صحيفة الاتحاد

ثقافة

سامي محمد: أعاني ضربة الإزميل الأولى لأخرج البشر من الصناديق

من أعمال سامي محمد أو.. صناديقه (من المصدر)

من أعمال سامي محمد أو.. صناديقه (من المصدر)

غالية خوجة (دبي)

الإبداع عالم يتحول فيه المحجوب إلى مكشوف لا يتراءى إلاّ للمبصرين، فيتركونه أثراً روحياً في إبداعهم، هذا ما فعله إيليتس، ودافنشي، وابن عربي، وهوميروس... وغيرهم؛ وهذا ما تفعله قلة من الفنانين التشكيليين المعاصرين، ومنهم سامي محمد الفنان التشكيلي الكويتي العربي العالمي، بـ (صرخته) ذائعة الصيت، وما تعلنه في صوتها وصمتها من الجراح والتحدي، والتي قال عنها لـ «الاتحاد»: «الصرخة الإيجابية ليست ألماً بل هي تحدّ، وعلى كل إنسان أن يتحدّى ضمن مجاله، ليكون منتجاً للأمل والحياة. الفن لا ينتهي، والتجارب لا تنتهي، والإنسان يظل باحثاً عن تلك البروق الإنسانية والكونية».
وأخبرنا عن علاقته بالطين والطفولة بأنها (تشبه اتحاداً لا سببياً)، فمنذ كان في السادسة من العمر، كان ينحت الجدران القديمة المبنية من الطين وصخر البحر، ليجمع تلك الذرات ويمزجها بالماء مشكِّلاً منها أشكاله الأولى، ثم يهديها لأصدقائه في الحي «الفريج»، فيفرح لفرحهم بتلك البطة الطينية والغزال المنحوتين، ويضيف: بدأت في تطوير نفسي، وأثناء دراستي للفن تابعت هذه التشكلات. كان المدرّسون يحتضنونني، وهذه هي البذرة الحقيقية التي جعلتني ألتصق بالفن، وأكافح من أجل الفن. شيء ما حركني، فامتدت يدي إلى الطين، وأبداً، لم أدرك وقتها، بأنني إنما كنت أمدّ عمري بكامله!. إذن، لا بد أن يطور الإنسان ذاته، لذلك رحلتُ بين الكتب والمعارض ولقاءاتي مع فنانين في أميركا، فرنسا، بريطانيا، وهذا الارتحال جعلني أضيف لأعمالي أبعاداً أخرى، تغوص مثل الموسيقى بين الكتلة والفراغ.
وأجاب عن العلاقة بين الطين والشعر والثقافة: «أزلية، ولذلك، وضعت بعض أبيات أبو القاسم الشابي، وأحمد مطر، على بعض المنحوتات الصغيرة، و(تماثيل الصناديق) المعبّرة عن إنسان يفجّر الصندوق ويخرج، وبرغم ذلك، تظل العلاقة بين الشعر والنحت معادلة صعبة، لأن الشعر إذا أمطر يُكسّر الصخر، وكذا، حال الإنسان الخارج من الصندوق، يمطرُ بالألم ليُكسّر القوالب والصناديق».
لكن، هل هناك بحور وموسيقى وتفعيلة للنحت؟ قال: «الإنسانية، هي إيقاعي الداخلي الممتزج مع أرواح كثيرة من الناس مرّوا وسيمرّون، وهي بحور هذا الفلك الروحاني، والتفعيلة الأكثر أهمية هي حواري مع أعمالي، لأنه سرٌّ حتى الآن لم أستطع الوصول إليه، لأني أعاني كما الشاعر من صعوبة البيت الأول للمنحوتة! ومن ضربة الإزميل الأولى!».
وأكد المعيارية الإبداعية النابعة من الدلالة الأعمق، قائلاً: «ما زالت طفولتي تنحت دواخلها لتكتشف الوجود، في تمثال (صبرا وشاتيلا) المؤرخ لحقبة زمنية محورها الاعتداء، تلبستني الأرض والأرواح وأشلاء الأم، فكيف أحزم شتات هذه الآلام؟ حرب نفسية بيني والعمل والدلالات المختلفة والمتنوعة، ومعياري الفني أن يوظف عملي أعماق الإنسان، ويستنطقها جمالياً، قد أرى أثر المتنبي وآخيل وحوريات هوميروس في بيوتنا المنسوجة من كلام الطين، لذا، فأنا أبحث عن الدلالة الأعمق للمنحوتة، وأحاول ألاّ أكون حِـرَفيّاً، بل صاحب رسالة للبشرية عامة. أذكر في العدوان الثلاثي، عام (1956)، كيف طلبت التربية من مدرّسي التربية أن ننجز تمثالاً للمعركة، فعملنا تماثيل من الأسلاك والورق الملون، أكثر من (200) شخص من النساء والرجال والأطفال شكّلوا المجسَّم المتراوح بين (30 سم) و (40) سم، وهو يروي رواية كاملة عن الحرب، وأتى مدير المعارف، الشيخ عبد الله جابر الصباح وكرمنا بقلم حبر جاف، وهو أول جائزة، بقيمتها الكبيرة، مما دفعني للمواصلة، فأكملتُ دراستي في كلية الفنون، وأنجزت أول تمثال من الحجر (الآجر الإيراني، أو البصراوي)، ونحتّه بأزاميل صغيرة. تمثال (الجوع) عبارة عن امرأة تحتضن طفلها (1970م)، ثم تابعت الأحداث عبر الجرائد، والإذاعة، لتكون منحوتة صبرا وشاتيلا».
لماذا المرأة؟ فردّ: «ربطت الأمومة والجوع والتمزق بالمرأة لأنها تعاني أكثر من الرجل، والجوع لا للطعام، بل للروح والحنان والسلام والحرية، والمجتمع جائع للطمأنينة، كما النهار المحتاج لشمس لا تغيب وراء الضباب والسدائم والعواصف والزلازل الفضائية».
وعن أهم اللحظات الشخصية المنحوتة في ذاكرته، قال: «الملتقى الأدبي الثقافي الذي أنشأته في بداية التسعينيات، كنت أدعو إليه فنانين مسرحيين وتشكيليين وأدباء وشعراء لنتحاور، ونستفيد من الفكرة وانتقادها، أسماه الحاضرون ملتقى سامي محمد، وهو ما زال قائماً في جمعية الفنون التشكيلية، ثم تحوَّلَ إلى ملتقى الثلاثاء. وثمة لحظة منحوتة في قلبي، عندما زارت امرأة وزوجها ووليدها معرضي في أبوظبي (1990)، ووقفت باكية أمام المنحوتة المسحوقة، لأزداد ثقة بأن الأعمال الفنية توصل الرسائل بالإحساس ذاته الذي تستقبلها به، وكذلك لا أنسى تكريمي في (سيمبوزيوم دبي/‏‏‏‏ ندوة الثقافة والعلوم/‏‏‏‏2013)، وتكريمي من مؤسسة العالم العربي، وهي مؤسسة شبيهة بأوسكار العرب من حيث الرقي، ولا أنسى تلك اللحظة عندما خصص صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مشكوراً، جناحاً خاصاً لأعمالي في متحف الشارقة للفنون، كما لا بد أن أذكر محمود درويش الذي زارني في معرضي، وقال: أنت تعبّر عني بأبيات لم أقلها، فأكدتُ: إنني أنحت أسطورتي وملحمتي، وعنوانها قضية الإنسان».