الاتحاد

دنيا

آخر الطرابيش مهدد بالانقراض

تحقيق - غادة تميم:
'دير بالك المعلم دنكز طربوشه' كلمة كان يرددها عامل المقهى ايام زمان امام الزائر البصباص الذي يدخل لتناول الطعام وشرب النارجيلة في مقهى الحاج داوود او مقهى البحرين عند شاطئ عين المريسة - المرفأ او في أي من المقاهي والمطاعم التي تنتشر على طول الشاطئ، ليحذره من ان علقة ساخنة بانتظاره اذا اتى بأي حركة ذات دلالة تحرشية باحدى السيدات الحاضرات·
طبعاً لا أدري من اين اتت كلمة 'دنكز'؟ لكنها كانت عبارة عن لغة بالإشارة في بيروت بأن يوجه صاحب المقهى طربوشه الى الامام ليغطي نصف جبهته··· وهذا يعني انه في حالة غضب· اما اذا رفع طربوشه الى أعلى جبهته وأماله الى الوراء فهذا يعني انه في غاية 'البسط' والانشراح· و'البسط' عبارة عامية تشتق من الانبساط اي انفراج الاسارير، وفي حال إمالة الطربوش الى اليسار فهذا يعني في عرف العائلات خروج السيدات من الصالون اي قاعة الاستقبال لأن الضيف غير مرغوب فيه، وإمالته الى اليمين تعني القيام بسرعة بواجبات الضيافة لأن الزائر من أهل الكرم ولا بد إكرامه·
هكذا كانت حالة أهل بيروت مع الطربوش، الذي تؤكد بعض الأبحاث الجامعية الغربية في الآونة الأخيرة انه الأصل في القبعة السوداء التي يرتديها الخريجون في احتفالات نهاية العام الجامعي الأخير يوم تخرجهم، وان 'الششلة' الموجودة في طرف قبعة التخرج مأخوذة من 'ششلة' الطربوش ايضاً (ولعل كلمة ششلة مشتقة من سلسلة ولكنها صفّت مع الوقت باللهجة الشعبية فتحولت السين شيناً)·
طربوش رياض الصلح
وقد اشتهر بلبس الطربوش في بداية العهد الاستقلالي اللبناني الرئيس رياض الصلح رئيس مجلس الوزراء، وكذلك ابن عمه الرئيس سامي الصلح، وكان آخر من رأيناه يعتمر الطربوش· بعده تحول لبس الطربوش من عادة شعبية عامة الى عادة خاصة عندما حافظ رجال الدين من اهل السنّة على هذا الطربوش بعدما أضافوا اليه العمامة البيضاء التي تلف من طبقات وتتخذ شكلاً تدريجياً في الحجم من الأدنى الى الأعلى، ومن دائرة صغرى الى دائرة كبرى· وللف هذه العمامة أهل اختصاص من بين العلماء او من تلامذتهم اذ انها تحتاج الى وقت وخبرة حتى تكون ثابتة·
مهنة تنقرض
وصناعة الطرابيش كانت مهنة قديمة في المدن اللبنانية لها محالها في بيروت وصيدا وطرابلس وبعلبك· وكانت منتشرة في كافة البلدان العربية ويتم توارثها من الجد الى الإبن فالحفيد، لكنها إنقرضت مع الوقت وصارت الطرابيش تستورد من تركيا والصين بأرخص الأسعار· واستطاعت المضاربة الخارجية وقلة الاقبال على شراء الطرابيش القضاء على هذه المهنة بحيث لم يبق من الصناع الحرفيين فيها الا اثنان، واحد في صيدا وآخر في طرابلس· فيما قيل لنا ان الاختصاصيين في لف العمائم لا يتجاوز عددهم الخمسة حالياً ما بين بيروت وصيدا، وان كان بعض العلماء يلف عمامته بنفسه لكنها لا تكون بجودة المتخصص في تدرجها، والبعض يشتري الطربوش حالياً من دمشق لأن الحرفيين هناك لا زالوا كثر وان تدنت نسبتهم·
دلالة سياسية
اعتبر الطربوش قديماً شكلاً من اشكال الدلالة على حقبة بعينها، اذ ان صناعته في البلاد العربية ابتدأت مع محمد علي باشا والي مصر، نقلها الى لبنان نجله ابراهيم باشا عند مجيء القوات المصرية الى بيروت·
وقد تعددت ألوان الطرابيش وانواعها وان كانت في معظمها من اللون الأحمر المتدرج في كونه فاتحاً او غامقاً حسب مقام لابسه· فكانت هناك طرابيش للباشاوات وأخرى للعلماء وثالثة للعامة، وقد اضطرت هذه الدلالة السياسية للطربوش الى صدور مرسوم جمهوري في مصر مع قيام ثورة 1952 بعدم لبس الطربوش كرداء رسمي باعتباره رمزاً لحقبة ولت هي فترة حكم الملكية، على اعتبار ان الملك فاروق والباشاوات كانوا من لابسي الطرابيش·
الا ان الذين ارّخوا للبس الطربوش ونسبوه الى محمد علي باشا بشكله المعروف حالياً، وجدوا من ينكر عليهم ذلك ويعتبر ان الطربوش انما هو امتداد للطاقية المغربية - الاندلسية لكنها تطورت شكلاً بحسب المواد الأولية التي صنع منها في بلاد الشام ومصر·
ويرد هؤلاء هذا الرأي لكون معظم العائلات البيروتية ذات أصول مغربية واندلسية، وبين هؤلاء وأولئك يمكن القول ان عمر الطربوش في بلاد الشام كلها ولبنان ضمن هذا الإطار الجغرافي يعود الى قرنين من الزمان تقريباً بشكله الحالي· ويمكن ضمن هذا الإطار ايضاً محاولة دراسة أصل بعض انواع الطرابيش التي يرتديها رجال الدين المسيحيون والتي اختلفت قليلاً عن الطرابيش المعتادة، وعما اذا كانت تعود الى العهد العثماني والتشبه بالسائد فيها، على اعتبار ان العثمانيين كانوا يضعون الطرابيش ايضاً والله اعلم·
عمر الطربوش في بلاد الشام يعود إلى قرنين من الزمان
كان من المعيب أن يكشف الرجل شعره
مواد الصنعة
ويتألف الطربوش عادة من خوص ناشف يتم تشميسه حتى يجف -من اوراق النخيل- ثم يحبك بطريقة تقاطعية معينة ويوضع ما يلف على قالب من النحاس يسمى 'المكبس' يتراوح قطره بين 10 سنتيمترات في الشام و13 سنتيمتراً في مصر، وان كانت هناك قياسات أخرى للصغار وللكبار تصنع قوالبها حسب الطلب وحاجة السوق·
هذا المكبس يؤمن الحرارة في حدود 90 درجة مئوية للخوص لتليينه وتجفيفه ليتخذ الشكل الأساسي، ثم يلف من الخارج بقطعة من الجوخ الأحمر، ومن الداخل بقطع من الحرير وتدرز على جانبه أشرطة من الجلد الطبيعي من الداخل بعدما تكون قطع الجوخ والحرير قد ألصقت بصمغ عربي بصورة بسيطة، وبعدها يكوى بمكواة خاصة وتضاف اليه 'الشناشيل' او 'الشباشيل' حسب لهجة كل منطقة في تسميتها، فالتسمية الأولى سائدة في لبنان والثانية معروفة في مصر والشام·
أهمية الطربوش
كانت للطربوش ولا زالت اهميته ومكانته· فالسادة العلماء يضعونه كرمز ديني لا يجوز لغير خريجي الشريعة وضعه مع العمامة لأن ذلك يعني انتحال صفة، كما ان بعض الفنانين الكبار ولعل آخرهم الفنان السوري صبري المدلل كانوا يضعونه· وقد رأينا في السنوات الأخيرة فرقة فنية عرفت باسم 'فرقة الطرابيش' اشتهرت به فتسمت بإسمه، وكانت حفلات الأطفال في بيروت تترافق مع تقديم طربوش للصغير للإشارة الى أنه بات رجلاً، والأمر نفسه في حفلات ختم دراسة وحفظ القرآن·
دلالة ومعنى
ويمكن القول ان عادة لبس الطربوش لا تختلف عن عادة لبس الحطة والعقال لدى الرجال، إذ كان من المعيب ان يكشف الرجل شعره· واذا كان رمي العقال في قبر القتيل والابقاء على الحطة اشارة الى ان من رماه سيبقى كالمرأة ما لم يأخذ بالثأر، فان رمي الطربوش أيام زمان على الأرض كان يعني وقوع الشر، وقد عرف عن قبضايات بيروت ايام زمان انهم اذا غضبوا يخلعون الطربوش ويستعدون للعراك والقتال·
لقد انتهى زمن الطرابيش وصارت الرؤوس عارية وبعضها أصلع، فكم كان الطربوش قادراً على تغطية العيوب وعلى رفع الرأس عالياً·

اقرأ أيضا