنترنت، وتعثر في أحد المواقع على مدربة تعطي مشورتها عن طريق الهاتف، اتصلت بها باربارة وطلبت منها الإعداد لواجب منزلي هو الكتابة عن الوظيفة المثالية بالنسبة لها· وهنا تقول باربارة إن الكتابة عن الوظيفة التي يتمناها المرء لنفسه ليست بالفكرة السيئة، فكتبت أنها تحب العمل ضمن فريق ولا تمانع في العمل لساعات متأخرة في الليل· وتتابعت الاتصالات بين باربارة والمدربة بعد ذلك، لتتوصل إلى أن الكاتبة تحتاج إلى نحو ثلاثة أشهر من التدريب أي ما يصل إلى ألف ومائتين دولار·
وأعربت باربارة عن اندهاشها من اعتماد المدربين على اختبارات المهارات الشخصية التي لا تعتمد على أي أساس علمي·
···ومزيد من البحث
لم تدخر الكاتبة جهدا إلا وبذلته في رحلة بحثها عن الوظيفة المنشودة، وسافرت لهذا الغرض إلى نيوجرسي وواشنطن العاصمة وأتلانتا لحضور ورشات العمل التي تشارك فيها شركات مختلفة للتفاعل بصورة مباشرة مع الأشخاص الذين يبحثون عن وظائف، كما حضرت اجتماعات تنظمها شبكات ومؤسسات الباحثين عن عمل، إلا أنها لم تقابل سوى عاطلين عن العمل أو من المهددين بتسريحهم، ولم تسمع سوى ذات النصائح التي يسديها المدربون·
وشاركت باربارة في التجمعات التي تقيمها الكنيسة لدعم أبنائها ومساعدتهم، وحاولت العثور على شخصيات تشغل مناصب مهمة في شركات أميركية علها تساعدها في الحصول على مقابلة لإحدى الوظائف·
بعد انتهاء المدة
وبعد مضي العشرة أشهر التي حددتها الكاتبة منذ بداية رحلة البحث، لم تحصل باربارة وأحد عشر شخصا آخر ممن قابلتهم على وظائف، وانحصرت العروض التي تلقتها في العمل مع إحدى شركات مواد التجميل وأخرى للتأمين، ولا يعتمد الراتب سوى على العمولة· ولم تحظ حتى بدخول مباني الشركات لإجراء أي مقابلة·
وقالت إيرنريتش إنها ومعظم الباحثين عن العمل ليسوا مجهزين لخوض طريق طويل وصعب للبحث، وأن الحصول على وظيفة حقيقية في الولايات المتحدة يعد عملا صعبا للغاية وأنه مضيعة للوقت في معظم الأحيان· وأنها قابلت أشخاصا يحملون درجات علمية عالية إلا أنهم يشتغلون في وظائف ذات أجور متدينة فقط لسد لقمة العيش·
توحيد جهود العاطلين
وتدعو الكاتبة في نهاية كتابها إلى توحيد جهود العاطلين عن العمل من الطبقة المتوسطة والمتعلمة، لتوفير التأمين والرعاية الصحية لهم ومنحهم امتيازات لعدم العمل كتلك التي يتمتع بها بعض سكان الدول الأوروبية الغربية، كما تحث الأشخاص على أن يسيطر كل منهم على مقادير أموره وأن يحافظ على أمواله دون الاستعانة بالضرورة بالمدربين أو ورشات العمل·
كما أسدت الكاتبة بعض النصائح للباحثين عن العمل من الطبقة المتوسطة، ومنها عدم الاعتماد على مواقع شبكة الإنترنت للحصول على عروض عمل لأن السيرة الذاتية للشخص ستتنافس مع آلاف السير الأخرى· وأكدت على أهمية ألا يشعر الباحث عن فرصة العمل أن الخطأ خطأه بل أن يكثف جهوده لحل المشكلة والتضامن مع الآخرين من أمثالة·
وتشدد إيرنريتش على ضرورة تغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم حاليا، وتشير بإصبع الاتهام إلى الشركات والقوى الاقتصادية·
كما تشير الكاتبة إلى ظهور تغييرات أساسية في القوى العاملة مما يهدد استقرار الموظف والعاطل عن العمل، وأن الاعتقاد بأن العمل الدؤوب والالتزام يكافآن بوظيفة مريحة وضمانات للحياة ليس صحيحا دائما·
وحذرت باربارة إيرنريتش من أنه عندما يجد الأشخاص من أصحاب الكفاءة والخبرات أن هذه المهارات لا تنفعهم بعملهم فإن ذلك سيؤدي إلى تمزق الصلات الاجتماعية التي تربط أواصر المجتمع·
وعلى الرغم من أن الكتاب يعرض الواقع، إلا أن أبرز ما يميزه هو أنه يعكس تجربة شخصية للكاتبة خاضتها بنفسها لمعرفة مشاكل الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة والباحثين عن عمل ممن ينتمون لها، وخرجت بقناعة أن الجري وراء الحلم الأميركي أمر غير مجد دائما·

اقرأ أيضا