الاتحاد

دنيا

حرفة النحاسيات الشرقية في لبنان تندثر

بيروت - غادة تميم:
تعتبر الفنون والحرف اليدوية مرآة الامم وتراثها، كونها تعكس جانباً من الثقافة والشخصية المحلية المتميزة لهذه الامة او تلك، على ان عصر العولمة الزاحف الينا عبر الحدود والاسواق العالمية المفتوحة، بات يشكل عملية تصفية منتظمة ومنظمة لهذه الفنون والحرف لأنه يأتي بها بأسعار خيالية من حيث 'رخصها' لا تتوازى مع كلفتها الداخلية ومستلزماتها من مصاريف المواد الاولية والوقت والتدريب اللازم، إضافة إلى تحول كامل في المشغولات الفنية الآتية من الخارج من الاطار اليدوي الى التقنية الصناعية المميزة التي تنتج كماً كبيراً يؤدي الى تبدل في الاسعار حكماً·
عندما نطل على المشغولات النحاسية المشرقية التي تميزت خلال القرن الماضي في لبنان وسوريا على حد سواء نلحظ ان هذه الحرفة تطالها يد الفناء اكثر من اي حرفة اخرى نتيجة عدم وجود أسواق خارجية لها، وعدم الاهتمام الرسمي بالتسويق لها، وتحول الربحية من الصانع الى التاجر في اغلب الاحيان والتاجر لا يهمه المصدر بقدر ما يهمه السعر·
ولا بد من الاشارة هنا الى انه لولا جهد مشكور لمديرية المسرح والسينما والتلفزيون في وزارة الثقافة اللبنانية في اصدار شريط خاص حول هذه الحرفة وتوزيعه على السفارات اللبنانية في الخارج فاننا لا نجد اي جهد آخر مبذول لرعاية الحرفة·
لقد مرت على لبنان ايام كان فيها لكل صنعة حرفية 'شيخ الكار' الذي ينظمها و'الاسطى' الذي يشرف على كل محترف منها، و'المعلمون' المتخصصون فيها 'والاجراء' الذي يتفرغون لها و'المبتدئون' الذين يتدربون عليها منذ الصغر، لكننا نرى هذه الحرف اليوم تشهد تراجعاً على كافة الصعد بحيث صارت هواية بدل ان تكون حرفة·
صناعة النحاسيات
النحاس قديم الاستعمال جداً في لبنان، اذ انه استخدم منذ اكثر من 2500 عام في صناعة الاواني المنزلية، والحلي، وصك النقود، وتزيين المعابد والقصور والبيوت ومن يقف اليوم امام محال بيع المشغولات النحاسية، او المعارض الحرفية التي تقام بين الفينة والاخرى في العاصمة اللبنانية بيروت، او في سوق النحاسين في طرابلس لا يستطيع الا ان يتوقف امام قدرة الانسان الحرفي على الابداع والتطوير·
وتتوزع اشغال النحاس على عدة ضروب منها: صب النحاس: وفي هذه العملية يصنع القالب اولاً بالشكل المطلوب من الجص، ويحفر وينحت ويقطع الى اجزاء، لتضاف اليه عند التركيب وصلات تصله بالقطع الاخرى، وبعدما تأخذ هذه الاجزاء النماذج الجصية توضع في قوالب ترابية تصنف فيها من الناحيتين لكي يأخذ التراب شكل قطع الجبس او الخشب، اذا كان اصل القالب من الخشب كي يتحفظ بالشكل بكل تفاصيله، فترفع قطعة الخشب او الجص وتعلق طبقتي القالب معاً وتربط بما يمضي تماسكها ويكون فتحة للصب·
وبعد اذابة النحاس في البوتقة يحمل ليصب في القوالب ثم يترك حتى يبرد بعد يوم او يومين، وعندها تفك القوالب وتستخرج منها هذه القطع لتبدأ مرحلة التشذيب والتهذيب فتزال منها الزوائد اما بواسطة ادوات للحفر والنحت واما بواسطة احجار الجلخ والتنظيف ثم يبدأ التنعيم وتنظيف اشكال الرسم بريش فولاذية ناعمة خاصة لكي يظهر الشكل الجميل ثم تجمع القطع معاً لتشكل ثريا او ابريقاً او اي قطعة اخرى تصنع بواسطة الصب·
وفي العادة فان من يعتمدون على مهنة صب النحاس يأتون بالنحاس القديم الموجود في الاسواق حيث يصهر لاعادة تصنيعه او يستوردون النحاس من الخارج للصهر ويكون خالياً من الشوائب حيث تحتاج عملية الصهر على افران خاصة من الأجر المقاوم والذي يتحمل درجات حرارة عالية تصل الى 2000 درجة مئوية·
وقد كانت اشهر اماكن صب النحاس في صيدا وطرابلس بلبنان، وفي دمشق وبغداد ومنها انتقل الى الاندلس واستقر بها ولذا نجد الى اليوم ان اشهر بلد في العالم في صناعة الثريات هي اسبانيا لان الاسبان تلقوا هذا العلم عن العرب الذين كانوا ملوك صناعة النحاس في العصر القديم ثم انتشر هذا الفن عبر الفتوحات في شمال افريقيا كلها فصارت له اسواق، كخان الخليلي في مصر، وسوق النحاسين في تونس خلف جامع الزيتونة، وسوق الصفارين في بغداد حيث كانوا يعتمدون على النحاس الاصفر اكثر من سواه، واسواق النحاسين في بيروت وطرابلس، ويمكن القول ان اسواق النحاسين وجدت في كل الحواضر العربية·
تطريق وتذويق
ومن أشغال النحاس أيضاً، النحاس المطروق، وتتم عملية عبر الاتيان بالنحاس الذي اذيب ثم على شكل صفائح تؤخذ منها القطع بالحجم المطلوب، ثم يبدأ تطريقها بواسطة مطارق دقيقة وصغيرة وخاصة لاعطائها الشكل العام المطلوب كالصواني او القدور أو الأباريق وغيرها، فاذا كانت من عدة قطع طرّقت كل قطعة على حدة ثم تلحّم من الداخل بلحام النحاس بحيث لا يمكن ان يعرف من يراها انها من عدة قطع الا اذا نظر اليها من الداخل لان حدود اللحام لا تظهر من الخارج، وهذا الفن من التلحيم اخترعه العرب وعرفوا به·
بعدها يبدأ تطريق الرسم حيث يرسم على الشكل بالقلم الرصاص ثم يطرق بازاميل صغيرة مختلفة حسب نوع الرسم المطلوب وحجمه، فهناك لوحات قرآنية او رسوم نباتية او حيوانية، او آيات فوق الطاسات كـ 'طاسة الرعبة' مثلاً التي تملأ بالماء ليشرب منها الاطفال الخائفون من اي شيء لتهدئتهم·
وتذكر الباحثة فطوم بالوش ان عملية تصنيع النحاس لهذا التطريق تجري عبر تجميعه ووضعه في فرن الصهر لمدة لا تقل عن خمس او ست ساعات، وحينما يصهر يسكب على شكل سبائك - بلاطات - تبلغ سماكة كل منها من اثنين الى ثلاثة سنتيمترات ثم يعد لسحبها على سلندرات وهي عبارة عن اسطوانتين فولاذيتين تدوران بشكل متعاكس تمرر خلالها السبائك للوصول بها الى السماكة المطلوبة لانتاج الالواح ثم تقطع الالواح الى الاحجام المطلوبة·
تنفير وجص
الشكل الثالث من أشكال أشغال النحاس هو تنفير النحاس، وقد وقد ابتدع العرب فناً انتقل الى العالم كله فيما بعد وهو التطريق المعكوس والتنفير، حيث يؤتى بالصفيحة فترسم عليها الرسوم من الخلف بالمقلوب ويبدأ تنفيرها بواسطة أزاميل ذات كرات مختلفة لينفر الرسم الى الخارج، وكانت تستعمل للوحات القرآنية وقد زينت بها العديد من المساجد اللبنانية والعربية، وبعد استكمال هذا التنفير يصب داخل القطعة التي جعل لها اطاراً منها من خلال طي اطرافها بعض الجص قديماً واستبدل اليوم بمعجون الحديد، بحيث يترك في داخلها حتى يجف ويتصلب فتتحول الى قطعة فنية يمكن ان توضع في أي مكان·
وبعد تطور الصناعات المعدنية في العالم، صرنا نرى ألواحاً من النحاس الرقيق جداً، وغالبيته من النحاس الاحمر او الاصفر المائل الى الاحمرار، وهذه الالواح يمكن تنفيرها بواسطة الازاميل بضغط اليد دون الحاجة الى المطارق، فترسم عليها اشكال ولوحات فنية لأي فنان من الخلف ثم تضغط بالأزاميل باليد وتملأ بمعجون الحديد حتى تجف وتتصلب وتصبح قطعة واحدة ثم يؤتى الى وجه القطعة فيجري تعتيقها بأنواع من الاسيد او تلوينها بالمينا التي تعطيها اللمعة المطلوبة فتصبح قطعة فنية وكأن لا علاقة للرسام الاصلي بها وقد برع بهذا النوع الجديد اليونان والمصريون والسوريون·
لقد ظهرت في الآونة الاخيرة في بيروت لوحات فنية وآيات قرآنية مشغولة بهذه الطريقة دون صب معجون الحديد عليها من الخلف وهي تباع كلوحات رخيصة الثمن، كأنها تتم من خلال الضغط على اللوح الدقيق جداً في قوالب خاصة تعطيها شكل القالب الذي ينتج عشرات القطع في اليوم الواحد مما ادى الى رخص ثمنها بحيث تتخذ الشكل الظاهري للوحات النحاس دون القوة والمتانة·
الحفر والتنزيل بالذهب
أما النوع الرابع من أشغال النحاس فهو الحفر والتنزيل؛ والحفر مشابه لعملية الدق الا انه يقدم لنا اشكالاً ورسوماً يتم حفرها ثم تنعيمها على الصواني المستطيلة والمستديرة على شكل دوائر ومضلعات، وتضم نوعاً من الرسومات القصصية كصورة شهرزاد وهي نائمة وحولها الراقصات على ارضية ذات رسوم نباتية، وقد يأتي الحفر مع التنزيل الذي يتم اما بالفضة الخالصة المعروفة بالروباص او بالذهب الخاص او بهما معاً وتكون القصة في اللوحة من التاريخ·
ويذكر الباحث امين سبور في هذا المجال نقلاً عن الحرفي رضوان الطويل ان النقوش والزخارف المتعددة كالحفر والتضليع والتنزيل والتخريق والحفر والتجويف تعتمد على ادوات فولاذية ومعدنية بسيطة جداً، وهي عبارة عن مطارق باحجام واشكال واوزان مختلفة واقلام معدنية فولاذية وكل قلم يستخدم كآلة او لرسم معين، وهناك انواع من النحاس تستخدم في هذا المجال هي الاصفر والاحمر والابيض الذي صار نادراً وغير مرغوب في السوق المحلية، فالخامة الاساسية هي النحاس الاحمر والاصفر وهو مادة التوتياء - الزنك الذي يخلط مع الأحمر ليعطي نحاساً أصفر·
النوع الخامس من أشغال النحاس هو المخرم المفرغ على شكل رسوم هندسية ومثلثات وانصاف دوائر واشكال متعددة والذي تصنع منه الثريات والمصابيح والمباخر والتعاليق والقماقم التي توضع في داخلها المصابيح وتضاء لتعطي اشكالاً جمالية رائعة·
وفي هذا السياق تتم احياناً اكسدة النحاس باللون القاتم حيث تغطس الآنية المراد صقلها بمحلول كبريتات البوتاسيوم مع الماء المغلي ثم الماء الساخن وبعدها تجفف بنشارة الخشب، والاكسدة باللون الازرق حيث تغطس بمحلول الصوديوم مع نسبة من الرصاص ثم تغسل بالماء الساخن وتجفف بنشارة الخشب، وهذا التخريم بات شبه غائب تماماً عن مشاغلنا·
التلميع والتلبيس
النوع السادس من أشغال النحاس هو تلميع النحاس وتلبيسه:
ويذكر الباحث عدنان سعد نقلاً عن الحرفي السوري كمال الضميان ان عملية تلميع النحاس القديم تتم عبر عدة مراحل، تبدأ بالتنظيف بالمبرد اليدوي لإزالة الشوائب وثقب القطعة في مواضع محددة، ثم مرحلة الجلخ عبر مجلخ مكون من مدات مصممة من اللباد ومطلية بالسمبادج البودرة، ثم التلميع كهربائياً بواسطة محرك دينامو يعمل بواسطة دولاب من الفراشي الجلدية مستخدمة السمبادج ثم المسح بفرشاة من الكتان مع صابونة بولشة خاصة وبعدها تمسح القطعة بالكاز او مادة الكوستيك لتبدأ عملية التنظيف الكهربائية بعدها، فاذا شاء الصانع تلبيس القطعة النحاسية بالبرونز او الذهب او الفضة يتم تغطيس القطعة مع اسيد روح الملح في حوض تحلل فيه مادة الصودا مع روح الملح ثم تنقل الى وعاء خاص مع معايير خاصة من الذهب وتضاف مادة روح الملح ومادة الفضة، ثم يسخن الخليط على نار معتدلة وهكذا يحصل التفاعل الكيماوي فينتقل الذهب من المحلول الى القطعة المراد تلبيسها· وفي حالة التلبيس بالفضة يعتمد نفس الاسلوب مع اضافة الفضة بدلاً من الذهب· وفور الانتهاء تنظف القطعة بفرشاة خاصة تساهم في اعطاء اللمعة المطلوبة والتلميع والتلبيس يتوزع على محال خاصة في بيروت وطرابلس وصيدا تعد على اصابع اليد·
غياب
بين الأمس واليوم ثمة فوارق كثيرة في صناعة النحاس في لبنان فالصنعة التي كانت تتوزع على مواضع ثلاثة في بيروت، وصيدا، وطرابلس باتت اليوم غائبة تماماً عن بيروت، وانتقل بعضها من طرابلس الى البترون في شمال لبنان خلال سنوات الحرب فيما لا تزال الى انحسار في صيدا·
ايضاً كانت المهنة تضم عشرات الحرفيين في هذه المناطق الثلاث، وتتركز ضمن عائلات محددة تتوارثها اباً عن جد، فصارت تضم معلمين فقط من هذه العائلات اما العمال فمعظمهم من العمالة السورية والفلسطينية الموجودة في لبنان، ويدل شريط وثائقي عن الحرفة اصدرته مديرية المسرح والسينما والتلفزيون في وزارة الثقافة وقدمه الينا الاستاذ غسان ابو شقرا على ان معظم الحرفيين في هذا المجال من ابناء طرابلس ورثوا المهنة اباً عن جد، ويعلمونها لأبنائهم ذكوراً واناثاً منذ سن السادسة من العمر انطلاقاً من مقولة 'العلم في الصغر كالنقش في الحجر' لان المهنة تتطلب الصبر والصبر يحتاج الى التدريب الطويل لان من يدخلون فيها كباراً يهربون منها بأسرع مما دخلوا فالمردود لا يتوازى مع الجهد المبذول والتسويق يعتمد على السياح الاجانب والعرب الذين يفرون الى لبنان لأن السوق المحلية بدأت تأخذ اتجاهات اخرى عبر الاعتماد على النوع الأخير من المواد النحاسية الرخيصة المضغوطة باليد لتزيين البيوت بالآيات القرآنية والنقوش واللوحات المختلفة والابتعاد عن النحاس الذي يحتاج الى جهد سنوي للتلميع والتنظيف الذي بات غائباً مع غياب 'المبيضين' عن اسواقنا المحلية وبالتالي فالمهنة الى انقراض اذا استمرت الاسواق على جهودها وتبدلها واللحاق بكل جديد يصلها من الخارج وخاصة من اسواق الشرق الاقصى·

اقرأ أيضا